أخطاء جوهرية وبنيويّة تشوب جلوس الطرف اللبناني إلى طاولة التفاوض المباشر مع الكيان الصهيوني، بحضور" الوسيط" الأميركي (ليس وسيطاً محايداً في أيّ حال).
وأوّل هذه الأخطاء دخول السلطة اللبنانية الحالية مفاوضات مصيرية في غياب الوحدة الوطنية واتفاق سائر الأطراف (والمكوّنات) على خطّة التفاوض وثوابته (ومنطلقاته) السيادية والوطنية، في مقابل موقف إسرائيلي موحّد لا انقسامات حادّة فيه، كما هي حال الانقسام العمودي في لبنان، والخلاف العميق بين الأطراف اللبنانية، بشأن التعامل مع العدو التاريخي للبنان وللشعوب العربية بأسرها.
ثمّة أطراف وازنة، من كلّ الطوائف والمناطق والاتجاهات الفكرية والأيديولوجية، تعبّر، منذ زمن بعيد، عن رفضها أيّ اعتراف بالعدوّ الصهيوني وكيانه، وبالتالي، أيّ شكل من التفاوض المباشر معه أمر مرفوض قطعاً، فكيف بفكرة عقد اتفاق سلام أو تطبيع معه؟ فالأمر في عرف هؤلاء من المحرّمات والأفعال الخيانية العظمى.
هوّة عميقة تجعل المفاوض اللبناني، لو أراد النجاح في مهمّته، غير قادر على تقديم رؤية موحّدة أو استراتيجية نابعة من وحدة وطنية صلبة ومتماسكة، على عكس مفاوضي الكيان الذين يتّكئون على وحدة موقف رسمي وشعبي في كيانهم الغاصب.
ثاني الأخطاء الكبيرة الخلط بين التفاوض" الأمني" والبحث في معاهدة" سلام وتطبيع"، ولطالما كان هذا الخلط يتمّ في الثقافة السياسية اللبنانية بين مجرّد التفاوض التقني أو الأمني، والتطبيع السياسي، بسبب وقوع المفاوض اللبناني تحت تأثير الطرف الأميركي الذي يدفع باتجاه إنهاء الصراع دفعةً واحدةً على طريقة مصر والأردن، وتجاوز حالة العداء والرفض" المؤدلج" لدى جهات لبنانية نافذة لأيّ اعتراف بدولة تدعى" إسرائيل"، ولا تزال تعتبر أنّها فلسطين ولا شيء غير ذلك.
ولذلك، فإنّ إزالة عداء كهذا بجرّة قلم أمر مستحيل الحدوث في يقين هؤلاء، وهم للمناسبة كثيرون وواسعو الانتشار ضمن المناطق اللبنانية على اختلاف مذاهبها ومشاربها، ما يجعل بعض القنوات التفاوضية (الممثّلة حالياً، وحصراً، برئاسة الجمهورية) تنجز عملها بسرّية مفرِطة وحساسية داخلية عالية، فلا تستطيع إعلان سياسة تفاوضية ثابتة وواضحة للرأي العام.
أليس من حقّ كلّ مواطن لبناني الاطّلاع على عمل المفاوضين وطروحاتهم المتعلّقة بمستقبل الوطن ومستقبل كلّ فرد؟ثالث الأخطاء الفادحة، القبول بالتفاوض تحت ضغط الأعمال العدوانية والقصف والقتل والتدمير والاغتيالات، فذلك يُضعف قدرة المفاوض اللبناني على المناورة، خصوصاً أنّه يتنصّل من عمل المقاومة، ولا يرتكز عليه بوصفه عامل قوّة وورقة يملكها خلال التفاوض.
كأنّنا إزاء ضحيّة خاسرة، مستسلمة، تفاوض قاتلها من موقع المهزوم والمغلوب على أمره، والمُسلِّم بأنّه خسر كلّ شيء.
فضلاً عن الضغط الاقتصادي والمالي الذي تمارسه الولايات المتحدة على البلد لمزيد من الإخضاع والقبول بما ليس قبوله بالأمر الهيّن أوالبسيط.
لم تنجح الدولة اللبنانية، في أي وقت، في إنشاء لوبي دبلوماسي دولي مستدامرابع الأخطاء المميتة، الاعتماد على وسيط غير نزيه وغير محايد، مثل الولايات المتحدة التي تُعدّ، و" إسرائيل"، جهةً سياسيةً واحدةً في التفاوض، وما من وسيط، في النهاية، موجود إلى طاولة المفاوضات لضبط عملها ومجرياتها.
علماً بأنّ لبنان لم ينجح يوماً في موازنة علاقته بالوسطاء، سواء كانوا أميركيين أم أوروبيين أم عرباً، فيما كانت المدعوّة" إسرائيل" غالباً أقرب سياسياً واستراتيجياً إلى الطرف الأميركي وسواه، ما خلق اختلالاً في ميزان التأثير.
أمّا خامس الأخطاء، المسيئة إلى عملية التفاوض، فهو ربط الملفّات بعضها ببعض على نحو مفرط (الأمن الحدودي والسلاح والأسرى والصراع الإقليمي واللجوء الفلسطيني والترسيم وسوى ذلك) في سلّة تفاوض واحدة، ما يجعل التقدّم في أيّ ملفّ متصلاً بملفّ آخر، فيزداد التعقيد مع مفاوض صهيوني يميل غالباً إلى التفاوض المرحلي والجزئي، مع التركيز على نقطة واحدة، كما يفعل حالياً مع سلاح حزب الله، مثلاً، في التفاوض الجاري في واشنطن.
سادس الأخطاء، وربّما أفدحها، الضعف اللبناني في الاستثمار الدبلوماسي، فعلى الرغم من امتلاك لبنان أوراقاً قانونية قوية، خصوصاً في ملفّات الاحتلال والحدود والانتهاكات، لم تنجح الدولة اللبنانية، في أي وقت، في إنشاء لوبي دبلوماسي دولي مستدام، ولا في توظيف القانون الدولي بقوّة وفاعلية.
فغالباً ما كان التحرّك اللبناني موسمياً أو مرتبطاً بالأزمات.
عدا أنّ الدولة اللبنانية تأخّرت عقوداً في ترسيم الحدود البحرية والبرّية، ولم تحسم الخرائط والإحداثيات، ما أتاح للكيان الإسرائيلي هامشاً واسعاً للمناورة.
ومثالٌ على ذلك الجدال الطويل حول الحدود البحرية وحقول الغاز قبل الوصول إلى اتفاق عام 2022 الذي لم يعطِ نتائج حاسمة حتّى الساعة، ولم يحسم الصراع على الثروة الغازية في الحقول المتداخلة والمتحاذية، عدا عن تآمر الشركة المنقّبة وتواطئها المريب مع أعداء لبنان الذي يُفترض أنّها تنقّب لحسابه ولمصلحته.
لم يكن لدى الدولة اللبنانية، يوماً، تصوّرٌ اقتصادي أو دفاعي سيادي متكامللدينا سابعاً غياب استراتيجية ما بعد التفاوض، فحتّى عندما تحقّقت إنجازات مثل الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000، أو اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022، لم يكن لدى الدولة اللبنانية، يوماً، تصوّرٌ اقتصادي أو دفاعي سيادي متكامل، مبني على تلك النتائج، والخشية أن يحصل ذلك مجدّداً مع كلّ اتفاق جديد يتمّ التوصّل إليه.
يقوم الصراع الحادّ، اليوم، في لبنان بين مجموعتَين كبريَين، مجموعة أولى تنطلق من اعتبارات السيادة والمقاومة والكرامة الوطنية ورفض التفاوض المباشر مع العدو أو أيّ مشاريع سلام أو تطبيع معه، ومجموعة ثانية تحسب نفسها واقعيةً وبراغماتيةً تحت ستار منطق الدولة، ولا ترى حرجاً أو خطأً في توسّل" دبلوماسية التفاوض" لبلوغ أيّ اتفاق يأتي بالنفع للبنان، وإن كان هذا الاتفاق معاهدة سلام وتطبيعاً مع دولة إبادية، يحمل كلُّ شبر من الأرض اللبنانية بصمات عدوانها وجرائمها، منذ ثمانية عقود ملأتها بالموت والمآسي للشعبَين اللبناني والفلسطيني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك