تقدمت إدارة متحف «بومبيدو ميتز» الواقع في شرق فرنسا ببلاغ رسمي إلى الشرطة يوم الأحد، وذلك إثر تعرض عمل فني شهير للسرقة تقدر قيمته بملايين الدولارات، إذ يعود هذا العمل للفنان البصري الإيطالي ماوريتسيو كاتيلان، وهو عبارة عن موزة مُثبتة على حائط بواسطة شريط لاصق، وقد جاء تحرك إدارة المتحف بعد أن لاحظ أحد الحراس يوم السبت اختفاء الموزة التي تُشكّل العنصر الأساسي لهذا العمل الفني الذي يحمل اسم «كوميديان» أو «Comedian»، فقامت الإدارة على الفور باستبدال الموزة المفقودة تماشيًا مع البروتوكول المعتاد والمُعتمد للتعامل مع هذا العمل.
وفي سياق متصل، أكدت إدارة المتحف أن التحقيقات في هذه الواقعة لا تزال جارية حتى الآن، وسط تساؤلات متجددة في الأوساط الثقافية حول حدود الفن وقيمة الأعمال الفنية التي تعتمد في تكوينها على عناصر قابلة للاستهلاك والتلف، ويُعد عمل «كوميديان» للفنان الإيطالي ماوريتسيو كاتيلان من أبرز الأعمال التي تثير جدلًا واسعًا في عالم الفن المعاصر؛ إذ يتكوّن ببساطة من موزة مثبتة بشريط لاصق على جدار، ويتم استبدالها بشكل دوري ومستمر كل ثلاثة أيام للحفاظ على طزاجتها ونضارتها كجزء لا يتجزأ من المفهوم الفني الذي يقصده الفنان، بحسب ما ذكرت وكالة «فرانس 24».
وأشارت إدارة المتحف كذلك إلى أن هذه الحادثة ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها هذا العمل الفني الخاص للاعتداء أو التناول؛ إذ سبق أن قام أحد الزوار بأكل الموزة خلال معرض سابق، قبل أن يتدخل حراس المتحف سريعًا ويقوموا باستبدال القطعة بأخرى، كما شهد هذا العمل واقعة شهيرة أخرى في عام 2019 خلال معرض «Art Basel Miami Beach»، عندما أقدم الفنان الأدائي ديفيد داتونا على أكل الموزة أمام الحضور والجمهور، في تصرف علني وصفه آنذاك بأنه نابع بدافع الجوع.
ويُمثل هذا العمل الفني، الذي يتألف ببساطة من موزة عادية مُثبتة بشريط لاصق على الحائط، ظاهرة فريدة في المشهد الثقافي؛ حيث ظهر لأول مرة في معرض «آرت بازل ميامي بيتش» في شهر ديسمبر من عام 2019 قبيل اندلاع جائحة كوفيد، وعلى الرغم من مظهره الذي يبدو عبثيًا وبسيطًا في ظاهره، إلا أنه نجح في إثارة نقاشات عالمية واسعة وعميقة حول طبيعة الفن المعاصر وغايته واقتصادياته، مؤكدًا بذلك مكانته المحورية والبارزة في عالم الفن الحديث، ففي جوهرها الصميم، تُشكّل لوحة «كوميديان» مرآةً حقيقية تعكس طبيعة الفن الزائلة، وتُمثل تحديًا صارخًا للمفاهيم التقليدية الموروثة عن الديمومة والخلود في الفن، فالموز، باعتباره فاكهة سريعة التلف والتحلل، يُبرز بوضوح فكرة زوال الوجود، ويُعرّض الجمهور بشكل مباشر لمواجهة الطبيعة العابرة للفن والحياة والمعنى نفسه، وعلى النقيض تماماً من الأعمال الفنية الكلاسيكية التي صُممت وصُنعت بعناية لتدوم قرونًا طويلة، فإن «كوميديان» تحتضن التحلل والفناء عن قصد وعمد، جاعلةً من عدم الديمومة سمةً رئيسية ومميزةً لها، بحسب ما ذكره موقع «art collector news».
ويقدم الفنان الإيطالي ماوريتسيو كاتيلان قطعته هذه التي لا تعدو كونها مجرد غرض يومي عادي؛ وهو ما قد يدفع الكثيرين للمزاح ووصفها بمصطلح «Objet trouvé»، أي الأشياء المتعفنة اليومية التي تطرح تساؤلًا جوهريًا عما إذا كان الدوام والاستمرار شرطًا ضروريًا لتحقيق الأهمية والقيمة في عالم الفن.
ويظل الجانب الأكثر إثارة للجدل والنقاش في عمل «كوميديان» هو سعره المرتفع، مما جعله بمثابة تعليق نقدي لاذع ومباشر على سوق الفن وآليات الرأسمالية، فالقيمة الحقيقية هنا لا تكمن في العمل الفني المادي نفسه، بل تتمثل في شهادة الأصالة والملكية الفكرية التي تصاحبه، وقد بيع هذا العمل بمبلغ 120 ألف دولار في معرض آرت بازل، ووصلت النسخ اللاحقة منه إلى أسعار مماثلة، وصولًا إلى السعر القياسي الذي يبلغ 6 ملايين دولار، مما وضع عمل كاتيلان في ذروة النقد -والاحتفاء في آنٍ واحد- بعبثية وجنون سوق الفن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك