في ليبيا لا يحتاج الجدل العام إلى وقت طويل كي يتحول من قضية حقيقية إلى مادة جديدة في سوق المزايدات السياسية، وهذا ما حدث تماماً عندما أطلق نشطاء، مطلع هذا الأسبوع، دعوات إلى التظاهر أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في طرابلس، بعد تداول أنباء عن تواصل المفوضية مع مراكز صحية ومحال تجارية لتسهيل حصول بعض المهاجرين الحاملين لـ" بطاقات لجوء" على خدمات أساسية.
وبينما انطلقت المخاوف من زاوية أن منح المهاجرين بطاقات لجوء يعني منحهم حق التوطين بعد أن دخلوا البلاد بطرق غير نظامية، وجد مجلس النواب فيها فرصة لإصدار بيان حاد اللهجة يرفض توطين المهاجرين، ملمحاً خلاله لوجود" ترتيبات" في طرابلس تمهد لذلك.
ورفض التوطين ليس ما يثير الاستغراب، فهو موقف تتبناه مختلف الجهات الليبية، لكن المستغرب هو موقف مجلس النواب الذي استنفر لغته السياسية ليؤكد على تمسكه بـ" السيادة الوطنية" وكأن هناك تهديداً حقيقياً للسيادة.
ولم يحمل البيان أي إشارة إلى مصير" قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية" المطروح على طاولته منذ سنوات طويلة، من دون أن يجد طريقه إلى المناقشة، فضلاً عن إصدار مجلس النواب عام 2023" قانون منع توطين الأجانب في ليبيا".
ولم يحدث أي تطور بخصوص قانون مكافحة المهاجرين.
المفارقة الصارخة أن مجلس النواب يدرك أن الجميع يعلم أن المهاجرين يتدفقون إلى البلاد عبر الحدود الجنوبية الواقعة في قبضة ما يعرف بـ" الجيش الوطني"، ويطالع مع كل الليبيين التقارير الدولية والأممية التي تتحدث بشكل متكرر عن تورط أسماء مرتبطة باللواء المتقاعد خليفة حفتر، قائد ما يعرف بـ" الجيش الوطني" في تهريب المهاجرين.
ووجه المفارقة الآخر أن مجلس النواب الذي يتخذ من بنغازي مقراً، له يعرف جيداً أن المدينة تعد واحدة من أبرز نقاط تهريب المهاجرين، وكم رأى من مسؤولين أوروبيين يقصدون حفتر فيها طلباً للتعاون من أجل وقف تدفقات المهاجرين.
وفي كل ذلك تغيب مخاوف مجلس النواب على" السيادة الوطنية"، ويوجه مخاوفه عليها نحو خصومه السياسيين في طرابلس.
وليس الحديث هنا دفاعاً عن الحكومة في طرابلس ولا تبرئة لها، فهي الأخرى تحمل سجلاً مثقلاً بسوء إدارة الملف الإنساني للمهاجرين.
لكن المعضلة في استغلال المأساة الإنسانية للمهاجر الفار من ظروفه القاسية، إلى مادة للاستثمار السياسي وورقة في الصراع، بلغ فيها مجلس النواب مستوى من المتاجرة والارتزاق السياسي على حساب الإنسان وحقوقه الأساسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك