الشيخ اليمني محمّد بن إسماعيل العمرانيّ العالِم المربي والقاضي المصلحيمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة عميقة، من نظام الإمامة إلى الجمهوريّة، ومن الاستقرار النسبيّ إلى الصراعات المعاصرة، لكنّه ظلّ ثابتاً في موقعه العلميّ بوصفه مفتياً، وقاضياً ومربّياً، ومصدر ثقة لشرائح واسعة من المجتمع اليمنيّ.
وعن تجربتي معه: بقي شقيقي أسامة معي في طلب العلم، وقبل مغادرة ليبيا رأى رؤية مناميّة للإمام الحافظ ابن حجر العسقلانيّ - رحمه الله - وقد جعلها ربّي حقّاً، فقد أخذ الله بيده، وذلّل له أسباب طلب العلم والمعرفة، وله قصّة جميلة في اليمن فقد اندمج في المجتمع اليمني وأتقن لهجتهم، وتوثّقت روابطه الأخويّة بهم، وهو ممّن طلب العلم على شيوخ وعلماء اليمن، ولازم الشيخ القاضي محمّد إسماعيل العمرانيّ - رحمه الله - سنوات عديدة.
وفي بداية جلوسه في حلقات الشيخ العمرانيّ عرّف نفسه بأنّه مهاجر من سوريا، وكان شكله ولونه قريباً من السوريّين، وحدث له صراع نفسيّ، فالشيخ يعامله على أنّه سوريّ، واستشارني هل أخبر الشيخ بقصّتي وأنّي من ليبيا أم ماذا أفعل فأنا غير مرتاح، فشجّعته على أن يقصّ على الشيخ قصّته، فتأثّر الشيخ العمرانيّ من قصّته، وكان لسان حاله ومقاله: ﴿لَا تَخَف نَجَوتَ مِنَ ٱلقَومِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [القصص: 25].
وكان الشيخ العمراني نعم السند لأخي أسامة وهو شيخه الأوّل، وخصوصاً في أصول الفتوى والتصدّي لها، وهو يحفظ عن الشيخ الكثير من الفتاوى التي اطّلع عليها أو سمعها من الشيخ.
أوّلاّ: اسمه ونسبه: هو القاضي العلّامة الفقيه الحديث الزاهد أبو عبد الرحمن محمّد بن إسماعيل بن محمّد بن محمّد بن عليّ بن حسين بن صالح بن شايع العَمرانيّ الصنعانيّ.
ويُنسب إلى قبيلة العمران شمال صنعاء، رغم أنّه وُلد ونشأ وتربّى في صنعاء، وصار يُعرف في اليمن باسم (العمرانيّ) نسبة إلى أسرته الأصليّة من عمران.
ثانياً: مولده ونشأته: وُلد في مدينة صنعاء يوم الإثنين 12 ربيع أوّل سنة 1340هـ، الموافق 12/ 11/ 1921م.
نشأ القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ في بيت علم اشتهر باتّباع السنّة وحبّ الحديث، وقد نشأ يتيماً حيث توفّي والده وعمره أربع سنوات، وتولّت والدته تربيته وتعليمه، وقد بدأ طلبه للعلم في الكتاتيب التي كانت بمثابة المدارس التمهيديّة والابتدائيّة، وأخذ على ذلك شهادة من مدرسة الفليحي سنة1351هـ، وظلّ محتفظاً بها، ثمّ التحق بمدرسة الإصلاح التي كانت أعلى درجة من مدرسة الفليحي.
وأسرته أسرة عريقة في العلم ضاربة جذورها في الفضل والصلاح والقضاء، وأجداده قد ساهموا في نشر العلم واجتهدوا في ذلك تعليماً وإرشاداً وتأليفاً، وجدّه القاضي العلّامة محمّد بن عليّ العمرانيّ، كان من أبرز تلاميذ شيخ الإسلام القاضي العلّامة محمّد بن علي الشوكانيّ.
ثالثاً: مسيرته في القضاء والتدريس: عايش الشيخ العمرانيّ مختلف مراحل تاريخ اليمن الحديث، ويمكن اعتباره ذاكرة اليمن، فإلى جانب معرفته الدقيقة بالشريعة، فقد خصّص أكثر وقته للتدريس، فبدأ حلقاته التعليميّة منذ العام 1942م، وواصل مجلسه العلميّ الذي انقطع أوّل مرة لمدّة ستّ سنوات، وتولّى مناصب متعدّدة في القضاء، كما تولّى ديوان رفع المظالم في رئاسة الجمهوريّة اليمنيّة، ولكنّه رفض تولّي منصب حاكم صنعاء سنة 1962، بعد أن عيّنه الضبّاط الثوّار في ذلك المنصب الرفيع.
حاول فضيلة القاضي العلّامة محمّد بن إسماعيل العمرانيّ - رحمه الله - نشر العلم وتوعية المجتمع بكلّ الوسائل التي أُتيحت له، واهتمّ اهتماماً كبيراً بالجانب الفقهيّ ومتطلّباته، ويمكن أن نجمل إسهاماته التعليميّة في حقل الدعوة بالنقاط التالية: 1- التدريس في المؤسّسات العلمية الآتية: - المدرسة العلميّة التي أنشأها الإمام يحيى بن حميد الدين، 1344هـ.
- المعهد العالي للقضاء.
- جامعة صنعاء.
- جامعة الإيمان.
2- فتح الحلقات العلميّة، ومنها: - حلقة مسجد الفليحي: واستمرّ يدرّس في هذا المسجد مدّة طويلة.
- حلقة مسجد الزبيريّ: ولا تزال هذه الحلقة العلميّة قائمة حتّى كتابة هذه الترجمة.
وقد درّس فضيلة القاضي في هذه الحلقات أمّهات كتب الحديث النبويّ الشريف، وكتب الفقه الإسلاميّ، ففي الحديث درّس كتابي البخاريّ، ومسلم، وسنن أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجة، والترمذيّ، وموطّأ مالك، وغيرها من كتب الحديث، كما أنّه قد درّس الكثير من كتب الآلة، ومن كتب اللغة العربيّة نحواً وصرفاً وبلاغة، وكتب أصول الفقه، ومصطلح الحديث، كما قام بتدريس كتاب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) لطلّاب جامعة الإيمان، ولطلّاب حلقته العلميّة في جامع الزبيريّ، وهو من كتب الفقه المقارن.
3- الإفتاء: تصدّر فضيلة القاضي العلّامة محمّد بن إسماعيل العمرانيّ - حفظه الله - للإفتاء في سنّ مبكّرة، وقد كان محلّ ثقة لدى المجتمع بمختلف فئاته وشرائحه منذ بزغ نجمه بين العلماء، وتكاد الفتوى في الديار اليمنيّة أن تكون مقصورة عليه، وقد شارك في فتاوى إذاعة صنعاء منذ نشأتها بعد قيام الثورة اليمنيّة سنة 1962م لسنوات سبع، وقد تميّزت فتاواه على فتاوى غيره من المفتين بالاستقلاليّة عن التقيّد بمذهب معيّن، لأنّه يفتي في المسألة مبيّناً أقوال أهل العلم فيها موضّحاً ترجيحه من بين الأقوال دون تعصّب لأي مذهب، وهذا المنهج في الفتوى جعل فتاواه محلّ رضى وقبول من الجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك