تشهد مقديشو مواجهات عنيفة في مناطق متفرقة، منذ أمس الأربعاء، بين الشرطة الصومالية ومسلحين موالين لكل من الرئيس الصومالي الأسبق شريف شيخ أحمد (2009-2012)، ورئيس الحكومة الأسبق حسن علي خيري (2017-2021)، ما أدى إلى مقتل مدني على الأقل وإصابة خمسة آخرين بجروح متفاوتة، ونزوح المئات من السكان في مديرية هولوداغ، وسط العاصمة.
وجاءت مواجهات مقديشو بعدما انتقل حسن علي خيري إلى وسط مقديشو والرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد إلى شرق المدينة، ما فسرته الحكومة الفيدرالية بأنه تكتيك قتالي لزعزعة أمن العاصمة وضرب استقرارها الأمني.
ودانت الحكومة الفيدرالية في بيان، أمس الأربعاء، مواجهات مقديشو التي وصفتها بـ" المؤسفة"، متهمة مجموعات مسلحة ملثمة بالوقوف وراء الهجوم.
وقالت الحكومة في البيان إن المواجهات نُظّمت بتحريض من رئيس الوزراء الأسبق حسن علي خيري، وإن مسلحين مزودين بأسلحة ثقيلة استهدفوا بشكل مباشر موقعاً تابعاً لقوات الشرطة في مركز مديرية هولوداغ، وأشارت إلى أن تلك المجموعات جرى حشدها ونقلها إلى المنطقة، ليل الثلاثاء - الأربعاء الماضي، مضيفة أن الاشتباكات طاولت أحياء سكنية تعرّضت لقصف بالأسلحة الثقيلة التي كانت بحوزة المهاجمين، ما أثار مخاوف بشأن سلامة المدنيين في المنطقة.
وأكدت الحكومة أنها لن تتهاون مع أي محاولات من شأنها تقويض أمن مقديشو أو عرقلة مهام الأجهزة الأمنية أو نشر الفوضى والاضطرابات.
كما أعلنت السلطات الأمنية بدء تحقيق رسمي في الحادثة، بهدف تحديد المسؤولين عنها واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تورطه.
تحميل الرئيس الصومالي المسؤوليةفي هذا السياق، اتهم خيري الرئيس الصومالي الحالي حسن شيخ محمود بالوقوف وراء الهجوم على منزله في مديرية هولوداغ، واصفاً الهجوم بأنه يعد استهدافاً شخصياً له.
وقال خيري، في تدوينة على حسابه في" فيسبوك"، أمس الأربعاء، إنّ الهجوم وقع أثناء اجتماعه مع زعماء عشائريين وشيوخ من عشيرة موروسادي التي ينتمي إليها، مضيفاً: " كنا في اجتماع مع أوغاس عشيرة موروسادي وشيوخها عندما تعرضنا لهجوم من قبل الشرطة".
وحمّل خيري الرئيس الصومالي المسؤولية عن أي خسائر نجمت عن الواقعة، معتبراً أن الهجوم استهدفهم بينما كانوا يستعدون لتنظيم تظاهرة سلمية ضد" تمديد" الرئيس الصومالي ولايته.
يُذكر أن ولاية الرئيس الصومالي انتهت في 15 مايو/ أيار الماضي، لكنها مُددت عاماً إضافياً واحداً في التعديلات الدستورية الأخيرة، في مارس/ آذار الماضي، إذ أصبحت خمس سنوات بدلاً من أربع.
كما تأجلت الانتخابات البرلمانية عاماً واحداً، إذ انتهت ولاية البرلمان الفيدرالي في 14 إبريل/ نيسان الماضي.
حمّل شريف شيخ أحمد الرئيس الصومالي مسؤولية مهاجمة منزلهوفي هذا السياق، شهد محيط منزل خيري مواجهات عنيفة، صباح اليوم الخميس، قبل توقفها بعد وساطة من أعضاء في الحكومة الفيدرالية وزعماء عشائر محليين، أدت إلى نقل خيري إلى مكان آخر بغية تهدئة الوضع الأمني في مقديشو.
في موازاة ذلك، تتواصل المواجهات العنيفة شرقي العاصمة، حيث تدور الاشتباكات في ناحية عبد العزيز، حيث يتحصن رئيس الصومال الأسبق شريف شيخ أحمد في أحد المنازل.
وتحاول الشرطة الصومالية فرض طوق أمني على محيط منزل شيخ أحمد، تمهيداً لنقله إلى مكان آخر في مقديشو.
وقال الرئيس الصومالي الأسبق شريف شيخ أحمد، في تصريح صحافي لوسائل الإعلام المحلية، إنّ" الرئيس المنتهية ولايته حسن شيخ محمود" هاجم منزله، متوعدّاً بأنه يواصل القتال ضد مهاجميه" حتى آخر رصاصة"، رافضاً الخضوع لمطالب الرئيس حسن شيخ محمود بالانتقال إلى منزل آخر في مقديشو.
في هذه الأثناء، قالت السفارة الأميركية في مقديشو إنّ العنف المتصاعد في المدينة" عملٌ طائش ويتحمّل القادة الصوماليون من جميع الأطراف مسؤولية الحفاظ على الاستقرار وحل الخلافات بالوسائل السلمية"، مضيفة في بيان أنه" قد تكون للإجراءات المتخذة في الساعات والأيام المقبلة عواقب وخيمة على أمن الصومال ووحدته ومستقبله".
وتتزامن هذه المواجهات المسلحة مع ترقب تظاهرات حاشدة في مقديشو ضد الحكومة الفيدرالية، اليوم الخميس، حيث خصصت بلدية مقديشو ثلاث مناطق للاحتجاج السلمي، لكن الأحداث تطورت إلى مواجهات مسلحة بين حرس موالين لكل من خيري وشيخ أحمد.
في هذا الصدد، قال الأكاديمي والصحافي الصومالي أويس حسين، لـ" العربي الجديد"، إنّ المواجهات التي شهدتها مقديشو تتجاوز كونها حادثاً أمنياً عابراً، لتكشف في دلالاتها عن هشاشة المشهد السياسي والأمني في البلاد، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالملف الانتخابي والخلافات بين القوى السياسية.
أويس حسين: قد تؤدي الانقسامات السياسية إلى انعكاسات داخل المؤسسات العسكرية والأمنيةوأضاف أن أبرز أبعاد مواجهات مقديشو يتمثل في تأثيرها المباشر على أمن العاصمة، إذ تعيد إلى الواجهة مخاوف السكان من عودة مظاهر الاضطراب المسلح إلى مدينة ظلت لسنوات تسعى لاستعادة الاستقرار بعد عقود من النزاع.
كما اعتبر حسين أنّ وقوع اشتباكات داخل أحياء أو نقاط أمنية، يبعث برسائل مقلقة بشأن قدرة المؤسسات الرسمية على احتواء الخلافات ومنع تحولها إلى مواجهات مفتوحة.
وفي رأي حسين، فإن هذه التطورات تحمل أيضاً دلالات مرتبطة بتماسك الأجهزة الأمنية، إذ قد تؤدي الانقسامات السياسية إلى انعكاسات داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، خصوصاً في بلد لا تزال فيه بعض الولاءات العشائرية والسياسية تلعب دوراً مؤثراً في بنية هذه الأجهزة، ومن شأن أي تصدع داخلي أن يضعف قدرة الدولة على مواجهة التحديات الأمنية الكبرى، وعلى رأسها تهديدات حركة الشباب.
ولفت إلى أنّ مواجهات مقديشو تعكس عمق الاستقطاب بين الأطراف المتنافسة، وتؤشر إلى أزمة ثقة متفاقمة بشأن إدارة المرحلة السياسية، بما في ذلك الخلافات حول الانتخابات وتوزيع السلطة، مضيفاً أنها قد تفتح المجال أمام اصطفافات جديدة أو تصعيد سياسي ينعكس على استقرار المؤسسات.
ويفاقم تجدد العنف في مقديشو، وفق حسين، المخاوف الشعبية من الانزلاق نحو دورات جديدة من عدم الاستقرار، ويؤثر على الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات أمنية وإنسانية معقدة، وخلص إلى أن احتواء تداعيات هذه المواجهات يتطلب مساراً سياسياً يخفف حدة التوتر، إلى جانب الحفاظ على حياد المؤسسات الأمنية ومنع زجّها في التجاذبات السياسية، تفادياً لتحوّل الأزمة إلى تهديد أوسع لاستقرار مقديشو.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك