تميّزت رسالة البابا لاوون الرابع عشر بشأن القضايا الأخلاقية المتعلّقة بالتطوّر المتسارع للذكاء الاصطناعي بالصفة العالمية، في منشور بابوي للكنيسة الكاثوليكية" الإنسانية العظيمة" يتعلّق بـ" حماية الشخص البشري" من تحدّيات الثورة التكنولوجية، ومن خطر التحوّل الجذري أو الاختفاء في عالم غارق بالفعل في كمّ الأعمال المكرّسة للذكاء الاصطناعي، في محاولة لتجنّب المأزق المزدوج للتقنية الساذجة والتشاؤم المستنير.
ويتناول نصّ الرسالة (حوالى 42 ألف كلمة، بطول رواية قصيرة) قضايا عديدة، ربّما أكثر من اللازم.
ويذكّر ببديهيات مهملة، مثل حقيقة أنّ الثورة التكنولوجية تتّخذ اليوم وجهاً غير مسبوق يصعب تنظيمه وتوجيهه نحو الخير العام، ولا سيّما في مجال الحرب، وفي ظهور سياسات فرعية منافسة للدول، ما يصيب العالم بحالة من الذهول السياسي.
يشدّد البابا على أهمّية الصحافة الاستقصائية، والصحافة متعدّدة الأطراف، والمسألة الاجتماعية، وظروف العمّال، وعبادة الربح التي تضحّي بالأضعف.
ويحذّر من نزع سلاح المجتمعات في مواجهة الذكاء الاصطناعي، فيما يعتذر عن تأخّر البابوية في إدانة العبودية وحسم الجدل الاقتصادي من مسألتي الليبرالية والاشتراكية، وتحديد أفق أخلاقي أُطلق قبل 150 عاماً، حين وضع لاوون الثالث عشر الأسس للعقيدة الاجتماعية للكنيسة الكاثوليكية في رسالة" الأشياء الجديدة"، وهي تأمّلات تهدف إلى تقديم دليل للمسيحيين في مواجهة الثورة الصناعية التي كانت جاريةً في ذلك الوقت، ويحاول اليوم تمديده ليشمل الذكاء الاصطناعي وخطر تلاشي كرامة الفرد بفتنة حداثة غامرة.
ليس النص ساذجاً بلغته البسيطة، ويكرّس أولويات الحقيقة في مواجهة التضليل، وكرامة العمل، وحماية الحرّية من أيّ تبعية أو تسليع، ويقدّم للعالم، بعيداً من رهاب التكنولوجيا، تأمّلات في ثورة صناعية وإدراكية أوسع نطاقاً تتعلّق بجميع جوانب الوجود البشري، وتطرح تحدّياً أنثروبولوجياً للبشرية جمعاء، ولا سيّما رغبتها في تقييد الأسلحة التي يُتحكَّم فيها بواسطة نماذجها، ومنع ذلك النوع من القتل الذي لا يتدخّل فيه البشر.
فمسألة الأسلحة التي يديرها الذكاء الاصطناعي أحد الاهتمامات العديدة، الأخلاقية والاقتصادية والروحية، التي يثيرها البابا ضدّ منطق الهيمنة والسلطة والاستهتار بكلّ شيء.
فيدعو إلى" نزع سلاح" الذكاء الاصطناعي، وتحريره من سباق التسلح، الذي لم يعد عسكرياً فحسب، بل أصبح أيضاً اقتصادياً ومعرفياً، ومنعه من السيطرة على الإنسان، من دون التخلّي عن التكنولوجيا تماماً، لكن عبر حمايتها بتدابير تشريعية، في غياب مركزي فاضح لدور الدولة التنظيمي والحكومات، ما يعزّز عجز الديمقراطيات (بالكاد تذكر الدولة في الرسالة في مقابل الهيئات الوسيطة، والعالم التعليمي، والجمعيات، والمجتمع المدني)، فالعالم الذي يتشكّل لم بعد يأتي من الأعلى، من منتخبين أوتوقراطيين تجاوزهم الواقع الذي يتحرّك بسرعة.
الثورة التكنولوجية تتّخذ اليوم وجهاً غير مسبوق يصعب تنظيمه وتوجيهه نحو الخير العام، ولا سيّما في مجال الحربمع ذلك، الهدف الأساس من الرسالة/ الوثيقة تحدّي التطوير غير المنظّم للذكاء الاصطناعي وازدواجية هذه التقنية.
لكنّها لا تقدّم حلولاً سحرية، بل مساراً لحماية الشخص البشري الذي تقرّر التقنيات وما بعد الإنسانية اختزاله في البيانات.
يرفض البابا التبسيط المتمثّل بـ" التقنية الساذجة" (أي التفاؤل المفرط بالتقنية) أو" التقنية الرافضة" (التشاؤم).
ويشدّد على عدم حيادية التكنولوجيا.
إنّه يطرح قضية سياسية، ويدعو إلى تطوير أنظمة تخدم المصلحة العام بدلاً من أن تكون تحت سيطرة الشركات الكُبرى.
ربّما لم يركّز النصّ بما يكفي على وجود بدائل تكنولوجية أخرى أقلّ هيمنة، مثل برمجيات" تورنسول" (للتوصيلات) أو منصّات الديمقراطية التشاركية مثل" بوليس".
ومع ذلك، يحمل النصّ معنىً جوهرياً، لأنّه يدعو إلى الواقعية بحضّ الباحثين والإعلاميين والتربويين على مواجهة التحدّيات التكنولوجية.
من جهة أخرى، يرفض البابا في رسالته إقصاء الإيمان إلى المجال الخاصّ، ويدعو إلى كنيسة متواضعة ومرئية مع التركيز على مكانة الكنيسة الكاثوليكية في العالم الحديث، وعلى تعاملها مع التغيرات الجذرية.
في القرن التاسع عشر، دان الباباوات" أخطاء الحداثة"، ولكن في القرن العشرين، بدأ الموقف يتغيّر إلى" برج بابل" (الكتاب المُقدَّس) في سباق الهيمنة والغطرسة، وجشع الأشياء وضغوط الأيديولوجيات الجديدة.
و" بابل"، رمز شرّ لمن يعتقدون أنّهم مكتفون ذاتياً ومتفوّقون، الوصفة الرابحة للابتكار في توحيد البشرية بشكل قسري تحت سلطة تؤدّي إلى استغلال الموارد وتهميش البشر.
لذا، يدعو إلى إعادة التفكير في الاستقلالية البشرية، وفي بناء المدينة التي تولَد بفضل المسؤولية المشتركة للشعب.
فالحداثة التي تفرط في تقديس التقدّم يجب أن تتوقّف أمام حدود معيّنة (سبق أن طالب بها المسؤولون في الاتحاد الأوروبي الذين كافحوا لفرض قوانين على تكنولوجيا" غامضة ومزعجة للغاية"، لا يفهمها المطوّرون إلا جزئياً).
لكن الرسالة تتجاوز مجرّد المطالبة بالتنظيم الفعّال إلى دحض وجهة نظر حول مصير الإنسانية التي يقرّرها وادي السيليكون.
توحي رسالة البابا بأنّ الواقع اللاهوتي لم يعد وحده يثير اهتمام الفاتيكانإلى جانب مخاطر الذكاء الاصطناعي في المجال الاقتصادي ومنطق احتكار الإنتاج وعدم التوزيع، يتناول البابا موضوع الحرب بالتفصيل، ولم يبخل في انتقاد سياسة الولايات المتحدة الحربية، ولا الحرب التي شنّتها مع إسرائيل على إيران، في دعواته إلى السلام وإدانته التبرير الديني للصراعات، ما دفع دونالد ترامب إلى مهاجمة البابا عبر" تروث سوشيال"، واصفاً إيّاه بأنّه" ضعيف أمام الجريمة".
ردّاً على هذا، صرّح البابا، في الطائرة التي كانت تقلّه إلى أفريقيا: " لا أخشى إدارة ترامب، ولا أخشى إعلان رسالة الإنجيل"، وأعلن أنّ مفهوم" الحرب العادلة"، الذي استخدمه أخيراً نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس لتبرير الهجوم على إيران" قديم".
وكان البابا قد أعرب عن أسفه على الدمار الذي لحق بغزّة على يد الدولة العبرية، أو في لبنان بعد دخول حزب الله الحرب دعماً لإيران.
ربطاً بهذا السياق وباستخدام الذكاء الاصطناعي، يرى البابا أنّ" من غير المقبول تفويض قرارات قاتلة لأنظمة اصطناعية"، بل يجب أن يظلّ القرار تحت سيطرة بشرية فعّالة وواعية ومسؤولة تحدّ من سباق التسلّح التكنولوجي، وتضمن حمايةً خاصّةً للمدنيين وللبنى التحتية الأساسية.
يبدو أنّ هذه الرسالة تريد أن تقول إنّ الواقع اللاهوتي لم يعد وحده يثير اهتمام الفاتيكان، فالكنيسة ليست خارج العالم، بل يجب أن تهتم بالمسائل الصناعية وتواجه اضطرابات العالم، وترغب في أن تكون بمثابة بوصلة لإنسانية غارقة في تسلسل سريع للأحداث، وصعود نموذج تكنوقراطي يرضي رؤساء الدول الطموحين والمستثمرين المغامرين في نظرة غير عقلانية قاتلة تهيمن على تصوّر الإنسان، على حساب المفاهيم الأساسية في التنمية البشرية والتوازنات الأنثروبولوجية في رؤيا القديس توما الأكويني.
لذلك، الرسالة نداء للعمل السياسي والديمقراطي، مع الحفاظ على التوازن بين التكنولوجيا وحقوق الإنسان.
لم يقرّر لاوون الرابع عشر أن يكون نصّه" رسالة بابوية برنامجية"، لا يحدّد أجندة الحبرية الجديدة، على عكس الرسائل البابوية الأولى لبيوس الثاني عشر أو بولس السادس.
كذلك فإنّه لا يرسم الأسس اللاهوتية، كما كان الحال في عهد يوحنّا بولس الثاني.
بدلاً من ذلك، تؤكّد رسالته حقّ الكنيسة وواجبها في مواجهة تحدّيات عصرها، فيجعل من الحقيقة مبدأً أساسياً للديمقراطيات بإعلانه أنّ عالماً آخر يمكن بناؤه انطلاقاً من الشخص البشري في رغباته ومخاوفه وحدوده، حتّى لو لم يقدّم وصفةً لذلك، لكنّه تحذير حقيقي من التمرّد البشري، أو حكم أقلّية صغيرة من البشر تريد التحكّم في العالم من أجل مُتعها الخاصّة في تدمير كلّ شيء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك