وكالة الأناضول - قدم.. ترشيح 6 لاعبين لجائزة الأفضل بالدوري الإنجليزي الممتاز يني شفق العربية - سلام يدعو إيران لوقف استخدام جنوب لبنان ورقة في مفاوضاتها قناة الغد - وسط تصعيد ميداني.. روسيا وأوكرانيا تتبادلان الأسرى بوساطة إماراتية قناة الغد - اكتشاف جبانة أثرية تعرض ملامح الحياة في مصر القديمة قناه الحدث - الجيش الإسرائيلي يهاجم 650 هدفاً لحزب الله فرانس 24 - العراق يفرض التعادل 1-1 على إسبانيا بطلة أوروبا في مباراة ودية قبل كأس العالم العربي الجديد - باريس تستضيف سوق الكتاب 2026 القدس العربي - ملف القدس والأقصى: هل تطمئن تصريحات روبيو الأردن… والتحكيم الدولي في دائرة التداول قناة الشرق للأخبار - الحرب الأوكرانية.. موسكو وكييف قناه الحدث - مصادر تكشف: أميركا منعت بواخر نفط عراقي من عبور مضيق هرمز
عامة

جو 24 : يوم الاثنين الذي لم يغادر ذاكرتي

جو 24
جو 24 منذ ساعتين
2

لم يكن الخامس من حزيران 1967 يوماً عابراً في الروزنامة، بل كان اليوم الذي انكسر فيه صوت المذياع، وسقطت فيه الوعود الكبيرة أمام عيني طفل في الحادية عشرة من عمره. يسميه كثيرون "النكسة”، أما أنا فأراه نك...

ملخص مرصد
يستذكر الكاتب يوم الخامس من حزيران 1967 (النكسة) من منظور شخصي، حيث وصفه بأنه يوم تحول حياته من طفولة بريئة إلى تجربة قاسية. يتذكرFamily fleeing Jericho via King Hussein Bridge amid war chaos and displacement. He recalls the fear, loss of home, and the psychological impact of the event that reshaped his memory forever.
  • الكاتب كان طفلاً في الحادية عشرة من عمره يوم الخامس من حزيران 1967 في أريحا
  • عائلة الكاتب نزحت سيرًا على الأقدام إلى جسر الملك حسين تحت القصف
  • الكاتب يصف这一天 بأنها بداية فقدان الوطن والذاكرة الجماعية
من: كاتب غير محدد (طفل في الحادية عشرة من عمره يومها) أين: أريحا، جسر الملك حسين، عمّان

لم يكن الخامس من حزيران 1967 يوماً عابراً في الروزنامة، بل كان اليوم الذي انكسر فيه صوت المذياع، وسقطت فيه الوعود الكبيرة أمام عيني طفل في الحادية عشرة من عمره.

يسميه كثيرون "النكسة”، أما أنا فأراه نكبة كاملة؛ لأن ما حدث فيه لم يكن هزيمة عسكرية فقط، بل اقتلاعاً من المكان، وجرحاً في الذاكرة، وانكساراً مبكراً في وعي طفل كان يظن أن النصر أقرب من الغروب.

كنت يومها أعيش في أريحا؛ مدينة الدفء والبرتقال والنخيل، المدينة التي لا تشبه سواها.

لم تكن أريحا بالنسبة لنا محطة عابرة، بل بيتاً أحبّه والدي وتمسك به.

فبعد خروجه من الخدمة العسكرية عام 1966 لم يرغب في مغادرة تلك المنطقة أو العودة نهائياً إلى الكرك، بل أراد أن يكمل حياته هناك، في تلك المدينة الوادعة التي تجمع بين دفء الشتاء وسحر الوادي وقرب القدس.

كنا نقضي الشتاء في أريحا، وفي الصيف نصعد إلى القدس، إلى منطقة العيزاىيه من ضواحي مدينه القدس حيث الهواء ألطف والمدينة أقرب إلى القلب.

كانت حياتنا موزعة بين أريحا والقدس، بين البرتقال والحجر العتيق، بين دفء الغور وروح المدينة المقدسة.

ولم يكن يخطر في بال طفل مثلي أن هذه الجغرافيا الحميمة يمكن أن تتحول في يوم واحد إلى ذاكرة موجعة.

في تلك الأيام كانت المنطقة كلها تعيش على وقع الحماسة والتعبئة.

كنا نستمع إلى إذاعة القاهرة وخطب الرئيس جمال عبد الناصر.

كان الراديو نافذتنا الوحيدة على العالم، وكان صوته يملأ البيوت بالأغاني الوطنية والبيانات العسكرية والوعود بالنصر.

أسماء مثل "الشاهر” و”القاهر” كانت تتردد في الأسماع، لا كأسماء صواريخ فقط، بل كرموز لقوة عربية خيالية في عقل طفل صغير.

كنت أصدق كل شيء.

لم أكن أفهم موازين القوى ولا معنى التفوق الجوي ولا الحسابات الدولية.

كنت طفلاً يحلم كما يحلم الأطفال.

كنت أظن أن الحرب ستنتهي سريعاً، وأننا سنستعيد يافا وحيفا، وأن إسرائيل، كما قيل لنا، دولة هشة لا تستطيع الصمود أمام قوة العرب.

ثم جاء يوم الاثنين.

لا أعرف لماذا بقي هذا اليوم محفوراً في داخلي بهذا الوضوح.

أذكر الشمس، وأذكر الغبار، وأذكر وجوه الناس، وأذكر والدتي رحمها الله وهي تحاول أن تخفي قلقها عنا.

في أريحا لم تكن هناك ملاجئ حقيقية.

كان الناس يلوذون بما يجدونه أمامهم.

وأذكر أننا كنا نذهب إلى منطقة تحت الأشجار، كأن ظل الشجر يمكن أن يحمي الأطفال من الطائرات.

كان والدي في تلك الأيام يعمل في المملكة العربية السعودية مستشاراً في شركة مارتن كولي، فلم يكن معنا في لحظة الخوف الكبرى.

أما جدي فقد جاء من الكرك ليأخذنا وينقذ العائلة من الفوضى التي بدأت تبتلع المكان.

كنا خمسة أطفال مع والدتي، وكنت أكبرهم.

معي إخوتي وأخواتي الصغار، بعضهم كان لا يزال بحاجة إلى أن يُحمل بين الذراعين.

وكانت والدتي، وهي امرأة شابة، تواجه وحدها حرباً ونزوحاً وخوفاً على أطفالها في وقت واحد.

خرجنا من أريحا باتجاه جسر الملك حسين.

لم تكن هناك مواصلات تقريباً.

كان الناس يسيرون على الأقدام في مشهد لا يغادر الذاكرة: رجال ونساء وأطفال يحملون ما استطاعوا حمله، ويتركون خلفهم بيوتاً وأبواباً وذكريات، وهم لا يعرفون إن كانوا سيعودون إليها أم لا.

في الطريق توقف رجل شهم بسيارته.

كان يحمل عدداً من الناس، لكنه قبل أن يأخذنا معه.

جلس جدي في الخلف، وجلسنا نحن الأطفال قرب السائق.

كانت لفتة صغيرة في زمن كبير من الخوف، لكنها بقيت في قلبي حتى اليوم، شاهداً على أن الشهامة قد تظهر في أشد اللحظات قسوة.

وفي الطريق رأيت الحرب للمرة الأولى.

رأيت كيف يمكن للحياة العادية أن تنقلب خلال ساعات إلى رحلة نجاة.

رأيت الخوف في عيون الناس، ورأيت المكان الذي أحببناه يبتعد خلفنا، كأن أريحا كانت تلوّح لنا من بعيد ونحن نعبر نحو المجهول.

ثم وصلنا إلى الجسر.

هناك، عند جسر الملك حسين، شعرت أن الزمن توقف.

كنا من آخر العابرين تقريباً، والعيون كلها معلقة بالسماء خوفاً من الغارات.

كان الجسر الخشبي القديم يئن تحت الأقدام والسيارات والأحمال والقلوب المرتجفة.

نظرت من نافذة السيارة إلى مياه النهر في الأسفل، وشعرت، من دون أن أفهم تماماً، أننا لا نعبر جسراً فقط، بل نعبر من عمر إلى عمر، ومن حياة إلى حياة.

كان الجسر برزخاً بين بيت تركناه ومستقبل لا نعرفه.

بين طفل كان يحلم بالنصر، وطفل بدأ يكتشف معنى الفقد.

وما إن وصلنا إلى الضفة الأخرى حتى أحسست أن صفحة كاملة من العمر أُغلقت، وأن الطريق إلى أريحا لم يعد كما كان قبل ساعات.

وصلنا إلى عمّان، إلى المدينة الرياضية، لا بوصفنا زواراً أو مسافرين، بل بوصفنا نازحين.

كانت كلمة "نازح” ثقيلة وغريبة علينا.

فالضفة الغربية كانت يومها جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية، ولم نكن نشعر أننا نغادر وطناً إلى وطن آخر.

لكن الحرب كانت أقسى من الخرائط، وأقوى من كل التعريفات السياسية.

منذ ذلك اليوم لم تغادر أريحا ذاكرتي.

ما زلت أراها كما كانت: شوارعها، حرّها، برتقالها، نخيلها، وجوه أهلها، الطريق إلى القدس صيفاً، ودفء الشتاء في الغور.

أرى والدي الذي أحب المكان وأراد أن يكمل حياته فيه.

أرى والدتي وهي تجمع أطفالها وسط الخوف.

وأرى جدي القادم من الكرك كأنه يحمل في حضوره طمأنينة العائلة كلها.

لهذا، حين يتحدث الناس عن الخامس من حزيران باعتباره حدثاً سياسياً أو عسكرياً، أتذكره أنا بصورة أخرى.

أتذكر طفلاً كان يصدق أن النصر قريب، وأن يافا وحيفا ستعودان سريعاً، ثم اكتشف فجأة أن الأوطان قد تضيع في أيام قليلة، وأن الذاكرة قد تصبح أحياناً آخر شكل من أشكال العودة.

ذلك الاثنين لم ينتهِ بالنسبة لي.

ما زال عالقاً بين أريحا والجسر، بين صوت المذياع وصمت الهزيمة، بين حلم طفل ووجع رجل.

وحتى اليوم، كلما عاد الخامس من حزيران، أعود أنا إلى تلك السيارة، إلى ذلك الجسر، إلى تلك اللحظة التي خرجنا فيها من أريحا، وبقيت أريحا فينا إلى الأبد.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك