يتعرض سكان المناطق القريبة من الخط الأصفر في أنحاء قطاع غزة يومياً للاستهداف بالقصف المدفعي وإطلاق النار، ما يخلف شهداء وإصابات، وحالة رعب دائمة.
يزحف الخط الأصفر الإسرائيلي نحو مناطق جديدة في قطاع غزة، ليبتلع مساحات إضافية على طول امتداده، ويتخلل كل تمدد إطلاق قذائف مدفعية مكثفة، وإطلاق نار عشوائي، وتحليق كثيف للطائرات الحربية والمسيرة للتغطية على تقدم الآليات التي تدفع المكعبات الأسمنتية الصفراء.
ويؤدي هذا التمدد إلى نزوح صامت للأهالي الذين يتركون منازلهم وأراضيهم قسراً، بينما تتفاقم المعاناة اليومية للنازحين في مخيمات إيواء والبيوت القريبة من الخط الأصفر، مع تسجيل إصابات وشهداء بشكل شبه يومي بفعل" التمشيط الناري" الذي تنفذه آليات جيش الاحتلال.
وسجل القطاع 930 شهيداً، إضافة إلى نحو 2500 إصابة منذ إقرار وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وفق معطيات 2 يونيو/حزيران الجاري.
وأصدر جيش الاحتلال أخيراً خرائط جديدة تحصر آلاف النازحين داخل مناطق مقيدة.
وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوغاريك، إن لدى المنظمة خرائط تضم خطاً آخر يُسمّى" الخط البرتقالي"، تم تقديمه للكوادر الأممية النشطة في مجال المساعدات الإنسانية، وتظهر أن المنطقة المقيدة تشكل نحو 11% من أراضي غزة الواقعة خارج" الخط الأصفر" تجاه الغرب.
وبفعل" الخط الأصفر"، جرى حصر الفلسطينيين في 47% من مساحة غزة، ومع" الخط البرتقالي" الذي يمنح الاحتلال سيطرة إضافية، بات الاحتلال يحصر الفلسطينيين في أقل من 40% من مساحة القطاع الإجمالية البالغة 365 كيلو مترا مربعاً.
وتظهر المعطيات والشهادات الميدانية تقدم الخط الأصفر في العديد من المناطق، حتى بات يبعد بعشرات الأمتار فقط عن شارع صلاح الدين الرئيسي، وأمتار قليلة عن جسر وادي غزة، وبات قريباً من دوار" بني سهيلا" في خانيونس، ما يمكن الاحتلال في أي خطة قادمة من إغلاق الطرق، أو زيادة الخطورة على حركة المركبات على الطرق الواصلة بين مدن القطاع من ناحية الشرق.
عند إقرار وقف إطلاق النار، كان الخط الأصفر يبعد عن مكان سكن أحمد أبو عبيد شرقي مخيم المغازي بوسط القطاع نحو 700 متر، ومع تمدد الخط الأصفر تدريجاً نحو الغرب باتت تلك المسافة حالياً لا تزيد عن 200 متر.
ويقول لـ" العربي الجديد": " كنت أملك 30 دونماً زراعياً تضم أنواعاً من الشجر، ولم يتبق منها حالياً سوى خمسة دونمات.
عندما تقدموا في شهر ديسمبر/ كانون الأول 2025، قاموا بتجريف نصف الأرض، ثم جرفوا النصف المتبقي لاحقاً.
كان من حولي جيران وسكان، وبفعل تمدد الخط الأصفر نزحت غالبيتهم.
نحو 500 شخص تركوا المنطقة خلال الأشهر الأخيرة".
يضيف أبو عبيد: " الشهر الماضي أطلقوا علينا أربع قذائف، وألقوا قنبلة من مسيرة (كواد كابتر)، نجوت منها بأعجوبة.
نعيش في مقابل موقع عسكري، وأثناء عملنا في الأرض الزراعية يطلقون النار بشكل مفاجئ، فنغادر.
أسكن في بيت جدرانه الشرقية مفتوحة بفعل القصف، وقد استبدلت الجدران بشادر، ما يجعلني في مرمى النار من دون أي حماية، فأي رصاصة تصيب الشادر ستكون قاتلة".
وأقام جيش الاحتلال ساتراً ترابياً بارتفاع نحو أربعة أمتار، أمامه خندق بعمق ثلاثة أمتار شرقي القطاع، يضاف إلى موقع عسكري على تلة مرتفعة يكشف مساحات واسعة في المنطقة.
يزرع أبو عبيد في دونماته الخمسة المتبقية الشمام والبطيخ والملوخية، بينما يواجه مخاطر كبيرة في عملية الري اليومي للمزروعات، ويقول: " أراقب حركة الآليات قبل بدء الري أو تنظيف الأعشاب، لأنه عندما تأتي الآليات تبدأ مباشرة بإطلاق النار".
بدوره، يقول مدير مكتب الإعلام الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، إن الاحتلال يحاول فرض أمر واقع قائم على التوسع الصامت والبطيء داخل القطاع عبر أدوات هندسية وعسكرية تتحول لاحقاً إلى حدود جديدة.
ويوضح لـ" العربي الجديد"، أن العملية تبدأ بالتوغل وأعمال التجريف وإقامة السواتر وإزاحة المكعبات التي تمنع حركة المواطنين، وتجعل المناطق المحيطة خطرة أو محظورة، ثم يتحول ذلك مع الوقت إلى إجراءات دائمة تمنع عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية".
ويضيف الثوابتة: " انتقل الاحتلال إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل بما يسمى (الخط البرتقالي)، فالخط الأصفر كان قائماً بمحاذاة المناطق الحدودية الشرقية والشمالية، ضمن نطاقات عسكرية مفروضة بالقوة، بينما الخط البرتقالي يمتد إلى عمق أكبر داخل القطاع، ويشمل مناطق كانت تُعتبر سابقاً مأهولة، أو يتاح الوصول المحدود إليها".
وبالتوازي مع إزاحة الخط الأصفر نحو الغرب، يقوم جيش الاحتلال بإزاحته في شمالي بلدة بيت لاهيا تجاه العمق السكاني جنوباً.
يروي أنس العطار أن الاحتلال فاجأه في أحد الأيام بإطلاق وابل من الرصاص الكثيف في جنح الظلام على خيام النازحين، ثم اقترب جنوده من الخيام، وتمركزوا على شارع بيت لاهيا الرئيسي، وبعدها تقدمت الآليات، وأزاحت مكعبات الخط الأصفر مسافة 120 متراً.
ويضيف العطار لـ" العربي الجديد": " اضطر بعض السكان إلى الانتقال خشية الاعتداء عليهم من قبل جيش الاحتلال أو المليشيات المتعاونة، ولا يزال العدو يتقدم للوصول إلى دوار العطاطرة، وبتغطية من الطائرات المسيرة التي لا تغادر سماء المنطقة، وتحلق عادة على ارتفاع منخفض، والمنطقة الساخنة التي تخضع لإطلاق نار يومي تمتد على أكثر من كيلو ونصف تقريباً".
في جباليا البلد والمناطق المحيطة بها، لم يستطع الاحتلال إزاحة الخط الأصفر غرباً نتيجة الدمار الهائل وكميات الركام.
يعيش إبراهيم المطوق في مخيم" حلاوة"، والذي يضم 1850 عائلة يحاصرها الركام من كل الاتجاهات، ويبعد المخيم نحو 900 متر عن الخط الأصفر، ويقول لـ" العربي الجديد"، إنه لم يتم إزاحة الخط حتى اليوم، لكن يتكرر إطلاق النار العشوائي، ما أدى إلى استشهاد 4 نازحين في المخيم وإصابة 30 آخرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك