منذ إعلان وقف النار مع إيران في 8 إبريل/نيسان الماضي، حرص الرئيس الأميركي دونالد ترامب على ترك جدّيته بشأن صفقة تنهي الحرب على إيران، معلّقة بين الشك واليقين.
فتح ترامب قنوات الدبلوماسية والوساطة وفي الوقت ذاته واصل لغة التهديد والوعيد، وبدت ازدواجيته هذه وكأنها مناورة لإرباك الخصم.
وعندما كانت المساعي تتعثر أو ترفع طهران من سقف شروطها، كان يلجأ إلى التلويح باستئناف الحرب وأحياناً بلغة التدمير الساحق و" المحو" عن الخريطة.
وعندما كانت تلوح بارقة أمل في مسار المفاوضات، كان يبشّر بقرب الصفقة، لكن لا التهديدات تحولت إلى فعل ولا الدبلوماسية وجدت طريقها إلى الانفراج.
ولم يضع تهديده أبداً في إطار إنذار نهائي مربوط بمهلة محددة، وبقي حريصاً على استمرار المفاوضات حتى في اللحظات التي وصلت فيها الضغوط والاعتراضات المحلية على الحرب إلى ذروتها.
ومع ذلك، لم يُستبعد احتمال أن يكون ذلك من باب التمويه بانتظار اللحظة المناسبة لمفاجأة عسكرية جديدة ضد إيران، خاصة أن صقور الحرب في واشنطن كانوا وما زالوا يدفعون بقوة إلى استئنافها.
ومع مكالمة الرئيس ترامب المتوترة أمس الاثنين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والتي تعمّد البيت الأبيض الكشف عن بعض مفردات" التوبيخ النابية" التي خاطب بها الأخير، صارت الصورة أوضح.
الضباب الذي أحاط بموقفه المتقلب، انقشع إلى حد بعيد، بل بدا وكأنه رسا ومنذ وقف النار، على خيار البحث عن صفقة وأن التقلب الذي اتسم به موقفه كان من قبيل المناورة لا أكثر.
ومن المؤشرات أن إدارته حرصت، في الآونة الأخيرة، على تأكيد مواصلة التفاوض مع طهران، رغم رفض البيت الأبيض لردود هذه الأخيرة وشروطها.
كما لُوحظ أن لغة التهديد قد تراجعت في خطاباته، بل غابت أحياناً.
مسارعة نتنياهو عند هذه النقطة إلى تصعيد عدوانه على لبنان مع التهديد بضرب العاصمة بيروت، بدت محاولةً للتخريب على المفاوضات مع إيران، وهذا ما يفسر تأنيب ترامب الشديد اللهجة لرئيس الحكومة الإسرائيلية.
كما يفسر أيضاً التسليم بانسداد أفق الخيار العسكري، خصوصاً أن غزو إيران غير وارد.
وبذلك يكون بازار المفاوضات قد انفتح.
وفي البازار، بيع وشراء وبما يطرح السؤال عن مساره وسقفه الزمني.
المعلومات المتداولة والتقديرات تتحدث عن خطوط عريضة لاتفاق محتمل يجري بالتقسيط وعلى مدى أشهر.
وفي شقه النووي قد يستغرق سنة أو أكثر، بحسب ويندي شيرمن، نائبة وزير الخارجية سابقاٌ والمفاوضة الرئيسية في اتفاق 2015 مع إيران.
من هذه الخطوط، وقف العمليات العسكرية لمدة 60 يوماً، مفتوحة على التمديد.
يرافقها فتح مضيق هرمز لفترة 30 يوماً، مع ترك مسألة رسوم المرور غامضة وبما يؤجل معالجتها إلى وقت لاحق، إضافة إلى معلومات أخرى تحدثت عن" إنشاء صندوق لإعادة إعمار إيران وقد تساعد واشنطن على إنشائه".
ونُسب إلى مصادر إيرانية أنها" ألمحت" إلى إمكانية السماح لشركات نفط أميركية بالاستثمار في إيران والقيام بمشروعات مشتركة.
وتردد أن البند النووي (اليورانيوم المخصب ودرجة التخصيب اللاحق) قد يجري تأجيل البحث فيه إلى المرحلة الثانية من المفاوضات.
كما تردد أيضاً أن فتح المضيق مشروط بالإفراج عن أموال إيرانية مجمدة (بين 12 إلى 14 مليار دولار من أصل مائة مليار).
وزير الخارجية ماركو روبيو نفى الثلاثاء خلال جلسة مع لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، موافقة الإدارة على" مبادلة فتح هرمز برفع العقوبات" التي قال إنها مرتبطة حصراً بالنووي.
وكشف عن موافقة إيران على" التحدث عن تجاوزاتها النووية السابقة" من دون التطرق إلى التفاصيل.
كما حاول وضع فاصل بين الإدارة وبين خطة نتنياهو" للاستيلاء على 70% من غزة"، من دون رفض صريح لمثل هذه الخطة.
هبوط أسعار النفط اليوم وإن بقدر بسيط إلى جانب انتعاش ولو محدود في أسواق المال، كانا من المؤشرات التي عززت جدية توجه الإدارة نحو الحلّ الدبلوماسي.
نائبة مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي كاثلين ترويا ماكفرلاند، تكاد تجزم بأن ترامب" سيعقد الصفقة على الأرجح قبل نهاية الصيف"، لكن إجمالاً ليس هناك من يراهن على مثل هذا الاحتمال.
السوابق ونمط التعامل السائد لا يسمحان بمثل هذه المجازفة.
العقبات كثيرة وكبيرة والثقة شبه معدومة.
وحدها الحاجة الملحّة وضغوطها المحلية الاقتصادية منها والسياسية، قد يكون لها الكلمة الفصل، من دون التقليل من وزن الاعتبارات والحسابات الجيوسياسية في وقف الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك