فرض العدوان على لبنان نفسه، خلال الأيام الماضية، على المشهد السياسي في فرنسا، في وقت كثفت فيه باريس تصريحاتها الرسمية عبر مختلف القنوات الدبلوماسية حول التصعيد الإسرائيلي، من دون أن يخفف ذلك من حدة الضغط الداخلي الذي تواجهه الحكومة بسبب اكتفائها، حتى الآن، بالإدانات أو بمساع دبلوماسية لم تأت بنتائج ملموسة على الأرض.
وعكست النقاشات في الجمعية الوطنية الفرنسية، أمس الثلاثاء، حجم الجدل حول الموقف الفرنسي من العدوان على لبنان والملف اللبناني، إذ شهدت الجلسة الأسبوعية المخصصة لتوجيه النواب أسئلة إلى الحكومة انسحاب غالبية نواب" فرنسا الأبية" اليساري الذي يتزعمه جان لوك ميلانشون من القاعة احتجاجاً على رد وزير الخارجية جان نويل بارو على سؤال للنائب عن الحزب أرنو لو غال حول حدود التحرك الفرنسي لوقف التوسع الإسرائيلي في لبنان.
واتهم لو غال السلطات الفرنسية بالعجز عن الانتقال من منطق التصريحات والإدانات اللفظية إلى خطوات عملية توقف التوسع الإسرائيلي المستمر منذ أشهر في لبنان، وما يرافقه من قتل للمدنيين والأطفال.
واستند النائب اليساري إلى المواقف الأخيرة التي صدرت عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرونوبارو نفسه، والتي شددت على أن" لا شيء يبرر" التصعيد الإسرائيلي في لبنان، ليسأل عما فعلته باريس لتغير من هذا الواقع، وطالب بأن تتحرك فرنسا في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لدفع القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية، وأن تدفع نحو تعليق اتفاقيات التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، متهماً الحكومة الفرنسية بـ" الاختباء وراء رفض ألمانيا أو بلدان أخرى" فرض عقوبات أوروبية قوية ضد إسرائيل.
ولم يرد بارو مباشرة على مطالب النائب، بل اتهم نواب" فرنسا الأبية" بتجاهل مقتل عسكريين فرنسيين من قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، معتبراً أن الحديث عن تقاعس فرنسي في هذا الملف من دون الإشارة إلى هؤلاء الجنود يشكل إساءة لذكراهم، ثم رفع نبرته أكثر حين اتهم الحزب اليساري بـ" استغلال" معاناة اللبنانيين سياسياً، داعياً نواب حزب" فرنسا الأبية" إلى إدانة حزب الله أيضاً" بالنفَس نفسه" الذي يدينون به إسرائيل، في ترجمة جديدة لموقف وزارة الخارجية الفرنسية التي تصر على وضع إسرائيل دائماً في كفة متوازنة مع الأطراف الأخرى التي تواجهها، إن كان في لبنان أو غزة.
انسحب نواب من" فرنسا الأبية" من قاعة البرلمان احتجاجاً على كلام وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارووبينما كان بارو يتحدث، بدأ نواب" فرنسا الأبية" مغادرة القاعة احتجاجاً على خطابه، فيما تابع الوزير حديثه مؤكداً أن فرنسا تسعى إلى الحفاظ على موقف" عادل ومتوازن" تجاه الأزمة اللبنانية.
ولم ينته الجدل بشأن العدوان على لبنان مع انتهاء الجلسة، حيث عاد عدد من نواب الكتلة اليسارية في البرلمان لانتقاد" العجز الدبلوماسي الفرنسي"، بحسب ما كتبه النائب باستيان لاشو على منصة إكس، في حين ذهبت زميلته في" فرنسا الأبية" كليمانس غيتيه إلى حد دعوة باريس إلى" التدخل لإنقاذ لبنان"، منددة بما وصفته بتخلي الحكومة الفرنسية عن اللبنانيين.
وجاء هذا السجال تتويجاً لأسبوع شهد تكثيفاً غير مسبوق، منذ أشهر، في المواقف الرسمية الفرنسية إزاء العدوان على لبنان والتصعيد الإسرائيلي، وإن كانت أغلب هذه المواقف قد استخدمت معجم الإدانات نفسه والدعوات نفسها إلى الحوار وإنهاء تصعيد إسرائيل.
وقال ماكرون، الأحد الماضي، بعد اتصالات مع أربعة من القادة العرب، هم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وسلطان عُمان هيثم بن طارق، والرئيس الإماراتي محمد بن زايد، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إن" لا شيء يبرر التصعيد الكبير الجاري في جنوب لبنان"، داعياً إلى أن" تصمت كل الأسلحة فيه، وبصورة نهائية"، وأكد أن فرنسا ستواصل دعم السلطات اللبنانية في جهودها لاستعادة سيادة الدولة ووحدة أراضيها.
وفي اليوم نفسه، قال وزير الخارجية جان نويل بارو إنه من شأن" كل قرية تُقصف، وكل قرية تُحتل، وكل مدني يُقتل، أن يؤدي إلى تعزيز حزب الله على المدى الطويل"، واصفاً ما تقوم به إسرائيل بأنه" خطأ جسيم" و" مخالف لمصالحها وأمنها" أيضاً.
وهو ما عاد وكرره المندوب الفرنسي الدائم لدى الأمم المتحدة جيروم بونافون في اجتماع طارئ لمجلس الأمن دعت إليه باريس الأحد وعقد يوم الإثنين، حيث وصف توسيع إسرائيل احتلالها العسكري للبنان بأنه" خطأ استراتيجي كبير".
غير أن تصعيد النبرة الرسمية لم يقنع منتقدي الحكومة بأن باريس غادرت موقع المتفرج في هذا الملف، خصوصاً أن المعادلة التي يكررها الموقف الفرنسي، أي الجمع بين إدانة الطرفين والربط بين انسحاب إسرائيل من لبنان ونزع سلاح حزب الله، تُقرأ لدى جزء من المعارضة اليسارية بوصفها تؤجل لحظة الضغط الفعلي على إسرائيل، من خلال نقل النقاش من وقف التوغل الحالي إلى قائمة أوسع من المطالب الأمنية والسياسية التي تعرف باريس أنها لا تُحسم سريعاً.
وفي هذا السياق تأتي ردود عدة لشخصيات يسارية، من بينها النائب إيمريك كارون عن حزب" ثورة بيئية من أجل الكائن الحي" (REV)، الذي صرّح بأن الجرائم الإسرائيلية في لبنان باتت ممكنة" لأن أحداً لا يوقف" حكومة بنيامين نتنياهو.
ولم تبتعد النائبة الأوروبية الاشتراكية كلوي ريديل عن هذا الموقف حين انتقدت، في تصريحات، الإدانات" الرخوة" للهجوم الإسرائيلي على لبنان، في ظل استمرار العلاقات العسكرية والتجارية مع إسرائيل.
وشملت هذه المواقف المنتقدة لموقف الحكومة الفرنسية شخصيات من المعسكر الرئاسي نفسه، مثل النائبة أمل أميليا لاكرافي (من حزب النهضة)، التي ساءلت وزير الخارجية، ضمن اجتماع للجنة الشؤون الخارجية في البرلمان عقد الأسبوع الماضي، عن الإجراءات الملموسة التي تتخذها الحكومة لحماية لبنان والفرنسيين هناك من القصف الإسرائيلي.
أما النائب الأوروبي اليميني فرنسوا كزافييه بيلامي، فلم يكتف بالتصريحات، بل قام بزيارة إلى لبنان، وإلى عدد من قرى الجنوب اللبناني، الشهر الماضي، لإظهار الدعم لـ" أشقائنا" هناك، كما اجتمع مع شخصيات سياسية ودينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك