عمل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، على مدار العامين الأخيرين، على تسويق ما يعتبره إنجازات عسكرية باعتبارها انتصارات كبرى من شأنها تمكين إسرائيل من إعادة تشكيل الواقع الأمني والاستراتيجي والسياسي في المنطقة.
وقد تفاخر نتنياهو مراراً بأن الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن، وبتوجيه مباشر منه، نجحوا في تغيير المعادلات العسكرية في مواجهة إيران وحزب الله وحركة حماس.
كانت إسرائيل، ولا سيما نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس، على قناعة بأن الحرب المشتركة مع الولايات المتحدة ضد إيران، وما تبعها من حرب على حزب الله، ستكون قصيرة وحاسمة، وأنها ستمنح نتنياهو والائتلاف الحاكم صورة النصر التي يحتاجانها قبل التوجه إلى انتخابات الكنيست المقبلة.
إلا أن مجريات الحرب ونتائجها حتى الآن بدّدت أجواء الانتصار التي سعت القيادة الإسرائيلية إلى ترسيخها، وأظهرت مرة أخرى أن إسرائيل ليست قادرة بالضرورة على تحقيق جميع أهدافها وتطلعاتها العسكرية والسياسية.
بل إن الحرب أخذت تتحول تدريجياً إلى عبء سياسي على نتنياهو والائتلاف الحاكم، بدل أن تكون رصيداً انتخابياً يعزز مكانتهما أمام الرأي العام.
وهذا ما يثير قلقاً متزايداً لدى نتنياهو من التداعيات السياسية والانتخابية لهذه الحالة، إذ يمكن أن تترجم مشاعر خيبة الأمل من نتائج الحرب إلى مواقف انتخابية في صناديق الاقتراع، خصوصاً أن نتنياهو سعى، منذ الإخفاق الكبير في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى توظيف ما اعتبره المجتمع الإسرائيلي إنجازات عسكرية من أجل ترميم مكانته السياسية والانتخابية.
التصعيد في لبنان.
شعبوية عسكريةمن هذا المنطلق، اتجه نتنياهو في الأيام الأخيرة إلى تصعيد التهديد تجاه لبنان وحزب الله، وإلى توسيع نطاق العمليات العسكرية، في محاولة للبحث عن إنجاز عسكري يمكن أن يرضي الرأي العام الإسرائيلي.
فعلى الرغم من سيطرة إسرائيل على أجزاء واسعة من جنوب لبنان، واستمرار القصف والدمار، يواصل حزب الله استهداف القوات الإسرائيلية المتوغلة في الجنوب بواسطة الطائرات المسيّرة الانقضاضية، موقعاً إصابات في صفوفها، بالتوازي مع استمرار استهداف البلدات الشمالية.
أظهرت الحرب على إيران أن إسرائيل ليست قادرة بالضرورة على تحقيق جميع أهدافها وتطلعاتها العسكرية والسياسيةفي ظل هذا الواقع، يصعب الفصل بين الاعتبارات السياسية والشعبوية لنتنياهو وبين القرارات العسكرية التي تتخذها حكومته.
إذ يبدو أن نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس يسعيان إلى تهدئة حالة الإحباط المتزايدة داخل المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما لدى سكان البلدات الشمالية، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الإعلامية والسياسية المطالبة بتوجيه ضربات أشد لحزب الله، وتوسيع نطاق الحرب، وصولاً إلى استهداف بيروت.
من هذا المنطلق، جاء القرار باحتلال قلعة الشقيف التاريخية في جنوب لنان، التي تتمتع بمكانة رمزية خاصة في سياق الحروب الإسرائيلية المتعاقبة على لبنان.
وقد سعت إسرائيل إلى تقديم السيطرة على القلعة، حتى وإن تمت من دون معركة، باعتبارها إنجازاً استراتيجياً يرمز إلى استعادة زمام المبادرة في الجبهة اللبنانية.
إلا أن هذا الخطاب سرعان ما واجه انتقادات من محللين وخبراء عسكريين إسرائيليين شكّكوا في القيمة الفعلية لهذا الإنجاز.
فبحسب ما أوردته صحيفة" يديعوت أحرونوت" (31 أيار/مايو الماضي)، ينظر مسؤولون أمنيون وعسكريون إسرائيليون إلى السيطرة على قلعة الشقيف باعتبارها صورة انتصار تكتيكية أكثر منها تحولاً استراتيجياً، إذ إنها لا تغيّر بصورة جوهرية طبيعة المعركة الدائرة في لبنان، ولا تحسم مستقبل الحرب.
وفي السياق ذاته، كتب المحلل العسكري في صحيفة" هآرتس"، عاموس هرئيل (2 حزيران/يونيو الحالي)، أن الجيش الإسرائيلي لا يحقق من خلال توغله في جنوب لبنان إنجازات استراتيجية حقيقية، بل يواصل التورط في حرب تؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا المدنيين اللبنانيين، وإلى مقتل مزيد من الجنود الإسرائيليين، من دون أن يفضي ذلك إلى تغيير جوهري في موازين القوى أو في طبيعة التهديد الذي يواجه إسرائيل على الجبهة الشمالية.
إلا أن حالة النشوة الإسرائيلية التي رافقت احتلال قلعة الشقيف لم تدم طويلاً.
فسرعان ما تواصلت هجمات حزب الله بواسطة الطائرات المسيّرة الانقضاضية، التي نجحت في إيقاع إصابات وقتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي، ما بدّد جزءاً من صورة الانتصار التي حاولت الحكومة الإسرائيلية تسويقها.
وقد ساهم هذا الواقع في تعميق الأزمة السياسية التي تواجهها حكومة بنيامين نتنياهو، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية واحتمال تقديمها إلى شهر أيلول/سبتمبر المقبل، بدلاً من موعدها المقرر في نهاية أكتوبر.
وفي ظل استمرار القتال وعدم تحقيق حسم عسكري واضح، تتزايد الصعوبات أمام نتنياهو في إقناع الرأي العام الإسرائيلي بأن الحرب حقّقت الأهداف التي وُعد بها الجمهور منذ بدايتها.
استمراراً لنهج السياسة الشعبوية القائمة على توظيف الأدوات العسكرية، وفي محاولة للتأثير في المزاج العام داخل المجتمع الإسرائيلي، أصدر نتنياهو وكاتس بياناً صباح يوم الاثنين في الأول من يونيو، أعلنا فيه أنهما أعطيا تعليمات للجيش بتوسيع العمليات العسكرية في لبنان واستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت.
وقد سبقت ذلك حملة تمهيدية استندت إلى الادعاء بأن الإدارة الأميركية باتت أكثر تقبلاً للموقف الإسرائيلي بشأن مواصلة التصعيد.
وبالفعل، أصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي بياناً باللغة العربية، دعا فيه إلى إخلاء الضاحية الجنوبية، تمهيداً لتنفيذ غارات جوية عليها.
وقد عُدّت هذه الخطوة مؤشراً إضافياً على توجه الحكومة الإسرائيلية نحو توسيع نطاق المواجهة، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية الداخلية على نتنياهو، وتتراجع فيه مؤشرات الرضا الشعبي عن نتائج الحرب.
أعاد هذا التصعيد إيران إلى خط المواجهة، وأعلنت وقف المفاوضات مع الولايات المتحدة، وأصدرت بياناً حذّرت فيه من أن أي هجوم إسرائيلي على الضاحية الجنوبية سيقابله رد يستهدف شمال إسرائيل.
كما دعت سكان البلدات الشمالية إلى الإخلاء في حال أقدمت إسرائيل على تنفيذ تهديداتها.
أعاد تدخل ترامب الربط بين الجبهتين اللبنانية والإيرانية، وهو ما يتناقض مع الرواية الإسرائيلية التي سعت إلى الفصل بينهمافي ضوء هذه التطورات، تدخّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأعلن التوصل إلى وقف جديد لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، موضحاً أن إسرائيل لن تنفذ هجوماً على الضاحية الجنوبية، مقابل توقف حزب الله عن استهداف البلدات الإسرائيلية في الشمال.
وفي هذا السياق، أشار المحلل العسكري عاموس هرئيل في" هآرتس" (2 يونيو) إلى أن ترامب تدخّل وأعلن وقف إطلاق النار في لبنان خشية أن يؤثر التصعيد على مسار المفاوضات الجارية مع إيران.
كما وصفت القناة 12 الإسرائيلية المحادثة التي جرت بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنها كانت" صعبة".
كان لتدخل ترامب ومنعه إسرائيل من تنفيذ هجوم على الضاحية الجنوبية لبيروت تداعيات سياسية سلبية على الحكومة الإسرائيلية، وعلى مكانة بنيامين نتنياهو بصورة خاصة، حتى وإن حاول نتنياهو التقليل من أهمية ذلك، من خلال الاستمرار في قصف مناطق في جنوب لبنان والتأكيد أن التفاهمات الجديدة تقتصر على الضاحية الجنوبية فقط.
أولاً، جاء تدخل ترامب مباشرة بعد التهديدات الإيرانية بوقف المفاوضات مع الولايات المتحدة، والتلميح إلى احتمال استئناف المواجهة عبر استهداف شمال إسرائيل.
هذا التزامن أعاد الربط بين الجبهتين اللبنانية والإيرانية، وهو ما يتناقض مع الرواية الإسرائيلية التي سعت إلى الفصل بينهما.
ثانياً، أظهر الموقف الأميركي أن الرئيس ترامب ليس معنياً، في المرحلة الحالية على الأقل، باستئناف الحرب مع إيران.
ويعود ذلك إلى مجموعة من الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والسياسية، من بينها الكلفة المتوقعة لأي تصعيد جديد، والضغوط المرتبطة بإدارة الاقتصاد الأميركي، فضلاً عن أولويات داخلية أخرى.
كما أن الإدارة الأميركية تبدو حريصة على تجنب أي تطورات قد تربك أجندتها السياسية خلال الفترة المقبلة.
ثالثاً، كشف تدخل ترامب مرة أخرى طبيعة علاقات القوة الحقيقية بين إسرائيل والولايات المتحدة.
فصحيح أن نتنياهو يمتلك قدرة معينة على التأثير في الرئيس الأميركي، إلا أن هذه القدرة تبقى محدودة عندما تتعارض المطالب الإسرائيلية مع المصالح الاستراتيجية الأميركية الأوسع.
ألحق هذا القرار ضرراً بمكانة نتنياهو السياسية، كما انعكس في ردات الفعل التي برزت في وسائل الإعلام الإسرائيلية وفي مواقف أحزاب المعارضة.
فقد اعتبرت قوى معارضة أن الأحداث الأخيرة أظهرت إسرائيل دولةً تخضع، إلى حدّ كبير، للقرار الأميركي، وأنها فقدت جزءاً من استقلالية قرارها السيادي، ولا سيما في القضايا العسكرية والأمنية، لصالح الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، تحوّلت الحرب على إيران ولبنان، وبدلاً من أن توفر لنتنياهو صور الانتصار التي أراد توظيفها في حملته الانتخابية، إلى مصدر أعباء سياسية وانتخابية متزايدة.
فالتوقعات التي سادت في بداية الحرب بشأن تحقيق إنجازات حاسمة وسريعة لم تتحقق، فيما أخذت التداعيات السياسية والعسكرية للحرب تتراكم على الحكومة.
كما أن العلاقة الوثيقة التي سعى نتنياهو إلى إبرازها مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفها مصدر قوة سياسية ودبلوماسية، قد تتحول هي الأخرى إلى نقطة ضعف وانتقاد في الحملة الانتخابية المقبلة.
فالمعارضة الإسرائيلية باتت تستخدم التدخل الأميركي المتكرر في إدارة الحرب والتصعيد الإقليمي للدلالة على محدودية هامش المناورة الإسرائيلي، وعلى اعتماد الحكومة المتزايد على القرارات الأميركية.
ومن ثم، قد يجد نتنياهو نفسه مضطراً للدفاع عن علاقته بترامب، ليس باعتبارها رصيداً سياسياً، بل في مواجهة اتهامات بأنها كشفت حدود استقلالية القرار الإسرائيلي في القضايا الأمنية والعسكرية.
بذلك، بدل أن توفر الحرب على إيران ولبنان صور انتصار أرادها نتنياهو لحلمته الانتخابية، باتت تشكل عبئاً سياسياً وانتخابياً.
ويبقى من المبكر تقدير الحجم الفعلي للضرر السياسي الذي لحق بنتنياهو، إلا أن استطلاعات الرأي العام الأسبوعية المقبلة ستكون مؤشراً مهماً لقياس مدى تأثير التطورات الأخيرة على المزاج العام الإسرائيلي وموازين القوى السياسية، مع اقتراب موعد الانتخابات.
وستكون هذه الاستطلاعات كفيلة بتوضيح ما إذا كانت الحرب على إيران ولبنان قد عزّزت مكانة نتنياهو السياسية كما كان يأمل، أم أنها تحولت إلى عبء انتخابي جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك