تجسد الحلي لدى القبائل الأمازيغية في المغرب مهارة متوارثة منذ آلاف السنين، ظلت على الدوام منسجمة مع الأزياء التقليدية المحلية.
ففي القرى والمدن العتيقة، أبدع الحرفيون هذه الزينة، من خلاخل ودبابيس وتيجان وأساور وأقراط، مستلهمين زخارف ذات دلالات روحية وجمالية عميقة، تستمد رموزها من الطبيعة والأرض.
الكاتبة إفري، المقيمة في الولايات المتحدة، نشأت في مراكش وسط هذه الثقافة، وتروي اليوم حكاية هذا الإرث.
فمن خلال منصاتها على شبكات التواصل الاجتماعي، تقدم قراءة مناهضة للاستعمار لتاريخ شمال إفريقيا، خصوصا عبر التعريف بهذه الحلي التي كانت تنتقل من الأم إلى الابنة، والتي" لطالما أدت دور البنك".
وتقول ليابلادي" كانت القطع المثبتة في" تاونزا"، وهي زينة ترتدى حول الرأس، تستعمل في أوقات الأزمات، كما كانت تعكس ثروة الأسرة".
وتوضح إفري، التي تعلقت بالحلي الأمازيغية منذ طفولتها، أنها عمقت معرفتها بها عبر الثقافة الشفوية، بفضل ما تعلمته من عماتها.
وتضيف الكاتبة في حديثها إلى يابلادي" تعلمت أيضا الكثير من السكان المحليين، خلال عطلاتي في أكادير ومرتفعات سوس، وكذلك من جامعي التحف".
بعد انتقالها إلى الولايات المتحدة، اتخذ اهتمام إفري بالحلي الأمازيغية بعدا جديدا، إلى حد أنها جعلت من جمعها مهمة شخصية، على أمل إعادتها يوما إلى أرضها الأصلية.
وتقول" أصبح اهتمامي أكثر جدية حين بدأت أصادف هذه القطع كثيرا في متاجر القطع القديمة والتحف.
إنها تائهة هنا، معروضة للبيع في أسواق خاصة ومعارض.
لذلك شرعت في جمعها لإعادتها إلى المغرب".
في مقاطع الفيديو التي تخصصها لهذا الموضوع، تعرض إفري قطعا اقتنتها من متاجر أمريكية.
ولا يقتصر الأمر على التعريف بخصوصيات صياغة تقليدية ضاربة في القدم، بل يتعداه إلى التوعية بمهارة حرفية ينبغي صونها، مع إبراز البعد الرمزي والتاريخي لهذه الاستعمالات.
ومن بين الزخارف الأكثر حضورا، تبرز صيغة على شكل الصليب الأمازيغي والطوارقي، المعروف أيضا بـ" أغادِز"، كما تشرح.
وتدعم إفري هذه القراءة بالتذكير بأن" الطوارق، الذين يستعملون هذا الصليب أيضا، كانوا وثنيين ثم مسلمين، وقد ثاروا ضد الرومان، وهو ما يفكك أي صلة محتملة بالصليب المسيحي".
ويتخذ الصليب الأمازيغي كذلك صيغة" بوغداد"، ضمن" أكثر من 21 تنويعة جهوية" تحمل إشارات إلى" الأرض، والحماية، والطبيعة، والخصوبة، والإنجاب، والروحانية، وغيرها من المعاني التي تختلف باختلاف القبائل".
زخارف تعكس الثقافة المحليةوتحضر في الحلي القديمة زخارف أخرى، مثل قدم الحمامة، والعين، واليد، والقطع النقدية، إلى جانب أشكال هندسية كاللوزات التي ترمز إلى الأرض، والمثلثات التي تحيل إلى الخصوبة والأنوثة ودورة الحياة والموت، مع استلهام تاريخي من تمثلات تانيت، كما توضح إفري.
أما من حيث المواد، فقد كان الذهب من بين المعادن المستخدمة في صناعة الحلي على مر القرون، غير أن الفضة ظلت دائما القيمة الأكثر رسوخا.
وبحسب إفري، فإن" الذهب استخدم أكثر في فاس والمدن المجاورة، بينما بقيت الفضة المعدن المرجعي في كل الأزمنة، خصوصا لما تحمله من قيمة روحية كبيرة".
وقد فضلت القبائل القديمة الفضة، خاصة أن" الحلي لم تكن تؤدي وظيفة جمالية أو تزيينية فقط".
في المغرب، حيث تميل الثقافة الأمازيغية إلى البساطة وتجنب إظهار البذخ، فضلت الفضة في هذه القطع، التي" استخدمت أيضا كوسائل دفاعية للنساء، ومن هنا جاءت ضرورة صنعها من معدن أكثر صلابة من الذهب".
ومن بين هذه المناطق تيزنيت، وتارودانت، وكلميم، وتالوين، وأكدز، وأغدو، وعدة قرى في نواحي أكادير ومراكش، إضافة إلى المدن العتيقة.
كما توجد تقاليد محلية في الأطلس الكبير والأطلس المتوسط، برموز واستعمالات تختلف بحسب القبائل والمواد المتاحة في البيئات الطبيعية التي تتم فيها الصناعة.
وتقول إفري: " وقد جرى اعتماد هذه القطع لاحقا في مناطق متعددة، بفعل المبادلات التجارية التي نقلت نماذج مميزة من الجنوب إلى جهات أخرى".
وتعد الألوان بدورها مؤشرا على مصدر الحلي.
ففي الريف، انتشرت ألوان الأحمر والأزرق والأخضر، بينما تتميز حلي سوس بزخارف بالبرتقالي أو الأصفر.
وبحسب إفري، " توجد أكثر من 100 تقنية لصناعة الفضة في شمال إفريقيا، وهي المنطقة الأكثر تنوعا في العالم من حيث مهارات التعامل مع هذا المعدن".
وبما أن الفضة تشكل أساس معظم الحلي القديمة، فقد جرى دمجها مع المرجان.
وتظل الفضة مهيمنة في القطع المصنوعة بالجنوب، المعروف تاريخيا بمناجمه.
وكلما اتجهنا نحو شمال المغرب، ازدادت هذه القاعدة غنى بالخرز التقليدي والأحجار الكريمة، بحسب المواد المتاحة، وبحسب القرب من الساحل أو من المناطق الداخلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك