للكتلة قوة كامنة؛ فالجماعات البشريّة تمتلك قوى هائلة للتأثير تستطيع باستخدامها تجاوز القيود والقوانين، بل والمبادئ التي تحكم عالم اليوم.
وتظهر هذه القوى كأداة فعالة في تحصيل حقوق أو فرض إرادة أو إعادة ضبط مفاهيم العدالة كاسرةً الحدود التي تضعها المنظومات الحاكمة في العالم، سواء كانت محلية كسلطات الدولة المتعارف عليها، من قوانين وإجراءات منضبطة بتفاصيل بيروقراطية تتسبب في ضياع حقوق لا جدال فيها، أو كانت عالمية من اتفاقات اقتصادية أو سياسيّة، وقوى أمر واقع من منظمات دولية وتعاريف حقوقية عالمية صاغتها إرادات المنتصرين وأصحاب القوة المفرطة.
على رأس هذه الأدوات التي تملكها الجماعة البشرية في هذا السياق، تتربع المقاطعة، بكل معانيها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والقانونية، باعتبارها الأداة الأهم والأكثر فاعلية لفرض الإرادة واستعادة الحق عندما يقف القانون عاجزاً عن الفعل.
وهي بكل تجلياتها حق لا يمكن انتزاعه من الأفراد، إذا لا يمكن لأي جهة قانونية أو غيرها أن تجبر إنساناً على شراء سلعة لا يريد شراءها، أو التواصل مع إنسان لا يرتاح للتواصل معه.
في لمحة تاريخية سريعة تقدم لنا الحكاية البشرية نماذج استطاعت تحقيق نجاحات واختراقات كبرى عبر حملات مقاطعة واجهت دولاً عظمى وشركات عملاقة، من حملة مقاطعة المنتجات البريطانية في الهند، مروراً بحملة مقاطعة الحافلات في مونتغومري في الولايات المتحدة كنماذج لمواقف حاسمة دفاعا عن النفس في وجه الانتهاكات الإنسانية، وحملة مقاطعة شركة دانون الفرنسية احتجاجاً على تسريح تعسفيّ للعمال ومقاطعة البضائع المنتجة في جنوب أفريقيا إبان حكم نظام الفصل العنصري، كنماذج لمواقف تعنى بحقوق" الآخر" أيضاً.
ولا يمكن تجاوز حركة" بي دي إس" الفلسطينية العالمية لمقاطعة إسرائيل، وهي من أدق الحركات في هذا المجال تنظيماً وضبطاً ومتابعةً لما تسعى هذه الحركة لمقاطعته، عبر تحديثات دائمة لقوائم المقاطعة، وشموليتها، وتبريرها بإيضاح لا لبس فيه.
ورغم ما يبدو عليه فعل المقاطعة كخيار لا يمكن انتزاعه من مساحة الحرية الشخصية، وأداة للدفاع عن النفس أو الغير، فإن النقاشات الأخلاقية والحملات المضادة تظهر بقوة في حالات تقوم فيها المقاطعة على أسس عرقية أو دينية/ طائفية، أو بناءً على معطيات مضلّلة، أو استخدام جائر للحرية الشخصية في الاعتداء على حرية الآخر الشخصية ويمكن أن نستحضر سلوك المقاطعة الاجتماعية البدائية الذي ترتكبه طائفة ما عند زواج فرد منها عابراً الطائفة كنموذج للمقاطعة الأشد عدوانية والأبعد عن قيم الحق المفترضة في فعل المقاطعة.
المقاطعة لاسترداد حق لا يسترده القانونفي سوريا اليوم، التي تظهر في غالبها ضحية جريمة إبادة كبرى، يمكن توصيفها بأنها تجمّع تراكمي لعدد لانهائي من الجرائم ارتكبها عدد لانهائي من المجرمين، إذ أسهم الدعم الاجتماعي والثقافي والديني/المذهبيّ وكذلك العداء الأيديولوجي في تراكمية هذه الجرائم، واتساعها، ما جعل هذا التراكم عصيّاً على أية محاسبة قانونية ممكنة، إذ لا يمكن لقانون منطقي وضع عقوبة للسلوكيات الداعمة للأسديّة خارج الإطار الجنائي، كاستضافة مترجم كان في مقدمة داعمي جيش الأسد إبان حرب الإبادة الطائفية في حوار عام بعد سقوط النظام المجرم، وتحتمّ حيادية الدولة تقديمها للخدمات لكل مواطنيها بغض النظر عن" أسديتهم" غير الجرمية قانوناً، كالزواج من ضابط متطوع في جيش الأسد، خارجة بذلك من إمكانية المحاسبة الواجبة، تماماً كما لا يستطيع طبيب رفض استقبال مريض أيّاً كان.
التفريط بالحقوق والسماح بالإفلات من العقاب ليس خياراً، وعجز القانون بسبب طبيعته ووظيفته عن محاسبة تفاصيل الأسدية لا يجب أن يكون مبرراً لعجز الشعب، ضمن ذات القانون، وأدواته، بل وحتى ذات الثغرات التي تمرر غالب الأسدية الاجتماعية والثقافية دون حساب.
تعود تجربة حركة مقاطعة إسرائيل كنموذج يمكن الأخذ منه وتطوير أدواته لخلق نموذج سوريّ خاص يؤسس لحملة مقاطعة شاملة للأسدية، تضبط كل تفاصيلها، وتراعي خصوصية الحالة السوريةلا يستطيع القانون بداهة أن يعاقب مطعماً يستضيف مغنياً غنى يوماً للأسد، وذات القانون لا يستطيع معاقبة حملة لمقاطعة ذات المطعم حتى ضمان إغلاقه.
تعود هنا تجربة حركة مقاطعة إسرائيل كنموذج يمكن الأخذ منه وتطوير أدواته لخلق نموذج سوريّ خاص يؤسس لحملة مقاطعة شاملة للأسدية، تضبط كل تفاصيلها، وتراعي خصوصية الحالة السورية، بمعايير عالية الدقة وحرص لا يترك هفوة لتجنّب السلوك الطائفي.
تبدو الحاجة ملحّة اليوم لتأسيس حركة مقاطعة فوق قانونية، تترك الملاحقة القانونية لمجرمي الحرب للجهات الحقوقية، تحاسب عبر صياغة واضحة لتعريف ما تشمله الأسديّة على كل الأصعدة: اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً، تعريفات ترتكز على الفعل لا على الفاعل، دون أي ذكر أو مراعاة لأي انتماء طائفيّ إذ تشكّل المسألة الطائفية عقدة شديدة الحساسية، ولا حلّ لها إلا بتجاوزها بالاتجاهين: اتهاماً ومراعاة.
يمكن وضع خارطة طريق واضحة المعالم لعمل هذه الحركة بمراحل ثلاث:وضع تعاريف واضحة للأسدية، تصف الفعل لا الفاعل، ولا تلتفت للفعل الذي يلحظه القانون، فللقانون مجراه الذي لا يقتص كما يجب أن يكون الاقتصاص، تعاريف تفصيليّة تحدد ماهية الأسديّة بشكل مجرّد، بوصفها سلوكاً معادياً للإنسانية، وتتوسع لتحديد الطبقات الأعمق والأوسع لهذا الدعم بكل أشكالها، سواء عبر الروابط الاجتماعية، أو الشراكة الثقافية، أو العمل المنظماتي، أو التعامل التجاري.
وأن تلحظ هذه التعاريف طبيعة الأسدية وتجاوزها لكل ضوابط الآدمية، ما يحتمّ أن تشمل هذه التعاريف سلوكيات قد تكون" طبيعية" في حالات أخرى، كالزواج وحضور الحفلات وحتى بيع الخبز، وردّ التحية.
بناء شبكات توثيقية شديدة المحلّية، لجمع البيانات، تعتمد على أفراد من المجتمع المحلي الضيق، فهو أدرى بمن دعم الأسد، لتحديد الذين تنطبق عليهم تعاريف المقاطعة سواء في الطبقة الأولى الأشدّ همجية – كالمتطوعين في جيش الأسد وميليشيا الدفاع الوطني – ثم التوسع فيها لتشمل بقية الطبقات كالنشر في صحف داعمة للأسد كالأخبار الحزبلاوية مثلاً، وصولاً إلى نشر صورة على وسائل التواصل الاجتماعي رفقة جار كان من داعمي الأسدية.
بعد توثيق الجهات والأفراد المشمولين بصفة الأسدية، تعمل الحركة على نشرها، مع الوثائق اللازمة لتجنب أي احتمال لتصنيف خاطئ أو غير دقيق، مع نشر مستمر لمفهوم المقاطعة وحدودها، فالزواج والبيع والشراء والتطبيع والتشغيل بكل أشكاله، توظيفاً أو تقديم خدمات، كل هذا من ضرورات المقاطعة، مع التأكيد على حيادية الوظائف الحكومية، والخدمات الطبية وإبقائها خارج الحملة؛ من حيث تقديم الخدمات لا من حيث طلبها، فالإنسان يقدّم العلاج لأي محتاج، ولكنه لا يزور عيادة طبيب أسديّ إلا في حالة انعدام البديل.
سيضمن التركيز على توصيف الفعل، لا الفاعل، التخلص التام من أية آثار طائفية للحملة، بل وإن حركة من هذا النوع قادرة على كبح جماح كل دعوة طائفية الصبغة من جهة، وعلى تخفيف كل ضوضاء المظلوميات التي باتت تحتل الفضاء العام في سعي لا يخفى لطمس حقيقة الحدث السوري منذ تأسيس اللجنة العسكرية البعثية/العصبوية بكل دلالتها، زمن الوحدة المشؤوم، وحتى جريمة الهجوم الطائفي على عناصر الأمن العام وقتلهم في طرطوس شباط 2025.
كما ستساهم الحركة بتعريف الأفعال الأسدية ودعمها، ومن ثم إعلان الأفراد والجهات التي تنطبق عليها هذه التعاريف، في وضع سياق تاريخي اجتماعي حاسم الوضوح للأسدية، وتحديد مكوناتها اقتصادياً وسياسياً ومذهبياً وثقافياً، وهذه هي الخطوة الأولى في فهم الظاهرة، ومن ثم العمل على إنهائها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك