- انتصار دبلوماسي لفيينا يعزز مكانتها الدولية ويضعها أمام اختبارات صعبة في عالم يزداد اضطراباً- الفوز يكرس صعود الدبلوماسية النمساوية ويؤكد أن النفوذ لا يقاس بالحجم وحده.
ويعيد تثبيت فيينا كعاصمة للحياد والوساطة الدوليةفي صيف عام 1978 دوّى في الذاكرة النمساوية ما عُرف بـ" معجزة قرطبة"، عندما هزم المنتخب النمساوي نظيره الألماني في كأس العالم بمدينة قرطبة الأرجنتينية (3-2) في واحدة من أكثر المباريات رسوخاً في الوجدان الوطني للبلاد.
وبعد ثمانية وأربعين عاماً، وجدت صحيفة" كرونن تسايتونج" النمساوية نفسها تستعيد العبارة ذاتها، ولكن خارج ملاعب كرة القدم هذه المرة.
" قرطبة ثانية للنمسا"، هكذا وصفت فوز فيينا بمقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي للفترة 2027-2028، متقدمة على جارتها الكبرى ألمانيا، التي خرجت من السباق بخسارة ثقيلة وغير متوقعة.
ربما لم يكن أحد في نيويورك يوم الثلاثاء يتوقع أن تكون النتيجة بهذه الوضوح.
فقد حصلت البرتغال على 134 صوتاً، والنمسا على 131 صوتاً، بينما اكتفت ألمانيا بـ104 أصوات فقط، رغم ثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها باعتبارها أكبر اقتصاد أوروبي وثاني أكبر مساهم مالي في الأمم المتحدة بعد الولايات المتحدة.
النتيجة لم تكن مجرد خسارة انتخابية ألمانية، بل شكلت حدثاً سياسياً ودبلوماسياً لافتاً داخل المنظمة الدولية، لأن برلين كانت تعدّ نفسها بصورة شبه دائمة أحد المرشحين الطبيعيين للمقاعد الأوروبية في مجلس الأمن، كما أنها لا تخفي منذ سنوات طموحها بالحصول على عضوية دائمة في المجلس ضمن أي إصلاح محتمل للأمم المتحدة.
لكن ما حدث في قاعة الجمعية العامة أظهر أن النفوذ الدولي لا يُقاس دائماً بحجم الاقتصاد أو عدد السكان؛ فالنمسا التي لا يتجاوز عدد سكانها عشرة ملايين نسمة نجحت في إقناع أغلبية واسعة من الدول الأعضاء بأنها تستحق المقعد أكثر من ألمانيا.
وراء هذا النجاح تقف حملة دبلوماسية طويلة بدأت مبكراً عام 2011، أي قبل خمسة عشر عاماً من موعد التصويت.
وخلال هذه السنوات بنت فيينا شبكة واسعة من الاتصالات السياسية داخل الأمم المتحدة، خصوصاً مع الدول الصغيرة والمتوسطة التي تشكل الأغلبية الساحقة داخل الجمعية العامة.
وتؤكد مصادر دبلوماسية في فيينا أن النمسا استفادت من عاملين أساسيين.
الأول هو الدخول المبكر إلى السباق، مقابل دخول ألماني متأخر نسبياً عام 2019.
أما العامل الثاني فهو صورة النمسا التقليدية بوصفها دولة محايدة وقادرة على الحوار مع مختلف الأطراف في عالم يزداد استقطاباً يوماً بعد يوم.
وفي هذا السياق برز الدور الشخصي لوزيرة الخارجية الشابة بياته ماينل-رايزينجر، التي تحولت خلال الأشهر الماضية إلى رأس حربة الحملة النمساوية.
فقد جابت عواصم وقارات عدة، وأجرت عشرات اللقاءات الثنائية، وقادت بنفسها جهود حشد الأصوات داخل الأمم المتحدة.
ولم تكن وحدها في هذه المهمة.
فقد انخرط الرئيس النمساوي ألكسندر فان دير بيلين والمستشار كريستيان شتوكر بشكل مباشر في الترويج للترشيح النمساوي.
وكان لافتاً أن الثلاثة حضروا اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال سبتمبر الماضي، في إشارة واضحة إلى أن فيينا تنظر إلى المقعد باعتباره أولوية استراتيجية للدولة، وليس مجرد هدف دبلوماسي عابر.
• عودة إلى مركز القرار الدوليبالنسبة للنمسا، يمثل الفوز أكثر من مجرد حضور في جلسات مجلس الأمن.
إنه عودة إلى مركز صناعة القرار الدولي؛ ففيينا تستضيف أحد أهم المراكز الأممية في العالم بعد نيويورك.
ومنها تعمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، ومنظمة التنمية الصناعية، وعشرات المؤسسات الدولية الأخرى.
لكن وجود هذه المؤسسات على الأراضي النمساوية لا يعني تلقائياً امتلاك تأثير سياسي مباشر داخل مجلس الأمن، الهيئة الأكثر نفوذاً في النظام الدولي.
ومن هنا تنظر الحكومة النمساوية إلى المقعد الجديد باعتباره فرصة لإعادة تثبيت دور البلاد كقوة دبلوماسية متوسطة قادرة على الوساطة وبناء الجسور، مستفيدة من تقليد الحياد الذي شكّل جزءاً من هويتها السياسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
غير أن الفوز يحمل في طياته أيضاً أعباء كبيرة؛ فالعالم الذي ستدخل إليه النمسا عام 2027 أكثر اضطراباً بكثير من العالم الذي شغلت فيه آخر مقاعدها في المجلس عام 2009.
الحرب في أوكرانيا، والتوتر بين الولايات المتحدة والصين، والأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط، ومستقبل النظام الدولي نفسه، كلها ملفات ستجد فيينا نفسها مضطرة إلى التعامل معها من الصف الأول.
وسيكون الملف الشرق أوسطي تحديداً من أكثر الاختبارات حساسية؛ فالنمسا تُعد تقليدياً من أكثر الدول الأوروبية تفهماً للمواقف الإسرائيلية، لكنها في الوقت ذاته ترفع لواء القانون الدولي والعمل متعدد الأطراف.
وبين هذين الاعتبارين ستجد نفسها أمام قرارات معقدة داخل مجلس الأمن، خصوصاً في القضايا المرتبطة بغزة ولبنان والاستيطان والحرب الإقليمية المتواصلة.
ولهذا لا ينظر كثيرون في فيينا إلى الفوز باعتباره نهاية معركة، بل بداية مرحلة أكثر صعوبة؛ فالحصول على المقعد كان اختباراً للنفوذ الدبلوماسي النمساوي، أما الحفاظ على صورة النمسا كدولة محايدة وموثوقة داخل المجلس فسيكون الاختبار الحقيقي.
ومع ذلك، فإن الرسالة التي خرجت من نيويورك هذا الأسبوع بدت واضحة.
في زمن تتحدث فيه الدول الكبرى بلغة القوة، نجحت دولة صغيرة نسبياً في أن تفرض حضورها عبر الدبلوماسية والصبر وبناء الثقة، ولهذا ربما لم تكن" قرطبة الثانية" مجرد عنوان صحفي طريف، بل وصفاً دقيقاً لانتصار سياسي أعاد النمسا إلى الطاولة التي تُصنع حولها القرارات الكبرى في العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك