محمود السنكري يكتب: الرماد البارد لا يمنح الدفء لأحد️هناك أشياء في الحياة تُشبه الرماد…شكلها يوحي بأنها كانت نارا يومًا ما لكنها الآن مجرد بقايا مُطفأة لا حرارة فيها ولا حياة ولا قدرة على إنقاذ أحد من برد الروح.
والإنسان في كثير من مراحله يقع في وهم الرماد يظن أن ما تبقى من الاحتراق قادر على أن يُعيد إليه دفء البداية، بينما الحقيقة القاسية تقول: أن النار حين تموت لا يعود منها سوى الغبار،كم من العلاقات تستمر فقط لأن أصحابها يخافون الاعتراف بالموت وكم من القلوب تجلس أمام أطلال المشاعر تمد أيديها نحو برودة قاتلة وتنتظر دفئًا لن يأتي، وبعض البشر يتحولون مع الوقت إلى رماد بارد.
وجوه تتحرك وأصوات تتكلم وابتسامات تُجيد التمثيل لكن أرواحهم انطفأت منذ زمن بعيد.
المأساة ليست في انطفاء النار…بل في الإصرار على احتضان الرماد وللأسف أننا نعيش في زمن يُجيد فيه الجميع ارتداء هيئة المشاعر بينما المشاعر نفسها غائبة والمخزي أكثر أنه زمن أصبحت فيه الكلمات أكثر دفئًا من أصحابها والرسائل أكثر صدقًا من اللقاءات والصمت أحيانًا أرحم من الحديث.
أصبح الإنسان يُرهق نفسه في البحث عن حياة داخل أشياء ماتت وعن وفاء داخل قلوب استبدلت النقاء بالمصلحة وعن نور داخل أرواح اعتادت العتمة حتى صارت جزءًا منها.
الرماد البارد لا يؤذيك لأنه شرير… بل لأنه عاجز…العاجز عن الحب وعن الاحتواء وعن الصدق وعن منح الطمأنينة والمشكلة أن العجز العاطفي أخطر من القسوة نفسها؛ لأن القاسي واضح أما البارد فيمنحك وهم الأمل ثم يتركك تموت ببطء.
هناك بشر يشبهون الشتاء الطويل.
لا يقتلونك دفعة واحدة لكنهم يسحبون من روحك الحرارة تدريجيًا حتى تصبح أنت أيضًا رمادًا لا يشعر بشيء ولهذا كان الهروب من البرود النفسي نجاة لا قسوة فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يشعل النار داخله بل يحتاج أولًا إلى من لا يُطفئها.
أصعب ما يواجهه المرء ليس الخيانة بل الفتور، لأن الخيانة انفجار مؤلم ينتهي أما الفتور فهو موت بطيء بلا صوت.
أن تشعر أنك تتحدث ولا أحد يصغي وتحب ولا أحد يشعر تنهار ولا أحد يلاحظ… تلك هي الجريمة الصامتة التي يرتكبها الرماد البارد بحق القلوب الحية.
إن الحياة لا تبنى بأنصاف المشاعر ولا بالأرواح المُرهقة التي فقدت قدرتها على العطاء فالشجرة اليابسة لا تُثمر مهما سقيناها والليل لا يتحول فجرًا بمجرد التمني والرماد… لا يصبح نارًا لأنه يتذكر الماضي.
بعض الناس يعيشون أسرى الذكريات يقدسون البدايات القديمة ويتمسكون بصورة شخص لم يعد موجودًا أصلًا، لكن الحقيقة المؤلمة أن الإنسان يتغير وقد يتحول الحبيب ذاته إلى غريب لا يعرف كيف يمنحك الأمان الذي كنت تجده فيه يومًا.
وهنا تكون الحكمة المؤلمة: أن تُدرك متى انتهت النار قبل أن تحترق وأنت تُحاول تدفئة نفسك بالرماد.
لا تبحث عن الحياة في الأماكن الميتة ولا تُهدر قلبك في استجداء شعورٍ من روحٍ باردة، فبعض الأبواب حين تُغلق لا ينبغي طرقها مجددًا وبعض الأرواح حين تنطفئ لا يُعيدها الحنين.
إن أكثر الناس نضجًا ليسوا أولئك الذين عاشوا الحب بل الذين فهموا حدوده وعرفوا متى ينسحبون بصمتٍ يحفظ ما تبقى من كرامتهم، فالكرامة آخر نارٍ يجب ألا تنطفئ داخل الإنسان.
تذكّر دائمًا أن الرماد البارد قد يحمل شكل النار لكنه لا يحمل روحها.
ومن فقد حرارة الروح لن يستطيع أن يمنح أحدًا دفئًا مهما حاول التظاهر بأنه ما زال مشتعلًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك