في عام 2016، أنهت الصين سياسة" الطفل الواحد"، وسمحت للأزواج بإنجاب طفلين، على أمل إبطاء التراجع الديموغرافي، لكن التحسن كان قصير الأمد.
حتى بعد أن رفعت السلطات لاحقاً الحد الأقصى إلى ثلاثة أطفال، وقدّمت حوافز مثل الإعانات النقدية، وإطالة إجازة الأمومة، ودعم السكن.
واستمر معدل المواليد في الانخفاض، ليصل إلى أدنى مستوى له عند 7.
9 ملايين في عام 2025، وهو أدنى مستوى مسجّل منذ عام 1949، كما انخفض معدل الخصوبة الإجمالي إلى ما دون المستوى المطلوب للحفاظ على استبدال الأجيال (2.
1 طفل)، ما يشير إلى أنّ التركيبة السكانية في البلاد تدخل بسرعة مرحلة الشيخوخة العميقة.
بالنسبة لأطباء التوليد، يعني هذا التراجع أجنحة أقلّ ازدحاماً في المستشفيات، وعدد ولادات أقلّ، وضغطاً أخفّ على الأقسام، والتي دُمج بعضها، وتقلّص حجم البعض، واختفى بعضها تماماً.
وبحلول عام 2024، صارت الأزمة واضحة لدرجة أن أحد أشهر أطباء التوليد في الصين، حثّ الناس على إنقاذ مهنة طب التوليد، محذّراً من أن التخصص ينهار.
وفي ذلك العام، صنّفت اللجنة الوطنية للصحة خدمات الولادة بوصفها خدمة طبية أساسية، وأمرت المقاطعات بالحفاظ على خدمات الولادة العامة، ودعت المستشفيات إلى حماية أجور أطباء التوليد.
مع ذلك، يقول الأطباء إنّ عدد طلاب الطب الذين يختارون تخصص التوليد يتناقص باستمرار، بينما يعمد طلاب اختاروه سابقاً إلى تغيير تخصّصهم، أو يختارون عدم العمل إطلاقاً في المستشفيات، ويعزون ذلك كون الحسابات العامة لم تعد في صالح هذا المجال.
ويقول بعض هؤلاء الطلاب إنّ المشكلة تكمن في أنّ الأزواج ببساطة غير راغبين في إنجاب الأطفال.
وخلال العام الماضي، أثارت أنباء إغلاق أقسام التوليد وطب الأطفال في أنحاء كثيرة من الصين، مخاوف بشأن توجه الخصخصة في الرعاية الصحية العامة، وانخفاض معدل المواليد المستمر.
ورغم أن اللجنة الوطنية للصحة في الصين نصّت صراحةً على عدم جواز إغلاق أقسام التوليد تعسفياً، إلا أن المؤسسات الطبية المحلية لا تزال تُغلق هذه الأقسام تحت ضغط تشغيلي للحد من الخسائر.
وبحسب بيانات رسمية، انخفض عدد المواليد في الصين انخفاضاً حادّاً من ذروته البالغة 17.
8 مليون مولود في عام 2016 إلى تسعة ملايين مولود في عام 2023، أي ما يقارب النصف.
ويعتقد الأكاديميون عموماً أن انخفاض معدل المواليد المستمر هو السبب الرئيسي وراء تراجع عمليات طب التوليد، وكذلك أمراض النساء.
ويوضح الطبيب الصيني لو تشانغ، وهو عضو سابق في منظمة" أطباء بلا حدود" أن" أطباء التوليد يرتبط دخلهم إلى حدّ ما بأجرة الولادة.
فإذا لم ترتفع الأسعار، لن يرتفع دخلهم، ما يُصعّب عليهم الحصول على زيادات سنوية مثل الأقسام الأخرى.
وفي حال ارتفعت الأسعار، سيشعر الناس بالاستياء، خصوصاً أنّهم متردّدون بالفعل في إنجاب الأطفال، وأيّ ارتفاع إضافي في الأسعار سيزيد من عزوفهم عن ذلك، وهنا تكمن المشكلة".
ويضيف الطبيب الصيني لـ" العربي الجديد": " مع الانخفاض المستمر في معدلات المواليد، يجد العديد من أطباء التوليد أنفسهم عاجزين عن الحفاظ على الكفاءة السريرية الكافية، ما يؤدي إلى مخاطر محتملة على السلامة الطبية، ويدفع الأطباء الشباب إلى تغيير المهنة أو التخصّص في مجال آخر.
وفي ظلّ عدم كفاية الدعم المقدّم للمستشفيات من السلطات المحلية، تجد أقسام التوليد صعوبة في الحفاظ على خدماتها منخفضة الدخل، ما يضطرّها إلى الاندماج أو حتى الإغلاق".
من جهتها، تقول الباحثة الاجتماعية شو شيا: " يختار العديد من الأزواج الشباب تأجيل موضوع إنجاب الأطفال أو التخلّي عن فكرة الإنجاب، وذلك في ظلّ ارتفاع أسعار المساكن وتكاليف التعليم، وعدم استقرار فرص العمل.
وتضيف لـ" العربي الجديد": " ساهم التوسع الحضري في تسريع هذا التوجه، إذ إنّ تكلفة المعيشة في المدن الكبرى تجعل المفهوم التقليدي المتمثل في تربية الأطفال لتأمين مستقبل الأهل عند الشيخوخة، أمراً غير قابل للتحقيق.
ويعود ذلك إلى أنّ تكلفة تربية الأطفال باتت العائق الأكبر.
ففي بكين أو شنغهاي (شرق) أو شينزن (جنوب) على سبيل المثال، قد تتجاوز نفقات تعليم الطفل ورعايته الصحية ومعيشته 40% من دخل الأسرة.
هذه العوامل مجتمعة تجعل من الإنجاب خياراً غير مرغوب فيه".
وتضيف شيا: " معظم الشباب يعتقدون أن عدم اليقين بشأن مستقبل أطفالهم هو السبب الرئيسي لعزوفهم عن الإنجاب.
وخلال فترات الركود الاقتصادي، يخشى الشباب أن يواجه أطفالهم منافسة أشدّ، وأن يعجزوا عن عيش حياة كريمة".
وتلفت إلى أنّ الحكومة أدركت خطورة المشكلة، وطبّقت عدداً من السياسات، مثل تمديد إجازة الأمومة وبدلات الولادة، لكن هذه الإجراءات لم تتمكن من تغيير عقلية الشباب".
وترى الباحثة الاجتماعية أنّ المفارقة تكمن في أنّ الدولة بحاجة إلى مزيد من المواليد الجُدد لدعم النمو الاقتصادي المستقبلي، لكنّ الأفراد يمتنعون عن الإنجاب بسبب الضغوط الاقتصادية، ما يخلق حلقة مفرغة.
وتعتبر شيا أنّ الحلّ يستدعي تحسين نظام الرعاية الاجتماعية، مثل تقديم رعاية مجانية للأطفال ودعم الإسكان، من أجل تذليل العقبات أمام الإنجاب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك