لم يعد ملعب المدينة الرياضية في بيروت مساحةً للفرح الجماعي بالمباريات والاحتفالات، بل صار بقعةً لإدارة معاناة جماعية يقاسيها النازحون منذ تجدّد العدوان الإسرائيلي.
ومن رحم المدرّجات، خرجت حكاية أخرى لمدينةٍ تحوّلت مركزَ إيواءٍ مكتظ يشكو قاطنوه من النفايات والجرذان والأفاعي وغياب أدنى مقوّمات الحياة.
في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت، لم يعد ثمّة ما يُشبه الملاعب، سوى المدرّجات الإسمنتية التي تراقب بصمتٍ هذا التحوّل القاسي منذ تجدّد العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2 مارس/آذار الماضي.
لا هتافات، ولا أعلام، ولا جمهور يملأ المدرّجات.
فقط خيامٌ مصطفّة، وأغطية معلّقة على الحبال، وملابس نازحين منشورة، فيما يركض الأطفال في الممرّات نفسها التي كانت تستقبل جماهير المباريات والحفلات.
في الزوايا، تنام العائلات على فُرشٍ رقيقة، وتحاول النساءٌ ترتيب مساحة ضيّقة تشبه البيت، بينما يجلس الرجالٌ بصمتٍ قرب حقائب متراكمة، يراقبون حركة الداخلين والخارجين، أو يتابعون أخبار القصف الإسرائيلي عبر شاشات الهواتف.
تختلط رائحة الرطوبة برائحة الطعام، فيما لا يتوقف ضجيج المكان حتى في ساعات الليل المتأخرة.
تحول أكبر ملاعب لبنان إلى مركز إيواء للنازحين، وبحسب وزارة الشؤون الاجتماعية، فإنّ نحو 1400 شخص يعيشون في المدينة الرياضية، من بينهم 99 من ذوي الاحتياجات الخاصة، فيما لا يزال المكان قادراً على استيعاب ما يقارب 2500 نازح.
ومع ذلك، يرفض كثيرون الانتقال إليه، خصوصاً النازحين الموجودين عند الواجهة البحرية لبيروت" البيال".
وخلال الأيام الأخيرة، لم تصل سوى 11 عائلة جديدة.
بالنسبة إلى كثيرين من نازحي" البيال"، تكفي القصص الخارجة من المكان لإثارة التردّد في نفوسهم؛ شكاوى من الجرذان، وانقطاع المياه، وضعف التيار الكهربائي، ومنع الزوّار، والطعام المحدود، والاكتظاظ الذي يجعل الحياة اليومية مرهقة حتى في أبسط تفاصيلها.
وفي السياق، تنتشر فرقٌ من الصليب الأحمر اللبناني ووزارة الشؤون الاجتماعية يومياً في المكان ولساعاتٍ طويلة، تُوزّع الخبز والطعام، وتتابع الحالات الصحية للنازحين، فيما يجول المسعفون بين الخيم لفحص المرضى وكبار السنّ.
تجلس آمنة منصور، النازحة من عيترون (جنوب)، على كرسيّ بلاستيكي أمام خيمتها الصغيرة، وإلى جانبها حقائب متراكمة، وأوانٍ بلاستيكية موضوعة قرب فرشة رقيقة، فيما تتدلّى ثياب مغسولة على حبالٍ عشوائية بين الأعمدة الحديدية.
تمرّ نساء أمامها وهنّ يحملن عبوات مياه، بينما يركض أطفال حفاة في الممر الضيق الممتد بين الخيم.
تنظر آمنة حولها والغضب يرتسم على وجهها.
تقول لـ" العربي الجديد": " هذه المدينة مدينة حيوانات… أفاعٍ وكلاب وجرذان".
لا يبدو كلامها مجرّد مبالغة أو انفعال عابر.
بالنسبة إليها، هذه هي تفاصيل الحياة اليومية في المدينة الرياضية، تضيف" قالوا لنا إنّ كلّ شيء مؤمَّن، واتّضح لنا أنّه ما في شيء على الإطلاق.
لا مياه، لا كميات طعام كافية، ولا كهرباء.
نعيش بالذلّ.
منذ متى أهل الجنوب يعيشون هكذا؟ ".
في المدينة الرياضية، لا تبدو أزمة المياه تفصيلاً يومياً عادياً، بل جزءاً أساسياً من التوتر الذي يخيّم على المكان.
الكميات المتوفرة لا تكفي هذا العدد الهائل من النازحين، ما يدفع كثيرين إلى الانتظار لساعاتٍ من أجل استخدام دورات المياه المشتركة.
أحياناً ترتفع الأصوات بين الناس بسبب الدور أو بسبب انقطاع المياه المفاجئ، فيما يحاول آخرون تجنّب الاحتكاك قدر الإمكان داخل المساحات المكتظة.
نسرين، وهي حامل في شهرها السادس، تجلس قرب خيمتها واضعةً يدها على بطنها المنتفخ، بينما تحاول تلطيف الحر بقطعة كرتون صغيرة.
تقول لـ" العربي الجديد": " أتجنّب دخول الحمام بسبب قلّة المياه، حتى إنّ الذهاب إلى المرحاض بات بحدّ ذاته مهمّة شاقة، خصوصاً مع الاكتظاظ والروائح الكريهة والرطوبة.
أحياناً ننتظر طويلاً حتى تتوفر المياه، وأحياناً لا نجد شيئاً".
وفيما تمرّ نساء أخريات يحملن عبوات فارغة بحثاً عن مصدر ماء قريب، يؤكد معظم نازحي المدينة الرياضية أنّ المشكلة لم تعد فقط في الهروب من القصف الإسرائيلي، بل في كيفية العيش بعد النجاة منه، وفي مواجهة تفاصيل يومية مرهقة لم يتخيّلوا يوماً أنهم سيضطرّون إلى خوضها.
حسن الحاج، النازح من بلدة معركة (جنوب)، يكشف لـ" العربي الجديد" أنّ الخوف من الأمراض بدأ يوازي الخوف من الحرب نفسها، ويقول: " إذا لم يقتلنا جيش الاحتلال، سنموت بسبب الأمراض والجراثيم، فالمكان غير مؤهل للسكن، والحمامات غير نظيفة، والحشرات تنتشر بعددٍ كبير".
لا يُخفي الرجل غضبه من طريقة إدارة ملف النزوح، ويقول إنّ الصليب الأحمر اللبناني لا يقصّر، لكنه يتحدث عن" تقصير كبير من الدولة"، قبل أن يشرح كيف تُدار الحياة اليومية داخل المركز؛ " وجبة طعام واحدة طيلة النهار، وهي عبارة عن وجبة صغيرة لا تكفي طفلاً.
وربطة خبز على يومين.
حبّذا لو يقدّمون لنا المال لكان ذلك أفضل، ونحن ندبّر أنفسنا".
الطعام في المدينة الرياضية جزءٌ أساسيّ من يوم النازحين، ومن نقمتهم أيضاً.
وجبات متكرّرة، باردة أحياناً، وغير مناسبة لكثير من المرضى وكبار السنّ.
فاطمة مبارك، النازحة من بلدة مركبا الحدودية، تختصر الأزمة لـ" العربي الجديد" بسؤالٍ بسيط: " مَن يأكل الطعام نفسه كل يوم؟ "، أمّا منى خليفة، النازحة من بلدة جويا الجنوبية، فهي مُصابة بسرطان المعدة، وتحتاج إلى نظام غذائي خاص، لكنّها تضطرّ أحياناً إلى تناول الطعام المتوفر بسبب الظروف المادية الصعبة.
وتقول لـ" العربي الجديد": " الطعام قليلٌ، وحتى الوجبات التي يحضرونها لا تُناسبنا.
لا خيار أمامنا سوى الصبر.
لا يمكننا أن نخانق، وما من مكان نلجأ إليه.
محكومٌ علينا بهذا القدر، والمعنيون يقدّمون ما باستطاعتهم".
يعيش الناس داخل المدينة الرياضية على فكرة العودة أكثر ممّا يعيشون على الواقع.
حتى أولئك الذين يعرفون أنّ بيوتهم دُمّرت أو باتت غير صالحة للسكن، يتمسكون بخيط أمل هشّ.
لكن هذا الأمل لا يخفّف من ثقل اليوميات.
فالحياة داخل المركز قاسية، وتتضاعف قسوتها على الفئات الأكثر هشاشة، مثل ذوو الاحتياجات الخاصة، رغم وجود مكان مخصّص لهم.
فاطمة نزّال، وهي امرأة مقعدة، نزحت من ضاحية بيروت الجنوبية ولم تتمكن من العودة بعد بسبب تدمير منزلها وهشاشة الهدنة منذ 17 إبريل/نيسان الماضي.
تقول لـ" العربي الجديد" إنّ أبسط التفاصيل تحوّلت إلى معاناةٍ يومية متكررة، تبدأ من التنقل داخل المساحة المكتظة، ولا تنتهي عند حدود الاحتياجات الأساسية، خصوصاً أنّ الحمّام بعيد، وما من مياه ساخنة للاستحمام.
بالنسبة إليها، ما يبدو للآخرين تفاصيل بسيطة، يتحوّل إلى تحدٍّ يوميّ مُرهق.
الطريق إلى الحمّام، مثلاً، ليس مجرد مسافة قصيرة بين نقطتين، بل رحلة بطيئة داخل ممرّات مزدحمة بالفُرش والأمتعة والأجساد المتداخلة.
تختصر زينب رضا، النازحة من منطقة الخرايب (جنوب) منذ نحو عشرة أيام، تجربتها بكلمتين فقط: " حبسٌ كبير".
وتقول لـ" العربي الجديد" إنّ" الزيارات محدودة، وأحياناً شبه ممنوعة، ما يجعل النازحين معزولين عن محيطهم.
الحركة ليست سهلة، والخروج من الخيمة إلى الممرّات يتطلّب مواجهة الزحام الدائم.
لا ننعم بالتيار الكهربائي إلّا لساعاتٍ قليلة بين السابعة مساءً والواحدة بعد منتصف الليل.
في النهار، الحرّ خانق داخل الخيم التي تتحوّل إلى مساحة ثقيلة، ويلجأ الناس إلى وسائل بدائية لتخفيفه، مثل قطع الكرتون أو المراوح اليدوية".
داخل هذا الإيقاع اليومي، تتكرّر تفاصيل صغيرة لكنّها مُرهقة؛ صفوف أمام الحمّامات، بحثٌ دائم عن المياه، وأطفال يحاولون النوم وسط حرارةٍ لا ترحم.
أمضت يسرى جليلاتي 15 يوماً في بلدتها كفررمان (جنوب)، قبل أن تعود إلى بيروت هرباً من القصف، وتقول لـ" العربي الجديد" إنّ أكثر ما فاجأها بعد عودتها إلى المدينة الرياضية هو كبر حجم الجِرذان، لدرجة يظنّها المرء قططاً، وتضيف: " ما زلنا في بداية موسم الحرّ، ومع ارتفاع درجات الحرارة ستتكاثر الحشرات بشكلٍ أكبر".
يكاد لا يهدأ المكان.
يتغيّر فقط إيقاعه؛ إذ يخفّ الضجيج قليلاً، لكنّ الحياة لا تتوقف.
بكاء أطفال يتردّد بين الخيام، وأشخاص يدخلون ويخرجون حاملين حاجاتهم اليومية، وصفوف طويلة تتشكل أمام الحمّامات المشتركة التي تصبح أكثر ازدحاماً مع ساعات المساء.
وفي الزوايا، تظهر الجرذان الكبيرة التي يتحدث عنها النازحون، تركض قرب أكياس النفايات أو بين الفُرش، فيما يروي بعض السكان أنهم شاهدوا أفاعيَ قرب المكان.
تقول أم محمد، وهي نازحة من دبعال (جنوب)، لـ" العربي الجديد" إنّ" التعب لا ينتهي مع غروب الشمس، بل يبدأ شكل آخر منه.
لا نرتاح، فأفراد العائلات يسهرون، والأولاد يبكون، وما من هدوء.
الخيام في المدينة الرياضية متلاصقة، ولا مساحة شخصية، فقط تداخل دائم بين حياة الجميع.
حتى أن النوم يصبح متقطّعاً".
يحاول بعض النازحين التخفيف من حدّة الشكوى لأنّهم لا يرون خيارات أخرى.
يتكرّر بينهم غضبٌ ممزوج باعتذار، وشكوى تتبعها جملة تفهّم، وكأنّهم يحاولون التعبير عن اعتراضهم من دون أن يُفهم ذلك تنكّراً للمساعدة أو إنكاراً لجهود الإغاثة.
الأسئلة أبسط وأكثر قسوة؛ متى تأتي الكهرباء؟ هل تكفي المياه حتى المساء؟ هل تصل مساعدات إضافية؟ ومتى يمكننا العودة إلى منزلنا؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك