تعرضت عدة مناطق في جنوب غربي ليبيا لأضرار واسعة من جراء السيول التي ضربت المنطقة خلال الأيام الماضية، والناتجة عن أمطار غزيرة مفاجئة يرجعها خبراء إلى تداعيات التغير المناخي.
واشتكى سكان متضررون ومسؤولون محليون بشأن ضعف الاستجابة الحكومية في ظل الأزمة، في حين حذرت مراكز الرصد الجوية من موجة سيول جديدة قد تطاول مناطق أخرى في غرب البلاد.
وسبّبت موجة الأمطار الغزيرة التي شهدتها مناطق جنوب غرب ليبيا فيضانَ العديد من الأودية، ما أدى إلى اجتياح السيول لمناطق من بينها غات، والبركت، وتهالة، منذ يوم الخميس الماضي، ما أجبر المئات من سكان تهالة على النزوح، مع نزوح أعداد أقل من سكان غات والبركت، كما سبَّبت السيول انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة، وتضرر شبكات الاتصالات، وخلفت أضراراً متفاوتة بالطرق التي تربط تلك المناطق التي تشهد حالة من التردي القديم في الخدمات الأساسية، ويواجه غالبية سكانها ظروفاً معيشية قاسية.
وأوضح عميد بلدية تهالة، حسن سرمي، لـ" العربي الجديد"، أن" عدداً من أحياء المدينة تعرضت لأضرار كبيرة من جراء موجة السيول، ما أدى إلى نزوح نحو 250 أسرة من منازلها إلى مناطق مجاورة، لا سيما مع تزامن السيول مع حلول عيد الأضحى.
الاستجابة الحكومية لمختلف الأزمات ضعيفة، والبلدية تفتقر إلى الإمكانيات اللازمة لرعاية النازحين، فيما لم تصل المساعدات الإنسانية الحكومية إلا بشكل محدود.
فرق الإسعاف والطوارئ وجهاز الهلال الأحمر الليبي بذلوا جهوداً كبيرة لتقديم العون للسكان، لكن حجم الأزمة يتطلب تدخلاً أوسع وإمكانات أكبر".
وبينما لا يزال سكان تهالة، إلى جانب بعض الأسر من غات والبركت في حالة نزوح، دخلت سيارات شفط المياه إلى الأحياء المتضررة في البلدات الثلاث بعد توقف تدفق السيول أخيراً.
ويؤكد سرمي أن" إزالة المياه المتراكمة لن تكون كافية لتمكين السكان من العودة إلى منازلهم، فمعظم المساكن تعرضت لأضرار متفاوتة، وتحتاج إلى أعمال صيانة وتأهيل، ما يستدعي تدخلاً حكومياً لدعم السكان، وتعويض المتضررين منهم".
وأعلنت كل من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وحكومة مجلس النواب في بنغازي حالة الطوارئ في مناطق جنوب غرب ليبيا، وأكدتا البدء بإرسال مساعدات إنسانية، والعمل على إعادة ربط المنطقة بشبكات الاتصالات، إلى جانب توفير الدعم الطبي اللازم للمراكز الصحية المتضررة.
من تهالة، يؤكد الليبي عبد المؤمن بوشا، عدم تسجيل خسائر بشرية في المناطق التي ضربتها السيول، مشيراً إلى أن فرق الإسعاف والطوارئ تمكنت من شفط المياه من المركز الصحي، لكن الظروف الصعبة التي يعيشها السكان لم تنته، بينما التجاوب الحكومي مع الأزمة بطيء للغاية.
وانتقد بوشا، في حديثه لـ" العربي الجديد"، طريقة التعامل الحكومي مع مختلف الأزمات التي تتكرر في مناطق الجنوب الغربي، مؤكداً أنها" تكتفي بإصدار التحذيرات الجوية من دون اتخاذ إجراءات استباقية للحد من آثار السيول، أو حماية السكان.
ينبغي تعويض المتضررين، وتقديم الدعم اللازم لإعادة تأهيل المنازل التي تعرض معظمها لأضرار جسيمة".
وليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها مناطق تهالة وغات والبركت للسيول، إذ شهدت المناطق الثلاث خلال السنوات الماضية فيضانات خلفت أضراراً واسعة في المساكن، وأدت إلى انهيار شبكتي الكهرباء والاتصالات، وسط ضعف الاستجابة الحكومية ومحدودية إمكانات البلديات في مواجهة الكوارث.
ويعبر سكان مناطق الجنوب الغربي عن مخاوفهم من تكرار السيول، بينما توقع المركز الوطني للأرصاد الجوية الحكومي هطل أمطار غزيرة على عدد من المناطق الغربية، وحذر من احتمال جريان بعض الأودية، خاصة في المناطق الجبلية الوعرة، مع امتداد تأثيرات الحالة الجوية إلى أجزاء من المناطق الساحلية.
ويرى الأستاذ في كلية علوم البيئة في جامعة طرابلس، توفيق عليش، ضرورة وضع السلطات خططاً شاملة لمواجهة ظاهرة السيول المتكررة، معتبراً أنها تحدث في ظروف معيشية استثنائية، وأحياناً في غير مواسمها الطبيعية، ما يفاقم الأضرار والخسائر.
ويوضح عليش لـ" العربي الجديد"، أن" الظاهرة مرتبطة بالتغير المناخي الذي تمر به كامل المنطقة، ومختلف دول العالم، وسط تقلبات جوية حادة، كان لافتاً فيها أن تتحول مناطق صحراوية جافة إلى مناطق مطيرة.
هشاشة البنية التحتية وضعف أنظمة تصريف مياه الأمطار وغياب الخرائط المحدثة للمخاطر الطبيعية، كلها أسباب تجعل من الضروري أن تهتم الجهات الحكومية بتنظيم مجاري الأودية في المناطق المعرضة للفيضانات، والانتقال من مرحلة التعامل مع الكوارث بعد وقوعها إلى مرحلة التخطيط الاستباقي للتعاطي معها، وتفادي تفاقم مخاطرها".
ويقر أستاذ علوم البيئة الليبي بصعوبة التعامل مع المتغيرات المناخية الطارئة، ولا سيما في المناطق البعيدة جغرافياً التي تعاني هشاشة البنى التحتية، لكنه يشدد على ضرورة مواجهة هذه التحديات عبر إعداد الخطط اللازمة للتكيف مع التغير المناخي، وأهمها بناء السدود، وتغيير مجاري الأودية للاستفادة من تلك المياه في خطط التنمية المحلية بدلاً من تركها تدمر منازل السكان ومزارعهم، وتغرق البلدات والمدن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك