أكدت وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية أن المدينة المنورة قلب الإسلام النابض ومأْرِز الإيمان، وقد شرفها الله بأسماء عديدة وفضائل جليلة جعلتها محط أنظار المسلمين وملاذ قلوبهم، فما هي أشهر هذه الأسماء التي وردت في الشرع؟ وما هي البركات والفضائل التي اختصت بها هذه البقعة المباركة دون غيرها؟أسماء المدينة المنورة في القرآن والسنةلقد تعددت أسماء المدينة في النصوص الصحيحة، وكل اسم منها يحمل في طياته شرفا ومكانة:وهو أشهر أسمائها، أطلق عليها بعد الهجرة، وقد خلد القرآن الكريم هذا الاسم في مواضع شريفة، ليربط بين الأرض وبين الساكنين فيها في أرفع صور الوفاء، كما في قوله تعالى: ﴿ما كان لأهۡل ٱلۡمدینة ومنۡ حوۡلهم من ٱلۡأعۡراب أن یتخلفوا۟ عن رسول ٱلله ولا یرۡغبوا۟ بأنفسهمۡ عن نفۡسهۦۚ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فكانت الآية صريحة في وجوب المصاحبة الروحية والبدنية للنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحمى المقدس[راجع، الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار هجر للنشر والتوزيع - القاهرة، ط١، (١٤٢٢ه - ٢٠٠١م)، ١٢ / ١٠٤].
لقد أبى سيد الخلق الطيب المطيب - صلى الله عليه وسلم - بقاء اسم يثرب لما فيه من ظلال الثرب (وهو الفساد أو اللوم)، فخلع عليها اسما (طيبة وطابة)؛ وهما لغتان تشتبكان في أصل الطيب فقال - صلى الله عليه وسلم -: «هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة» [مسلم، الصحيح، كتاب الفتن، رقم ٢٩٤٢].
وعن أبي حميد - رضي الله عنه - قال: أقبلنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من تبوك حتى أشرفنا على المدينة، فقال: «هذه طابة» [البخاري، الصحيح، رقم ١٤٨١، مسلم، الصحيح، رقم ١٣٩٢].
" والطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشيء الطيب، وقيل: لطهارة تربتها، وقيل: لطيبها لساكنها، وقيل: من طيب العيش بها، وقال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية؛ لأن من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها.
أمر المدينة في طيب ترابها وهوائها يجده من أقام بها، ويجد لطيبها أقوى رائحة، ويتضاعف طيبها فيها عن غيرها من البلاد، وكذلك العود وسائر أنواع الطيب" [ ابن حجر: فتح الباري، ٤/٨٩]، وفي هذا النداء النبوي إعلان بأن هذه البقعة أصبحت مقياسا للطهارة، لا تقبل في جوفها إلا طيبا، فاستحالت ببركة مجاورته - صلى الله عليه وسلم - إلى روضة تنضح بالعطر والسكينة.
لقوله تعالى: ﴿وٱلذین تبوءو ٱلدار وٱلۡإیمٰن من قبۡلهمۡ یحبون منۡ هاجر إلیۡهمۡ﴾ [الحشر: ٩]، قال الإمام الطبري: " اتخذوا المدينة مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فابتنوها منازل"، وقال الرازي: " سميت بالإيمان؛ لأن فيها ظهر الإيمان وقوي" [تفسير الطبري ٢٣/٢٨٢، ومفاتيح الغيب للرازي ٢٩/٥٠٨].
لقد سماها الحق سبحانه في كتابه الدار والإيمان، ليوثق الرباط الأبدي بين المكان وبين حقيقة العقيدة، فصارت المدينة هي الدار التي تأوي إليها القلوب المؤمنة كلما اغتربت في دروب الحياة.
فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «رأيت كأني في درع حصينة، فأولت أن الدرع الحصينة المدينة» [النسائي، السنن الكبرى، ٧٦٤٧].
وفي هذا الوصف سر بديع؛ فالدرع في لغة العرب هي ما يلبس ليقي الجسد من غوائل الأعداء، والمدينة بصيغتها النبوية هي الدرع التي صانت بيضة الإسلام في مهدها، وهي الحصن الذي تنكسر على أعتابه كل إرادة سوء تتربص بالحق، إنها الحصينة بتوفيق الله وحراسة ملائكته، وبأنفاس صاحب الروضة - صلى الله عليه وسلم - التي جعلت من ترابها سورا معنويا يمنح السكينة لكل من آوى إليها، فمن دخلها فقد استمسك بالعروة الوثقى ودخل في كنف الأمان النبوي.
وللمدينة أسماء غير ما ذكر، حتى بلغ بها بعض العلماء إلى أربعين اسما، وفي هذا التعدد سر باهر؛ فكل اسم هو نافذة تطل منها على كمال من كمالاتها.
لقد سماها حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بعشرة أسماء، جمعت بين النور والجلال، فكانت (المدينة، وطابة، وطيبة، والمطيبة، والمنيرة)؛ دلالة على سريان الضياء النبوي في ذراتها.
ومن عجيب أسمائها: (الجابرة، والمجبورة)؛ لأنها تجبر كسر القلوب وتشد أزر الضعفاء، و(المحببة، والمحبوبة) لتعلق القلوب الوالهة بساكنها - صلى الله عليه وسلم -[راجع: ابن حجر: فتح الباري، ٤/٨٩].
إن هذا التعدد في الأسماء هو تعدد في المشاهد؛ فمن دخلها تائبا رآها المطيبة، ومن دخلها منكسرا رآها الجابرة، ومن دخلها محبا رآها المحبوبة، وهي في كل أحوالها منيرة بنور صاحبها - صلى الله عليه وسلم -.
المدينة ليست كبقية البقاع، بل هي حرم آمن ومستقر للبركة النبوية ومن فضائلها:لقد خص الحق - سبحانه - المسجد النبوي بمكانة علية، فجعله أحد الأركان الثلاثة التي تتوجه إليها قلوب السالكين وتشد إليها الرحال طلبا للفضل؛ لقول سيدنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد الأقصى» [البخاري، الصحيح، ١٨٦٤]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» [البخاري، الصحيح، ١١٩٠].
وهذا الاستثناء من عموم البقاع إنما كان لسر أودعه الله في هذه المساجد؛ فالمسجد النبوي ليس مجرد حيز للمناسك، بل هو مركز البركة النبوية، حيث جعل - صلى الله عليه وسلم - الصلاة الواحدة فيه تزن في ميزان الحق مداد ألف صلاة فيما سواه من بقاع الأرض - باستثناء المسجد الحرام - وفي هذا الفيض دلالة على أن الزمان والمكان في حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - يتمددان ببركته، فيمنحان المؤمن من الثواب ما لا يبلغه في عمر كامل من العبادة في غيرها من الأمصار.
إذا كانت النفوس تشرئب لسكني المدينة طمعا في مضاعفة الأجور بين أساطين مسجدها، فإن هذا التعلق المادي بالثواب يسبقه تعلق وجداني بالذات؛ فالمحب لا يطلب الأجر فقط، بل يطلب القرب، وهذا ما تجلى في حال الجناب النبوي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يرى في المدينة سكنا لروحه قبل أن تكون محربا لعبادته، فيصف سيدنا أنس – رضي الله عنه - حال النبي - صلى الله عليه وسلم -" إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة أوضع راحلته (أي أسرع بها)، وإن كان على دابة حركها من حبها" [البخاري، الصحيح، كتاب فضائل المدينة، رقم ١٨٨٦].
وإذا كان سيدنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قد أسرع بركابه شوقا إلى جدرات المدينة، فإن هذا الشوق لم يكن مجرد عاطفة عابرة، بل كان إيذانا بجعل هذه البقعة حرما آمنا وحمى مقدسا، تذوب فيه إرادات القتال، وتحقن فيه الدماء، وتحترم فيه حتى الشجرة والخضرة، لتبقى المدينة نموذجا للسلام العالمي الذي يرعاه الوحي، فرسم - صلى الله عليه وسلم - حدود الحرم هي ما بين الحرتين شرقا وغربا، وما بين عير إلى ثور يمنا وشاما، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين لابتيها حرام»، [البخاري، الصحيح، ١٨٧٣]، وقوله: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور» [البخاري، الصحيح، ٦٧٥٥].
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرما، وإني حرمت المدينة حراما، ما بين مأزميها، أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف» [مسلم، الصحيح، ١٣٧٤].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «المدينة حرام من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا، ولا عدلا» [البخاري، الصحيح، ١٨٦٧].
لقد خص سيدنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مدينته بدعوات جرت مجرى النور في أرزاقها، فدعا بالبركة في الصاع والمد وهما مكيالا أهل المدينة، كان - صلى الله عليه وسلم - يرسخ مفهوم البركة النوعية التي تجعل القوت البسيط كافيا وافيا، بل وعقب - صلى الله عليه وسلم - بطلب الزيادة قائلا: «اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا اللهم بارك لنا في مدنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين» [مسلم، الصحيح، ١٣٧٤].
٥- الحماية من الدجال والطاعون بفضل حراسة الملائكة لنقاب المدينةقال - صلى الله عليه وسلم -: «على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» [البخاري، الصحيح، ١٨٨٠].
إن منع الدجال والطاعون من دخول المدينة هو رمز لانتصار النور المحمدي على الظلمة الشيطانية؛ فالمكان الذي تنفس فيه الوحي لا يقبل نقيضه، وحراسة الملائكة هي رسالة لكل مؤمن بأن المدينة هي بوصلة الثبات عند اضطراب الأمور.
٦- الروضة الشريفة هي بقعة من الجنة على الأرضقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» [البخاري، الصحيح، ١٨٨٨].
في هذا النص تجليات إيمانية مذهلة؛ فالروضة ليست شبيها بالجنة فقط، بل هي عند المحققين بقعة حقيقية من الجنة ستنتقل يوم القيامة إلى مكانها الأصيل، أو هي بقعة تنزل فيها الرحمات والسعادة كما تنزل في الجنة [ انظر: الإمام النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، ٩/ ١٦١]٧- مسجد قباء بالمدينة الصلاة فيه تعدل عمرةإذا كانت الروضة قطعة من الجنة، فإن قباء هو الباب المفتوح لنيل عمرة من قلب المدينة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الصلاة في مسجد قباء كعمرة» [الترمذي، السنن، (٣٢٤)، وابن ماجه، السنن (١٤١١].
إن فضل قباء يعلمنا أن الله يضع بركته في الأماكن التي أخلص فيها العباد نياتهم في البدايات؛ فكل بقعة شهدت صدق التوجه إلى الله، صارت مصدرا للنور ومنبعا للأجور المضاعفة.
٨- فضل الجبال والأودية التي تقع بهافي المدينة المنورة، لم تقتصر البركة على المساجد وحدها، بل سرت في صخورها وجبالها، حتى صار الحجر والشجر رفيقا محبا، كجبل أحد الذي قال عنه - صلى الله عليه وسلم -: «وهذا أحد، وهو جبل يحبنا ونحبه» [البخاري، الصحيح، رقم ١٤٨١]، ووادي العقيق الذي وصفه بالوادي المبارك فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة» [البخاري، الصحيح، رقم ١٥٣٤].
اختار - صلى الله عليه وسلم - عجوة المدينة لتكون مددا للأبدان وحصنا للأرواح، وترياقا يقطع دابر السوء ببركة تربتها الزكية فقال - صلى الله عليه وسلم: «من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة، لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر» [البخاري، الصحيح، رقم ٥٧٦٨].
وعد النبي - صلى الله عليه وسلم - الصابرين على لأوائها بالشفاعة، فقال: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدا» [مسلم، الصحيح، ١٣٧٨].
من جلال قدرها أن الله يتولى الدفاع عنها بنفسه؛ فكل من أضمر لها سوءا أو أراد كيدا بأهلها، فإن القوة الإلهية تذيبه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أراد أهل هذه البلدة بسوء -يعني المدينة- أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» [مسلم، الصحيح، ١٣٨٦].
قال - صلى الله عليه وسلم -: «المدينة كالكير تنفي شرارها، وينصع طيبها» [البخاري، الصحيح، رقم ١٨٧١، وصحيح مسلم رقم ١٣٨٢].
وفي نهاية المطاف، تظل المدينة هي الملاذ الأخير، فكما تأرز الحية إلى جحرها طلبا للأمان، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» [صحيح البخاري، رقم ١٨٧٦].

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك