من ساحات القتال في جنوب لبنان وقطاع غزة إلى دوائر صنع القرار الأمني الأكثر حساسية في إسرائيل، شقّ اللواء رومان غوفمان طريقه داخل المؤسسة العسكرية حتى بلغ أحد أكثر المناصب نفوذًا في الدولة العبرية.
وبعد سنوات من العمل الميداني والقيادي في سلاح المدرعات، وانتقاله إلى قلب منظومة صنع القرار بصفته السكرتير العسكري لرئيس الوزراء الإسرائيلي في مايو/أيار 2024، اختاره بنيامين نتنياهو أواخر عام 2025 لقيادة جهاز الاستخبارات الخارجية «الموساد»، واضعًا أحد أبرز الضباط المقربين من دوائر الحكم على رأس الجهاز المسؤول عن إدارة الملفات الاستخبارية والعمليات الخارجية لإسرائيل.
وشهد المركز الرئيسي للجهاز مراسم توليه منصبه رسميًا، بمشاركة نتنياهو ونخبة من الشخصيات القيادية في المنظومة الأمنية.
شهدت مدينة موزير في بيلاروسيا مولد رومان غوفمان يوم 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1972، وفي عام 1990، انتقل برفقة عائلته إلى إسرائيل مهاجرًا في سن 18 عامًا، بالتزامن مع تصدع الاتحاد السوفياتي، حيث أقامت الأسرة في مدينة أسدود، وغوفمان متزوج وله 3 بنات.
تلقى غوفمان تعليمه في مدرسة الضباط البحرية «أورت»، ومارس خلال تلك الفترة رياضة الملاكمة ونال فيها الميدالية الفضية على نطاق إسرائيل، وأتم دراسته الجامعية بنيل شهادة في العلوم السياسية من كلية عسقلان، وتوسع في دراسة الأمن القومي والسياسة بحيازته درجة الماجستير من جامعة حيفا، وبحلول عام 2019، أصدر ورقة بحثية حملت عنوان «يوم الحساب بالأمس»، طرح عبرها فكرة صياغة توازن إستراتيجي نووي حديث متعدد الأقطاب في الشرق الأوسط، يضم روسيا والصين والولايات المتحدة الأميريكية، في مواجهة القدرات النووية الإيرانية، وفقًا لـ «القناة الـ14 الإسرائلية».
انخرط غوفمان في صفوف سلاح المدرعات بالجيش الإسرائيلي عام 1995، متبعًا مسارًا كلاسيكيًا داخل الجيش الإسرائيلي عبر التنقل بين الكتائب والألوية، وبدأ عمله في الكتيبة 53 التابعة للواء 188، حيث انخرط في العمليات العسكرية بجنوب لبنان، وتحول لاحقًا إلى إدارة العمليات في قطاع غزة والضفة الغربية إبان الانتفاضة الثانية عام 2000 وعملية «السور الواقي» عام 2002.
تولى بعد ذلك سلسلة من المسؤوليات القيادية والعملياتية، برز منها موقعه قائدًا في سلاح المدرعات الإسرائيلي، وقاد في القوات ذاتها الكتيبة 75 في اللواء المدرع السابع عام 2017، كما عُين ضابطًا في فرقة «غَعَش» (أوغدة 36)، وتولى قيادة لواء عتصيون، ثم اللواء المدرع السابع، وتلا ذلك قيادته لفرقة «البَشان» (الفرقة 210) المعنية بالجبهة الشمالية ومنطقة الجولان، وصولًا إلى رئاسة المركز الوطني للتدريب البري.
خلال حرب الإبادة الجماعية التي شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد حركة حماس في غزة في أعقاب عملية طوفان الأقصى يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أدى غوفمان دورًا بارزًا ميدانيًا واستخباراتيًا، ودون اسمه بوصفه الضابط الأعلى رتبة الذي يتعرض للإصابة في الهجوم ذلك اليوم، بحسب ما تناقلته المصادر الرسمية والإعلامية الإسرائيلية، وكان قد التحق في مستهل المواجهات بمتطوعين من الشرطة قرب سديروت في النقب الغربي، واشتبك مع عناصر حماس وتعرض لإصابة بليغة في ركبته خلال المواجهات بغلاف غزة.
بعد تماثله للشفاء من الإصابة، شغل موقعًا إداريًا أمنيًا شديد القرب من هرم السلطة، متمثلًا في رئيس أركان منسق أعمال الحكومة في المناطق، وهو منصب سمح له بالتعاطي مع ملفات مدنية وأمنية شديدة التعقيد.
وفي تلك الحقبة، صاغ غوفمان وثيقة اقترح فيها تطبيق إدارة عسكرية في قطاع غزة، ضمن المداولات الداخلية المتعلقة بترتيبات ما بعد الحرب، ورغم إعلان الجيش الإسرائيلي أن الوثيقة لا تتعدى كونها وجهة نظر شخصية، فإنها أبرزت رؤية أمنية لغوفمان تتماشى مع التوجهات الرائجة في محيط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية.
السكرتارية العسكرية لنتنياهووفي مايو/أيار 2024، نُصِّب غوفمان رسميًا سكرتيرًا عسكريًا لنتنياهو، وهو موقع يمنحه صلاحيات واسعة تشمل التواصل المباشر مع شتى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وضبط التنسيق العملياتي بين ديوان رئاسة الحكومة وقادة المؤسسات الأمنية، إلى جانب الإسهام في التقييمات اليومية للأوضاع بمشاركة رئيس الوزراء والجيش والموساد وجهاز الأمن الداخلي «الشاباك».
أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في ديسمبر/كانون الأول 2025، اختيار رومان غوفمان رئيسًا جديدًا لجهاز الموساد، ليحل مكان ديفيد برنيع، على أن يباشر مهامه رسميًا إثر انتهاء مدة الأخير في يونيو/حزيران 2026، وأُرسل قرار التعيين إلى اللجنة الاستشارية للمناصب العليا لإقراره والمصادقة عليه استكمالًا للمساطر الرسمية، وأوضح مكتب رئيس الوزراء أن انتقاء غوفمان جاء بناءً على خبراته المتراكمة في المواقع الميدانية والقيادية بالجيش، بجانب تواصله المباشر مع المنظومة الاستخبارية.
وفي مطلع يونيو/حزيران الجاري، أقرت المحكمة العليا الإسرائيلية تعيين غوفمان رئيسًا للموساد بعد رفضها بغالبية الأصوات التماسات طعنت في التعيين، توطئة لتسلمه المهام في اليوم التالي، وفقًا لما نشرته هيئة البث الإسرائيلية.
خلف تعيين رومان غوفمان لقيادة الموساد نقاشًا قانونيًا داخليًا في إسرائيل، بعدما صادقت المحكمة العليا على خطوة تعيينه رغم الطعون التي وُجهت ضد القرار.
وتعود ركائز هذا الاعتراض إلى ملف قديم يرتبط باتهامات حول استقطاب اليافع أوري إلماكييس لإنجاز مهمة تتعلق بجمع بيانات استخبارية دون غطاء قانوني واضح.
وأعقب ذلك توقيفه من قِبل جهاز الشاباك لعدم درايته بتبعيته لجهة عسكرية، حيث أمضى أزيد من عام في السجن قبل تبرئته وإسقاط التهم عنه لاحقًا.
وبناءً على ذلك، رأت المستشارة القضائية للحكومة غالي بهاراف ميارا أن هذه المعطيات تثير شكوكًا حول سلامة مسار تعيين غوفمان، وطالبت بمراجعة القرار، وفي المقابل، دحض غوفمان مزاعم حدوث أي خرق قانوني أو شبهات تمس نزاهته، مشددًا على أن لجنة مختصة قد منحت تعيينه مصادقة رسمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك