كان إدغار موران أشبه بذاكرة تمشي على قدمين.
لذلك لم يكن غريباً أن ينظر إليه في فرنسا بوصفه" الجد الفكري" للأمة الفرنسية.
لقد عاش زمناً أطول من معظم خصومه وأصدقائه الفكريين، وبقي حتى سنواته الأخيرة يكتب ويتدخل في النقاشات العامة ويعلق على أزمات العالم.
برحيله عن عمر ناهز الـ104 سنوات، لا يرحل فيلسوف فرنسي فحسب، بل يرحل شاهد حي على قرن كامل من التحولات الكبرى.
فقد ولد عام 1921، وعاش صعود الفاشية، والحرب العالمية الثانية، والمقاومة الفرنسية، والحلم الشيوعي، والانهيار الأخلاقي للستالينية، والحرب الباردة، وثورات الستينيات، ثم العولمة والأزمات البيئية والرقمية التي طبعت العقود الأخيرة.
وأخيراً عاش بداية عصر الذكاء الاصطناعي.
كان موران ينتمي إلى ذلك العصر الذي أنجب سارتر وكامو وليڤي-ستروس وفوكو ودولوز وبارت وألتوسير، لكنه ظل حالة مختلفة بينهم جميعاً.
فهو لم يكن بحجم الشهرة الجماهيرية التي حظي بها سارتر، ولا بالثورة الأفهومية التي أحدثها فوكو، ولا بالأسلوب التفكيكي الجامح الذي عرف به دولوز، لكنه كان الأكثر سعياً إلى بناء رؤية شاملة للعالم في زمن كانت المعرفة فيه تتشظى إلى اختصاصات وجزر منفصلة.
فإذا كان لكل واحد من هؤلاء مشروعه الفكري المحدد، فإن موران بدا وكأنه يحمل مشروعاً أوسع: إعادة التفكير في المعرفة الإنسانية نفسها.
لهذا السبب لم يتحول إلى" موضة فلسفية" كالتي أحاطت بفوكو أو دولوز، ولم يصبح رمزاً سياسياً كما حدث مع سارتر، لكنه اكتسب مع مرور الزمن مكانة فريدة بوصفه أحد آخر المفكرين الذين حاولوا النظر إلى العالم بوصفه كلاً مترابطاً لا مجموعة حقول منفصلة.
وربما كان موقع موران الحقيقي بين سارتر وليفي-ستروس أكثر مما هو بين سارتر وفوكو أو سارتر ودولوز.
فإذا كان سارتر قد جعل الذات الإنسانية مركز العالم، وإذا كان ليفي-ستروس قد همش هذه الذات لمصلحة البنى الثقافية العميقة، فإن موران حاول الجمع بين الطرفين.
فالإنسان عنده ليس سيد العالم كما تصورت ذلك الإنسية الكلاسيكية، لكنه ليس أيضاً مجرد أثر عابر لبنى لغوية أو اجتماعية لا يملك تجاهها أي قدرة على الفعل.
لذلك يمكن النظر إلى مشروعه كله بوصفه محاولة لإعادة بناء إنسية جديدة بعد انهيار الإنسية القديمة.
لقد رحل الرجل الذي أمضى أكثر من 80 عاماً في الكتابة والتفكير، وهو يواجه ما اعتبره المرض الأكبر للحداثة: اختزال الواقع.
من المقاومة إلى مراجعة اليقينياتعاش موران الذي ولد عام 1921 جميع التحولات الكبرى التي عرفها القرن الـ20 تقريباً.
شارك في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، وانضم بعد الحرب إلى الحزب الشيوعي الفرنسي شأنه شأن عدد كبير من مثقفي جيله الذين رأوا في الشيوعية أفقاً للتحرر الإنساني.
غير أن التجربة نفسها التي قادته إلى الالتزام السياسي قادته أيضاً إلى مراجعة هذا الالتزام نفسه.
فقد اصطدم مبكراً بالجمود العقائدي الستاليني، وطرد من الحزب الشيوعي عام 1951، ليبدأ منذ ذلك الحين رحلة نقدية طويلة ضد كل صور اليقين الأيديولوجي.
هنا يكمن أحد الفروق الجوهرية بين موران وكثير من أبناء جيله.
فبينما ظل بعض المثقفين أسرى انحيازاتهم السياسية الكبرى، جعل موران من النقد الذاتي فضيلة معرفية أساس.
وقد عبر عن ذلك بوضوح في كتابه" النقد الذاتي"، بحيث حاول أن يفهم كيف يمكن للمثقف أن يقع أسير الأوهام التي يعتقد أنه يحاربها.
لم يكن ذلك مجرد تحول سياسي، بل كان نقطة انطلاق مشروع فلسفي كامل يقوم على الاعتراف بأن الخطأ جزء من عملية المعرفة، وأن الحقيقة ليست معطى نهائياً بل مسار مفتوح من التصحيح والمراجعة.
ولعل ما يميز موران عن معظم أبناء جيله أنه لم يحول أخطاءه الفكرية إلى أسرار محرجة أو صفحات مطوية، بل جعل منها موضوعاً للتفكير نفسه.
ففي زمن كان المثقفون يتنافسون فيه على ادعاء امتلاك الحقيقة، كان موران من القلائل الذين امتلكوا شجاعة الاعتراف بالخطأ.
لذلك لم يكن النقد الذاتي عنده موقفاً أخلاقياً فحسب، بل شرطاً من شروط المعرفة.
فالعقل الذي لا يراجع نفسه يتحول بسرعة إلى عقيدة، والعقيدة تتحول بدورها إلى نوع من العمى المعرفي.
الثورة على الذكاء الاختزالي: العالم أعقد مما نظنفي قلب مشروع موران الفكري تقف فكرة واحدة سترافقه حتى نهاية حياته: العالم أعقد مما نظن.
فقد كان يرى أن المعرفة الحديثة حققت نجاحات علمية هائلة، لكنها دفعت ثمناً باهظاً لهذا النجاح.
فالتخصصات الأكاديمية راحت تنفصل بعضها عن بعض إلى درجة أصبح معها الفيزيائي عاجزاً عن فهم السوسيولوجي، والسوسيولوجي عاجزاً عن فهم البيولوجي، والفيلسوف عاجزاً عن فهم كليهما.
هكذا ظهر ما سماه موران" الذكاء الأعمى"، أي ذلك النوع من المعرفة القادر على تحليل التفاصيل الدقيقة والعاجز عن رؤية الصورة الكلية.
من هنا نشأ مشروعه الأشهر: " الفكر المركب" أو" الفكر المعقد".
لم يكن المقصود بالتعقيد عند موران الغموض أو التشابك غير المفهوم، بل الاعتراف بأن الظواهر الإنسانية والطبيعية تتكون من مستويات متعددة متداخلة لا يمكن فهمها عبر سبب واحد أو تفسير واحد.
فالإنسان ليس مجرد كائن بيولوجي ولا مجرد ذات نفسية ولا مجرد نتاج اجتماعي.
إنه كل ذلك في آنٍ.
لهذا كرس عشرات الأعوام لإنجاز مشروعه الضخم" المنهج"، الذي سعى فيه إلى بناء رؤية معرفية تتجاوز الانقسامات التقليدية بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية والفلسفة.
موران وسارتر: المثقف الملتزم أو المثقف المراجع لذاته؟يصعب الحديث عن أي مفكر فرنسي في النصف الثاني من القرن الـ20 من دون المرور بسارتر.
كان سارتر النموذج الأشهر للمثقف الملتزم الذي ينخرط مباشرة في معارك عصره السياسية والأخلاقية.
وقد مارس تأثيراً هائلاً على أجيال كاملة من المثقفين الأوروبيين والعرب الذين رأوا فيه صورة المفكر المناضل.
أما موران فقد سلك طريقاً مختلفاً وأكثر هدوءاً وأقل صخباً.
شارك سارتر الاهتمام بالشأن العام والانحياز إلى القضايا الإنسانية الكبرى، لكنه كان أقل ثقة باليقينيات السياسية وأكثر حذراً من الأيديولوجيات التي تختزل الواقع في رؤية بعينها.
كان سارتر يميل إلى اتخاذ المواقف الحاسمة والاصطفافات الواضحة، بينما كان موران يرى أن الواقع أكثر تعقيداً من أن يختزل في ثنائيات جاهزة.
وإذا كان سارتر قد جعل الحرية محور مشروعه الفلسفي، فإن موران جعل التعقيد محور مشروعه المعرفي.
لهذا يبدو موران اليوم أكثر قرباً من أسئلة القرن الـ21 بعد نهاية السرديات الكبرى الحزينة.
ففي زمن الاستقطابات الحادة والانقسامات الرقمية والشعبويات المتصاعدة، لم تعد المشكلة الأساس نقص الالتزام، بل الإفراط في اليقين غير المؤسس.
موران وفوكو: من حفريات السلطة إلى أنسنة المعرفةكان فوكو أحد أكثر مفكري القرن الـ20 تأثيراً.
فقد انشغل بتحليل السلطة وآليات اشتغالها داخل المؤسسات الحديثة، من السجون إلى المستشفيات والمدارس والخطابات العلمية.
ودرس علاقة السلطة بالمعرفة، فنحت أفهوم السلطة-معرفة إذ لا يجوز فصل المعرفة أو العلم عن السلطة التي تشجعها، كما لا يجوز تجاهل المعرفة التي تعيد إنتاج سلطة من نوع مختلف.
أما موران فانطلق من سؤال مختلف.
فهو لم يكن يبحث أولاً في كيفية اشتغال السلطة، بل في كيفية اشتغال الواقع نفسه.
حاول فوكو أن يكشف البنى الخفية التي تصوغ الإنسان الحديث، بينما حاول موران أن يعيد وصل ما فصلته تلك البنى.
كان فوكو حفاراً بارعاً في طبقات المعرفة، أما موران فكان مهندساً يسعى إلى إعادة تركيب الصورة الكلية.
كما أن فوكو الذي تحاور طويلاً مع البنيوية وتجاوزها في الوقت نفسه، والذي أعلن في" الكلمات والأشياء" عن موت الإنسان، أسهم في تهميش أفهوم الذات الإنسانية المستقرة، في حين ظل موران متمسكاً بفكرة الإنسان بوصفه مركزاً للتجربة الأخلاقية والمعرفية.
لذلك بقي موران يؤمن بنوع من الإنسية تناسب العصور الحديثة.
لهذا السبب لم ينجذب إلى الخطابات التي بشرت بـ" موت الإنسان"، بل سعى إلى إعادة تعريف الإنسان داخل شبكة العلاقات المعقدة التي تشكل وجوده اليوم.
موران ودولوز: بين الفكر المركب وفلسفة الاختلافإذا كانت المقارنة مع سارتر تكشف عن البعد السياسي لموران، والمقارنة مع فوكو تكشف عن البعد المعرفي، فإن المقارنة مع دولوز تكشف عن العمق الفلسفي.
فكلا الرجلين تمرد على الفكر الخطي الذي يبحث عن أصل واحد وبداية واحدة وحقيقة واحدة ومركز واحد.
وكلاهما احتفى بالكثرة والتعددية والتشابك والحركة المستمرة.
وعلى رغم ذلك تبقى المسافة بينهما كبيرة.
فقد كان دولوز فيلسوف الاختلاف بامتياز.
عالمه أشبه بجذمور (ريزوم) لا مركز له ولا نهاية، شبكة مفتوحة من الاحتمالات والتشعبات.
أما موران فكان يبحث داخل هذا التشابك نفسه عن إمكان بناء معنى مشترك.
دولوز كان يميل إلى تفجير البنى الفكرية القائمة وإطلاق طاقات الفرق الكامنة فيها، بينما كان موران يحاول فهم كيفية انتظام هذه الاختلافات أو الفروق داخل أنظمة أكثر تعقيداً.
لهذا استند دولوز أساساً إلى الفلسفة والأدب والفن وقليل من البيولوجيا والجيولوجيا، في حين استند موران إلى البيولوجيا والسيبرنيطيقا ونظرية الأنظمة والعلوم المعاصرة.
كان مشروع دولوز مشروع تحرير الفكر من المركز، أما مشروع موران فكان مشروع إعادة وصل الأجزاء المتناثرة للعالم.
لعل أكثر ما يميز موران عن أبناء جيله أنه تجاوز الإطار الفرنسي والأوروبي نحو ما سماه" الأرض- الوطن".
ففي وقت كانت الهويات القومية والأيديولوجية تهيمن على التفكير السياسي، كان يتحدث عن مصير بشري مشترك وعن ضرورة بناء وعي كوكبي جديد.
من هنا جاء اهتمامه المبكر بالقضايا البيئية وأخطار الحروب والعولمة والأزمات الحضارية التي تهدد الإنسانية جمعاء.
كما لم يتردد في اتخاذ مواقف أثارت جدلاً واسعاً داخل فرنسا، خصوصاً في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وانتقاده السياسات الإسرائيلية، انطلاقاً من رؤية أخلاقية ترفض تحويل مأساة شعب تاريخية إلى مبرر لمآسي شعوب أخرى.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)لذلك كان يعد أن الفكر الحقيقي يبدأ عندما نتجاوز حدود القبيلة والأمة والطائفة لننظر في الإنسان بوصفه إنساناً.
ماذا يبقى من إدغار موران؟ربما لن يترك موران وراءه مدرسة فلسفية بالمعنى التقليدي، ولن يظهر تيار يحمل اسمه ويتابع ما بدأه كما حدث مع الوجودية والتفكيكية والبنيوية.
لكن أثره قد يكون أبقى من ذلك كله.
فقد ترك طريقة مختلفة في التفكير قبل أن يترك نظرية، بحيث ترك دعوة دائمة إلى مقاومة التبسيط، وإلى الحذر من الأجوبة النهائية، وإلى النظر في العلاقات بدل الاقتصار على العناصر المنفصلة.
وفي عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، تبدو هذه الرسالة أكثر راهنية من أي وقت مضى.
وعليه، برحيل إدغار موران لا تغيب شخصية فكرية فرنسية فحسب، بل يختفي أحد آخر الحكماء الذين عاشوا القرن الـ20 بكل كوارثه وأحلامه، ثم أمضوا ما تبقى من حياتهم محاولين تعليم البشرية درساً بسيطاً وصعباً في آنٍ: العالم أعقد من أن يختزل في فكرة واحدة، والإنسان أكبر من أي عقيدة، والمعرفة الحقيقية تبدأ حين نعترف بحدود معرفتنا.
وربما تكمن أهمية موران اليوم، بالنسبة إلينا نحن العرب، في أنه يذكرنا بشيء نفتقده أكثر من أي وقت مضى: فضيلة التفكير المركب.
فمعظم أزماتنا السياسية والثقافية والدينية تنشأ من الرغبة في اختزال الواقع في تفسير واحد، أو هوية واحدة، أو حقيقة واحدة، أو عدو واحد.
وقد أمضى موران حياته كلها محارباً هذا الميل الإنساني إلى التبسيط.
لهذا لا يبدو رحيله مجرد حدث يخص الثقافة الفرنسية، بل خسارة عالمية في زمن تتراجع فيه الأصوات القادرة على الجمع بين المعرفة والحكمة، وبين التخصص والرؤية الكلية، وبين الالتزام والنقد الذاتي.
لقد كان إدغار موران واحداً من آخر المفكرين الذين رفضوا أن يختاروا بين الإنسان والعلم، وبين الحرية والنظام، وبين الوحدة والتعدد.
وربما لهذا السبب تحديداً يبدو أكثر أهمية اليوم مما كان عليه في ذروة حضوره الفكري.
وعليه، رحل إدغار موران، لكن السؤال الذي أمضى عمره كله يطرحه لا يزال مطروحاً علينا أكثر من أي وقت مضى: كيف نفكر في عالم معقد من دون أن نستسلم لإغراء التبسيط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك