لا يكتفي مصطفى الحمداوي باستقراء روايات الكاتب الكولومبي الشهير، بل اعتمد أيضاً في دراسته على مصادر أخرى، من ضمنها الحوارات التي أجريت معه، والمقالات التي كتبها، فضلاً عن السيرة المعمقة التي أعدها عنه الناقد الإنجليزي جيرالد مارتن، والتي تجاوزت 700 صفحة، وانشغل في تحريرها على مدار 17 سنة.
فالحمداوي يشير إلى أن الواقعية السحرية لم تبق محصورة بين كتب ماركيز، بل امتدت إلى حياته، ووسمت إلى حد كبير أسلوب عيشه.
وبالتالي فإضاءة الغرائبية الأدبية لدى ماركيز تستدعي الاقتراب الدائم من العوالم الذاتية والاجتماعية للكاتب.
لم تكن محكيات ماركيز عن حياته متطابقة في حواراته ونصوصه السيرية ومكاشفاته، بل كانت ترد بأشكال وصيغ متباينة يتقاطع فيها الواقع مع الخيال، أو بعبارة أدق تتقاطع فيها تفاصيل وقعت مع أخرى لم تقع.
تعتبر سيرة مارتن مرجعاً مهماً للاستيعاب الأمثل لتجربة ماركيز الأدبية، خصوصاً أن هذا الناقد الإنجليزي يعد من أبرز المنصرفين إلى الأدب اللاتيني الحديث.
فقد أصدر في الثمانينيات كتابه المهم" رحلات في المتاهة: الرواية الأميركية اللاتينية في القرن العشرين".
لذلك فقراءته لتجربة ماركيز لن تكون معزولة عن قراءته لأدب أميركا اللاتينية في مجمله.
اللافت أنه درس الإسبانية والبرتغالية وتخصص منذ الستينيات في الأدب اللاتيني، بل إنه واصل الدراسة بعد تخرجه من بريستول البريطانية في بوليفيا والمكسيك ليكون قريباً من منابع هذا الأدب، ومصغياً لنبضه عن كثب.
استطاع ماركيز في نصوصه الروائية أن يدمج المتخيل والغرائبي بالواقعي والمألوف، وأن يجعل الخارق يبدو جزءاً من المعيش والمتداول.
إذ لا تتجاور العناصر المستوحاة من الخيال مع عناصر أخرى مستمدة من الواقع، بل تبدو هذه العناصر المتخيلة والخارقة واقعية وغير صادمة للشخوص المساهمة في العملية السردية، بالتالي تخفت حدة الصدمة عند المتلقي.
لقد جعل المتخيل قريباً وأليفاً وغير غامض، وامتلك بالتالي وصفته السحرية القادرة على ترويض الخيال.
لم يكن ماركيز وحده من سبح في هذا النهر، نهر الواقعية السحرية، لكنه كان السبّاح الأمهر، وكان بالتالي رائداً في هذا الجنوح الأدبي.
غير أن هذه الموهبة كانت نتاج تراكم من الإصرار والشغف، فالشاب الذي قال له والده باكراً: " سينتهي بك المطاف إلى أن تأكل الورق" طوّر علاقته بالورق على نحوٍ أذهل أولئك الذين استصغروا ولعه بالكتابة، قبل الذين شجعوه عليها.
يورد كتاب الحمداوي محاولة الإحباط التي تعرض لها ماركيز في بداياته، فحين سلم مخطوط روايته الأولى" عاصفة الأوراق" إلى الناشر والناقد غيرمو دي توري توصل برسالة محبطة منه يقول فيها: " ليس لديك أي مستقبل في الكتابة"، داعياً إياه إلى البحث عن مهنة أخرى.
يتوقف الحمداوي عند رواية" قصة موت معلن"، وعند النهج السردي الذي اعتمده الكاتب، والقائم على توزيع دقيق للأدوار، والبناء التصاعدي للأحداث، والتشويق وتماسك السرد، مأخوذاً بتلك النهاية السحرية للرواية، حيث يسير بطلها سانتياغو نصار مسافة مئة متر على رغم الطعنات الكثيرة التي تلقاها من الأخوين فيكاريو.
ثم ينتقل إلى رواية" خريف البطريرك" حيث التضاربات النفسية المحتدمة والمعقدة لشخصية الديكتاتور، وربطها بالسياق التاريخي والمرحلة الاستبدادية في معظم بلدان أميركا اللاتينية.
عمد ماركيز إلى مواجهة الاستبداد بالسخرية، وترجم ذلك في مشاهد غرائبية متعاقبة يؤطرها تداخل زمني وحبكة متطلبة، وتجسدها لغة مكثفة بابتكارات تعبيرية غزيرة.
توقف الحمداوي عند خصيصة مهمة لدى ماركيز، وهي بناؤه للأحداث على نحو يتطلب من القارئ إعادة تركيبها على الدوام.
عاد الكاتب المغربي إلى الحوارات التي أجراها بينيليو ألبوليو مع ماركيز، والتي جمعها في كتاب حمل عنوان" رائحة الجوافة".
في هذا الكتاب يعترف صاحب" مئة عام من العزلة" أنه في مختلف أعماله لا ينطلق من فكرة، بل من صورة.
هذه المشهدية قاعدة بالنسبة إليه في بناء نصوصه السردية.
ثم إنه لا يدون ملاحظات وهوامش أثناء الكتابة، فهو يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على النص لا على الإشارات المحيطة به.
يتوقف ماركيز عند عمليات التسويد والتعديل والتصحيح والتشطيب، إنه يقوم بكل هذه العمليات بشكل آني، بحيث تتم العملية في اللحظة ذاتها ولا تتجاوز اليوم نفسه، فهو لا يحب أن يعود لمراجعة أعماله بعد نهايتها من أجل إعادة الكتابة، كما كان يفعل في بداياته، بل يريد إنهاء كل المهام في حيز زمني ضيق، من أجل الانشغال بتأليف الأجزاء السردية اللاحقة بدل الانشغال بالسابقة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)يتماهى ماركيز مع شخصياته، لدرجة أنه حزن فعلاً حين مات بطل رواية" مئة عام من العزلة".
يستعيد في الحوارات تلك اللحظة التي صعدت فيها زوجته مرسيديس إلى غرفة الكتابة فوجدته يبكي ويرتجف، فقالت له: " مات العقيد".
في محكياته السيرية وسروده الذاتية لا يستطيع القارئ أن يختبر صدقيتها، فسحرية ماركيز لا تنتهي بين دفتي كتاب، بل تمتد إلى نمط عيش.
ألم يقل عنه والده منذ نصه الأول: " إنه كذاب كبير"؟ بالتالي لن تسلم سيرته من سطو الخيال.
يتعقب الحمداوي سحرية ماركيز وعجائبيته، محاولاً الوصول إلى منابعها.
فيتشكل لديه الجواب منتزعاً من مكاشفات متفرقة لصاحب" مئة عام من العزلة"، يرتبط الأمر بالخصوصية الكاريبية، وبالعوامل الطبيعية والتاريخية والجغرافية والثقافية لهذه المنطقة.
فماركيز ينتمي إلى بيئة تتقاطع فيها الحدود بين التاريخ والأسطورة، ويصير فيها الغريب مألوفاً على ألسنة سكانها.
كتابات الروائي الكولومبي مسنودة بذاكرة شفهية وتراث عجائبي وخصوصيات سوسيولوجية فريدة ومسعفة على نقل التجربة وتدوينها.
في هذا الصدد يقول ماركيز في أحد حواراته: " علمني الكاريبي أن أنظر إلى الواقع بطريقة مختلفة، أن أتقبل القوى الخارقة للطبيعة على أنها جزء من حياتنا اليومية.
تاريخ الكاريبي مليء بالسحر.
وهو ليس ذلك العالم الذي علمني الكتابة فقط، بل إنه المكان الوحيد الذي أشعر فيه بأنني في بيتي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك