في مقدمة الكتاب (الصادر عن مجموعة" كلمات" )، التي وضعتها المترجمة، سيرة موجزة جداً للكاتب والشاعرالصيني بي داو، المولود في مدينة بكين، وقد نشأ فيها، وكان كثير النشاط في المجال السياسي المعارض للحكم.
ثم تحول إلى النشاط الثقافي، والكتابة القصصية والروائية والشعرية منذ أواخر الستينيات.
وقد سطع نجمه في خلال أحداث تيان آن مين الشهيرة، في ما يدعى بانتفاضة الطلاب، عام 1989، حين صارت إحدى قصائده بعنوان" جواب" أحد شعارات الثورة الطلابية الكبرى.
علماً أن بي داو كان قد انطلق، في مساره الأدبي، كاتباً للقصة القصيرة، " البيت الأزرق" وروايته الأولى" أمواج" التي أنجزها عام 1974، لم يستطع إصدارها إلا عام 1979.
تُرجمت بعض من قصائده ومجموعاته الشعرية التي كتبها في منفاه القسري، المفروض من السلطة الصينية، في حينه، وخلال ترحاله، وانتقاله بين بلدان أوروبا (فرنسا، وألمانيا، السويد، الدنمارك) والولايات المتحدة.
وقد سمحت له السلطات الصينية، في عام 2006، العودة إلى البلاد وإصدار أعماله منها.
والجدير ذكره أيضاً أن الشاعر بي داو، ينتمي إلى تيار ما سمي بالشعر الضبابي، يعود إلى أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، والذي يقوم على ثلاث دعائم: الصوَر، والرمزية، والأبعاد الثلاثية.
وكان من الواضح تأثر هذا التيار بالشعر الغربي الطافح بروح التمرد والنزعة إلى التجديد في اللغة، والنظرة إلى المجتمع والعالم وإلى جوهر الإنسان، بعد المآسي الكونية التي تسببت بها الحروب والصراعات السياسية الداخلية.
ولم يكن مستغرباً أن يقف الشاعر بي داو، وزملاؤه الشعراء، أمثال شو تينغ، وغو تشينغ، وجيانغ خي، ويانغ ليان وغيرهم، ضد الثورة الثقافية، كما رسمها ماو تسي تونغ، وطبقها على نحو مريع.
بالعودة إلى الكتاب الشعري" مصباح وحيد في الهاوية"، ثمة تسع وخمسون (59) قصيدة، يمكن أن تكوّن، بمجموعها، تصوراً عن عالم الشاعر، وأهم نقاط تركيزه، وهواجسه.
كما يمكن أن تدل، ولو بصورة نسبية، على أسلوب الشاعر، وانشغاله اللغوي- وهو غير متاح إطلاقاً بسبب طبيعة اللغة الصينية وجمالياتها التي لا يدرك القارئ حدودها، ولا كاتب المقالة.
وبناء عليه، تقتصر الإفادة من ترجمة الشعر الصيني، لهذا الشاعر بي داو، على الجانب الموضوعاتي بعامة، وبعض التصرف بالفضاء النصي في القصائد، توزيعاً للمقاطع الشعرية، واللازمات في بعض القصائد، والكلمات-المفاتيح الدالة على هاجس غالب في الشعر، وغير ذلك مما يتسنى للقارئ المتذوق استخلاصه من النصوص المترجمة، بلغة عربية ناصعة، وذات دراية بخصوصيات اللغة الشعرية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)من جو الديوان بالترجمة العربية نقرأ: " بذراعكِ حجبتِ نصفَ وجهكِ، / وحجبتِ اضطرابَ الغابة كذلك، / ثمّ أغمضتِ عينيكِ في بطءٍ/ نعم بالأمس.
/ بالتوتِ، لوّنتِ سحُبَ الشفق/ ولوّنتِ خجلكِ كذلك.
".
وأيضاً: " يرنُّ الجرَسُ الحجريُّ في قاعِ البحرِ/ يرنّ، وترتفعُ الأمواجُ/ ما يرنُّ هو أغسطس/ لا شمسٌ في ظهيرة أغسطس/ قاربٌ ذو شراعٍ مثلّث محتقنٍ بالحليب/ يعلو الجثّةَ الطافية/ ما يعلو أغسطس، يتدحرجُ التفّاحُ أسفلَ التلّة في أغسطس.
".
وفي الديوان قصيدة بعنوان" رام الله": " في رام اللهيلعبُ القدماءُ الشطرنجَ في السماءِ المرصّعةِ بالنجوم/ الحركةُ النهائيةُ تومضُ/ ذاكَ العصفورُ المحبوسُ داخلَ السّاعة/ يقفزُ إلى الخارجِ ليعلنَ الوقتَ.
في رام الله تتسلّقُ الشمسُ الجدارَ كرجلٍ مسنٍّ/ تتجوّلُ في الأسواقِ/ وتضيءُ نفسَها/ على طبقٍ نحاسيّ صدىء.
نثرَ الموتُ بذوره طوالَ الظهيرة/ وأزهرَ أمامَ نافذتي/ شجرةُ المقاومة اتّخذتْ شكلَ الإعصار/ ذاك الشكل البدائيّ العنيف".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك