مع اقتراب موعد الامتحانات العامة في سوريا، يعيش آلاف الطلاب في محافظة السويداء حالة من القلق، بعد قرار وزارة التربية السورية بنقل امتحانات طلاب الشهادتين الثانوية العامة والأساسية من السويداء إلى مراكز امتحانية في دمشق وريفها ليضعهم أمام خيارات صعبة.
حسب الطلاب الذين تحدث إليهم موقع" تلفزيون سوريا" تتعلق بعض الخيارات بالقدرة المادية على السفر والإقامة، وبعضها الآخر بالمخاوف الأمنية داخل المحافظة التي تدفع كثيراً من العائلات إلى رفض إرسال أبنائها خارج المحافظة، خشيةَ ما قد يتعرضون له من مضايقات من قبل ميليشيا" الحرس الوطني".
وفي حين أعلنت محافظة السويداء عن ترتيبات لنقل الطلاب وتأمين أماكن إقامة لهم في مدينة جرمانا بريف دمشق، يقول طلاب إن تلك الترتيبات ما تزال غامضة أو يشوبها نقص في التفاصيل، حيث لم تقدم إجابات كافية عن الأسئلة التي تشغلهم قبل أيام قليلة من بدء الامتحانات.
وبعد استقباله لوفد أممي أصر أحد شيوخ عقل الطائفة الدرزية في السويداء حكمت الهجري، أعلنت مديرية التربية في السويداء أن الأخير لم يوافق على نقل امتحانات الشهادتين إلى ريف دمشق، مؤكدةً أنها ستُجرى داخل مراكز المحافظة.
بالنسبة للطالب أحمد (18 عاماً)، لم تعد الامتحانات هي مصدر القلق الوحيد.
إذ يقول لموقع تلفزيون سوريا، وهو طالب في الفرع العلمي قرر التوجه إلى دمشق: " طوال السنة كنت أفكر بالأسئلة والمواد التي سأمتحن بها، أما اليوم فأفكر أين سأنام وكيف سأدرس وماذا سيحدث إذا واجهتنا أي مشكلة هناك".
ويضيف خلال حديثه لموقع" تلفزيون سوريا": " قيل لنا إن هناك أماكن إقامة في جرمانا، لكن لا أحد يعرف طبيعتها أو عدد الطلاب الذين سيقيمون فيها أو ما إذا كانت مناسبة للدراسة، نحن في مرحلة تحتاج إلى هدوء وتركيز كاملين، وليس إلى مزيد من الضغوط".
ويشير أحمد إلى أن كثيراً من الطلاب كانوا يعتمدون خلال الأيام الأخيرة قبل الامتحان على حضور دورات مراجعة مكثفة أو جلسات دراسية جماعية، لكن التطورات الأخيرة دفعتهم إلى الانشغال بترتيبات السفر والبحث عن معلومات حول مصيرهم أكثر من انشغالهم بالدراسة نفسها.
ويتابع: " أشعر أن جزءاً كبيراً من طاقتي استُنزف في التفكير بما سيحدث خلال الأيام المقبلة، وهذا أمر يؤثر على أي طالب مهما كان مستواه الدراسي، أبقى في المحافظة سيضيع مستقبلي، أذهب إلى دمشق لتقديم الامتحان أصبح خائناً لدماء ضحايا السويداء مع الأسف هكذا صنفونا".
ويرى أحمد أن خلط ملف الامتحان بالمشكلات السياسية ما بين" الحرس الوطني" والحكومة السورية وضع الطلاب تحت ضغط نفسي كبير.
" لا نملك تكاليف ما بعد السفر"لم يكن قرار البقاء في السويداء بالنسبة للطالبة نور خياراً شخصياً، بل نتيجة مباشرة للظروف الاقتصادية التي تعيشها أسرتها.
تقول نور لموقع" تلفزيون سوريا": " الوضع الاقتصادي في السويداء سيء جداً، والدي موظف متقاعد، بالكاد تستطيع العائلة تأمين احتياجاتها الأساسية، عندما بدأ الحديث عن السفر إلى دمشق أدركنا أن الأمر يفوق قدرتنا المالية".
وتضيف: " حتى لو توفرت وسائل نقل مجانية، هناك مصاريف أخرى لا يمكن تجاهلها، من الطعام إلى الاحتياجات اليومية وأي ظروف طارئة قد تحدث خلال فترة الامتحانات".
وتوضح الطالبة أن عائلتها أمضت أسابيع وهي تبحث عن حلول أو بدائل، لكنها لم تجد ما يبدد مخاوفها.
وتقول: " الأصعب من كل شيء هو الشعور بالعجز، درست طوال العام، والتزمت بكل ما هو مطلوب مني، لكن مستقبلي أصبح مرتبطاً بأمور لا أستطيع التحكم بها".
وقررت نور عدم تقديم الامتحان لا في دمشق ولا في السويداء، والانتظار حتى العام القادم على أمل أن يتم حل هذا الملف وفصله عن السياسة، قائلة: " امتحاني في السويداء لن يتم الاعتراف به، والسفر إلى دمشق مستحيل، لذلك لا داعي للامتحان أساساً".
وفي حين كان الطلاب ينتظرون وضوحاً أكبر بشأن آلية الامتحانات، أعلنت مديرية التربية في السويداء (التي تتحكم بها ميليشيا الحرس الوطني) عزمها إجراء الامتحانات داخل المحافظة، في خطوة اعتبرها كثيرون تحدياً لقرار الوزارة بإقامة الامتحانات في دمشق وريفها.
وأدى القرار إلى زيادة حالة الارتباك بين الطلاب الذين وجدوا أنفسهم أمام مسارين مختلفين، أحدهما معترف به رسمياً وفق ما تؤكد الوزارة، والآخر تطرحه جهات محلية داخل المحافظة.
الطالبة سارة التي قررت إجراء الامتحان في دمشق، تقول إنها اختارت السفر إلى دمشق ليس لسبب سياسي وإنها لا تعنيها السياسة، إنما بسبب الشهادة الصادرة عن وزارة التربية.
وتضيف في حديثها لموقع" تلفزيون سوريا": " أعلم أنه سيتم تخويني وتخوين عائلتي، لكن إذا قدمنا امتحاناً داخل السويداء ثم تبين لاحقاً أنه غير معترف به، فماذا سنفعل؟ من سيعوضنا عن سنة كاملة من التعب؟ ".
وتؤكد أن كثيراً من الطلاب يرفضون المجازفة بمستقبلهم الأكاديمي في ظل غياب ضمانات واضحة بشأن مصير النتائج والشهادات.
أما الطالب ليث، فقد اتخذ قرار عدم السفر إلى دمشق وتقديم الامتحان في السويداء رغم إدراكه أن الامتحانات التي ترعاها مديرية التربية في السويداء غير معترف بها.
يقول لموقع" تلفزيون سوريا": " السبب الرئيسي ليس الدراسة ولا الامتحان، بل خوف عائلتي، والداي يرفضان فكرة سفري إلى دمشق كي لا يدخلوا في دوامة المزايدة والتخوين من قبل عناصر وأقارب لديهم ارتباطات بالحرس الوطني".
ويضيف: " (روح على الشام على دم أهلك)، عبارة تُسبّب الخوف من التشهير والقطيعة المجتمعية للكثير من العائلات، حتى عائلات الضحايا أنفسهم".
ويتابع: " احترام دماء الضحايا واجب على الجميع، لكن ما علاقته بملف التعليم؟ ".
وفي محاولة للضغط من أجل إيجاد حلول، دعت فعاليات مدنية في السويداء إلى تنظيم وقفات احتجاجية للمطالبة بضمان حق الطلاب في تقديم امتحاناتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية، لكن تلك الدعوات مرت من دون مشاركة تذكر.
ويرى طلاب أن ضعف الاستجابة لا يعكس غياب الاهتمام بالقضية، بقدر ما يعبر عن حالة إحباط عامة، إذ يعتبرون أنه لن يستجيب أحد، خاصة مع اقتراب الامتحان في 6 من حزيران الحالي.
يقول محمد، وهو طالب في الفرع الأدبي: " في البداية كان هناك أمل بأن تُحل الأزمة أو يتم التوصل إلى صيغة توافقية، لكن مع مرور الوقت فقد معظم الطلاب ثقتهم بحدوث أي تغيير، وماذا سيتغير قبل أسبوع واحد من الامتحان".
ويضيف: " الجميع منهك نفسياً، الناس لم تعد تملك طاقة للنزول إلى الشارع أو الاحتجاج، معظم الطلاب باتوا يشعرون أن هذا العام ضاع بالفعل".
" التعليم ليس ورقة سياسية"ورغم اختلاف مواقف الطلاب بين من قرر السفر ومن قرر البقاء، إلا أن معظمهم يتفق على مطلب واحد يتمثل في تحييد العملية التعليمية عن الأجندات والمواقف السياسية، فمن حق الطلبة أن يحصلوا على تعليمهم وامتحاناتهم بكل أمان واعتراف كامل.
ويقول الطالب الجامعي السابق والمتطوع في دعم طلاب الشهادة الثانوية، حسام: " هناك شعور عام بين الطلاب بأنهم تحولوا إلى ضحايا لصراع لا يملكون أي دور فيه".
ويرى حسام خلال حديثه لموقع" تلفزيون سوريا"، أن الطالب الذي أمضى عاماً كاملاً في الدراسة لا يجب أن يُطلب منه أن يدفع ثمن خلافات سياسية أو إدارية، مضيفاً أن التعليم حق أساسي، وأي خلافات يجب ألا تنعكس على مستقبل آلاف الشباب.
ويعتبر حسام أن ما يحدث هو بسبب تعنت مديرية التربية في السويداء، وإصرارها على إجراء الامتحان داخل السويداء حتى لو لم يتم الاعتراف بها كنوع من المناكفة السياسية، إضافة إلى قرار الحكومة المفاجئ بنقل الامتحانات إلى خارج المحافظة، من دون ترتيبات مسبقة، مشيراً إلى أن الترتيبات اللازمة تحتاج إلى أكثر من شهر ونصف لنقل وتأمين الطلاب.
ويشارك الطلاب هذا الرأي، مؤكدين أن الامتحانات يجب أن تبقى قضية تعليمية بحتة، بعيداً عن حسابات النفوذ والخلافات بين الأطراف المختلفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك