تتميّز الأسقف الخشبية المنقوشة في العمارة التونسية التقليدية بكونها لوحات فنية مُعلّقة تختزل عراقة الحرف اليدوية، إذ تزدان ألواح خشب الأرز أو الجوز بزخارف هندسية متداخلة ونقوش نباتية تُحاكي أشكال التوريق العربي.
في قصور" البايات"، حكام تونس قبل إلغاء الملكية، ومئات البيوت والمحال العتيقة، يكفي أن ترفع رأسك إلى الأعلى لتشاهد لوحات زخرفية من الخشب المنقوش بعناية ودقة من خشب الأرز والجوز على الأغلب.
مربعات هندسية تتداخل، أو أوراق نباتية، فضلاً عن خطوط عربية، كوفية وأندلسية، كُتبت بماء الذهب والأكاسيد الطبيعية.
وتتجسد روعة الأسقف الخشبية المنقوشة في العديد من البيوت العتيقة في العاصمة تونس، وسوسة، وسيدي بوسعيد، وفي قصور البايات في سيدي بوسعيد وباردو، حيث تمثل شواهد حيّة على الترف والذوق الرفيع.
وتكشف هذه الأسقف المعروفة محلياً بـ" الفرد" أو" القفالة" عن مهارة الزَوَاقة التونسيين، وهم المختصون في فنّ" التزويق"، والذين نجحوا في دمج النقوش الحرفية الأندلسية والعثمانية، صانعين من خشب الأرز لوحات منقوشة بالذهب والألوان المائية ترمز إلى تاريخ من هيبة وفخامة" الزواق التونسي"، وهو الفن المعماري الذي زاوج بين دقة الهندسة الأندلسية وفخامة الروح العثمانية، وشكّل على مدار قرون علامة فارقة في قصور وبيوت تونس العتيقة.
وتتناغم في هذه الأسقف الألوان المستمدة من الطبيعة، مثل التبر المذهب، والأزرق اللازوردي، والأحمر القرمزي، مع توزيعها بتناسق بديع يمنح المكان شعوراً بالفخامة والدفء، ومع تدلي الثريات، تتلاعب الأضواء والظلال بثنايا الحفر الغائر والبارز، لتبرز تفاصيل الخطوط والرسوم والنصوص، وتُضفي على السقف هالة من الجمال الساحر الذي يتحدّى الزمن.
ولم يكن نقش الأسقف وتلوينها في تونس مجرد حرفة عابرة، بل كان حرفة تخضع لتراتبية صارمة يشرف عليها أمين حرفيين، وازدهر هذا الفن مع قدوم الأندلسيين الذين حملوا معهم أسرار الحفر الغائر والبارز، وتمازج لاحقاً مع اللمسات العثمانية في عهد البايات" المراديين" ثم" الحسينيين"، والذين جعلوا من هذه الأسقف رمزاً للسلطة والوجاهة الاجتماعية.
لكن هذه الحرفة معرضة اليوم للفقدان بعدما طواها النسيان تحت وطأة بنايات الإسمنت والمعمار الحديث، ويكاد ينعدم وجود حرفيين قادرين على صيانة الأسقف، والكثير من عمليات الصيانة لأسقف القصور والبيوت والمساجد التاريخية استخدم فيها طلاء كيميائي حديث غطّى على الألوان الأصلية، ما أدّى إلى طمس معالم النقوش بدلاً من إحيائها.
ويقول المهندس المعماري ضياء التونسي لـ" العربي الجديد"، إنّ" صنع الأسقف الخشبية كان يبدأ باختيار دقيق لأخشاب الأرز المقاومة للرطوبة حتى تصمد طويلاً، وبرع الحرفيون في تركيب الألواح من دون استخدام المسامير في كثير من الأحيان، قبل دخول مرحلة (الزواقة)، والتي يقوم بها الرسامون الذين يستعملون أصباغاً طبيعية تُستخرج من قشور الرمان، والنباتات العطرية، والزعفران".
يضيف التونسي: " في مطلع القرن العشرين، ومع دخول النمط المعماري الأوروبي خلال فترة الحماية الفرنسية، بدأت ملامح المعمار التونسي تتغير جذرياً، وبدأت رحلة اندثار الأسقف المنقوشة بسبب زحف الخرسانة المسلحة التي عوّضت القوالب الإسمنتية الجاهزة والأسقف المستعارة من الجبس والخشب نظراً لانخفاض كلفتها مقارنة بالخشب المنقوش الذي يتطلب أشهراً من العمل المضني.
إضافة إلى تغير النمط السكني بعدما هجر التونسيون الديار العتيقة ذات الفناء المفتوح والأسقف العالية، وفاقم ذلك رحيل المعلمين الذين يحفظون أسرار النقش والتذهيب، وعزف الشباب عن تعلّم الحرفة التي تتطلب صبراً، وعائدها المادي محدود، إلى جانب غلاء المواد الأولية".
من داخل سوق العطارين في تونس العتيقة، يقول البشير رمضاني، وهو يمسح على حافة عارضة خشبية تتدلى من سقف دُكانه الصغير: " هذا السقف ليس مُجرّد خشب يظلل سلعتي، بل قطعة من روح تونس، وعمره يتجاوز القرنين ونصف.
كان هذا (الزواق) شاهداً على أجيال مرت من هنا، وقد جعلت من صيانة السقف طقساً أسبوعياً.
أستخدم خلطة تقليدية توارثتها عن والدي، قوامها زيت الكتان الصافي وقليل من الشمع الطبيعي لتلميع النقوش بقطعة صوف ناعمة.
عندما يدخل السياح إلى المحل، تنجذب أعينهم تلقائياً إلى الأعلى قبل أن تنظر إلى البضاعة، إذ تنعكس أضواء القناديل على السقف المذهب كأنها سماء ليلية متلألئة.
في تلك اللحظة أرى علامات الانبهار في عيونهم، وأدرك أن تعب التلميع لم يذهب سدى، وأنني حارس لأمانة تاريخية مبهرة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك