كانت الجمعة عيداً بغير هلال، طقساً مقدساً لا يحتاج إلى أجندة أو تذكير، تلتقي فيه الوشوش قبل القلوب، وتذوب فيه هموم الأسبوع مع أول رشفة من صينية الشاي الخمسينة.
من أقاصي الصعيد الجواني ومصاطبه الدافئة، مروراً بأطيان الدلتا وبلاد بحري، وصولاً إلى أزقة الحواري الشعبية في القاهرة والجيزة، كانت الجمعة تعني شيئاً واحداً: " اللمة".
تبدأ الحكاية برائحة الخبز الطازج التي تشق عنان السماء، وصوت صواني الشاي التي تدور كالعقارب، يخالطها ضجيج الضحكات النابعة من سويداء القلب.
لم تكن مجرد وجبة أو جلسة، بل كانت عملية" إعادة شحن" للمشاعر الإنسانية التي أنهكها السعي وراء لقمة العيش.
لكن، وفي غفلة من الزمن، داهمنا قطار التكنولوجيا السريع، لندخل عصر" الذكاء الاصطناعي" و" السوشيال ميديا"، فإذا بالدفء البشري يتبخر ليحل محله صقيع الشاشات.
اختفت تلك الطقوس الحية، وصار بدلاً منها" ستيكر" موحد، وصورة مكررة باهتة مكتوب عليها" جمعة مباركة"، نرسلها للجميع بنقرة زر واحدة، في عملية" نسخ ولصق" مشاعر معلبة، خالية من الدسم الإنساني.
عجباً لنا، كيف استبدلنا الوشوش البشيرية بإيموشنات صماء، وصرنا نضحك في وجه أجهزة من بلاستيك وزجاج لا تشعر ولا تعي؟ ماتت اللقمة المشتركة التي كانت تقرب المسافات، وتحولت صلة الرحم إلى رسالة جماعية في" جروب العائلة" على الواتساب، ليصبح الجميع حاضرين غائبين، يجلسون تحت سقف واحد لكن لكل منهم" جزيرة رقمية" خاصة به.
لماذا اختفت أيامنا الحلوة وكيف فرطنا فيها بهذه السهولة؟ الإجابة تكمن في استسلامنا لخدعة" التواصل الافتراضي" الذي عزلنا بدلاً من أن يربطنا، حولتنا الشاشات إلى كائنات" ممنهجة" تستهلك المشاعر ولا تعيشها.
إن استعادة تلك المشاهد ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى" ثورة وعي" وقرار شجاع، نحتاج فقط إلى إغلاق الهواتف لمد ساعتين، أن ننظر في عيون بعضنا البعض، أن نستمع لقصص الأجداد، وأن نعيد لصوت صواني الشاي هيبتها.
البركة لا تحتاج إلى تحديث للبرامج، بل تحتاج إلى تحديث للقلوب والعودة إلى الأصل، فهل نفعلها قبل أن تبتلعنا خوارزميات الجفاء تماماً؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك