يتزايد عدد الأفارقة الذين باتوا ينظرون إلى قارتهم بوصفها وجهة سياحية" متطورة وتستحق الاكتشاف"، في تحول رصدته تقارير دولية تحدثت عن سوق سفر داخلية صاعدة، لكنها لا تزال تصطدم بحاجز قديم هو التأشيرة.
فقد كانت أفريقيا المنطقة الأسرع نموا في السياحة العالمية، إذ ارتفعت أعداد الوافدين الدوليين إليها بنحو 8% لتبلغ زهاء 81.
3 مليون زائر في عام 2025 مقابل 75.
4 مليونا قبل عام، وفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للسياحة.
ويفوق هذا النمو ضعف المعدل العالمي البالغ 4%.
وبحسب منصة" أفريكا دوت كوم" (Africa.
com)، المختصة بالشأن الأفريقي، يتوقع أن تتجاوز الطبقة الوسطى الأفريقية 500 مليون نسمة بحلول عام 2030، مما قد يساهم في تغذية سوق سفر داخلية متنامية.
وتضيف المنصة أن أكثر من 60% من سكان القارة دون سن الخامسة والعشرين، وأن هؤلاء الشباب يملكون قدرة إنفاق متصاعدة يشكل السفر جزءا أساسيا من حياتهم.
وفي تقرير لصحيفة نيويورك تايمز (The New York Times)، يصف الصحفي سايكو جامع المقيم في دكار تدفقا متناميا من زوار أفارقة يأتون للسياحة لا للعمل، ويربط ذلك بجيل من الشباب من الألفية و" جيل زد" الذي بدأ يعيد تشكيل النظرة إلى السفر والترفيه.
وينقل التقرير عن جيليان بلاكبيرد، الرئيسة التنفيذية لمنظمة" إيدن أفريقيا" (Eden Africa) غير الربحية، قولها إن" السفر بات ينظر إليه بوصفه جزءا من الهوية والحياة اليومية، لا ترفا".
لكن التقرير ذاته يشير إلى أن أسعار الرحلات داخل أفريقيا من بين الأعلى عالميا مع ندرة الرحلات المباشرة، وإن تحسن الأمر مع نشوء شركات طيران جديدة.
ففي لاغوس النيجيرية مثلا، باتت تعرض عطلات نهاية أسبوع إلى بنين المجاورة بنحو 150 دولارا.
وفي أحدث تطورات هذا المسار، أعلنت توغو في مايو/أيار 2026 إعفاء مواطني الدول الأفريقية كافة من تأشيرة الدخول لإقامة تصل إلى 30 يوما، شريطة تقديم إلكتروني قبل الوصول بـ24 ساعة.
وبذلك انضمت توغو إلى ناد ضيق لا يتجاوز ست دول فتحت حدودها بالكامل أمام مواطني القارة، هي رواندا وسيشل وغامبيا وبنين وغانا، فيما تقترب كينيا من القائمة باستثنائها الصومال وليبيا فقط.
لكن هذا الانفتاح يبقى استثناء في قارة من 54 دولة، إذ لا تزال نحو 48 منها متمسكة بمنظومة تأشيرات تقليدية.
ويظهر مؤشر انفتاح التأشيرات الأفريقي، الصادر عن بنك التنمية الأفريقي والاتحاد الأفريقي، تقدما تراكميا بطيئا، فقد بات الأفارقة يسافرون دون تأشيرة في 28% من سيناريوهات التنقل عام 2024، مقابل 20% فقط عام 2016.
غير أن نسخة عام 2025 من المؤشر سجلت انتكاسة، إذ ارتفعت حصة الرحلات المشترطة لتأشيرة مسبقة من 47.
1% إلى 51.
1% متجاوزة نصف الحالات، وتراجعت تأشيرة الوصول إلى 20.
4% وهو أدنى مستوى لها، بعدما تحولت أربع دول هي غينيا بيساو وموريتانيا ونيجيريا والصومال من منح تأشيرة عند الوصول إلى اشتراط تأشيرة مسبقة.
ويبقى الإطار المؤسسي متعثرا، فبروتوكول الاتحاد الأفريقي لحرية تنقل الأشخاص، المعتمد عام 2018، لم تصادق عليه سوى أربع دول، في حين يتطلب دخوله حيز التنفيذ 15 مصادقة.
أما الجواز الأفريقي الموحد الذي أطلق رمزيا عام 2016 فلا يزال حكرا على الدبلوماسيين وكبار المسؤولين، ما يجعل قرارات الإعفاء الراهنة خطوات سيادية أحادية قابلة للتراجع، لا التزامات قانونية ملزمة، وفق الجزيرة نت.
وتعكس هذه القيود ضعف الاندماج الاقتصادي ذاته؛ إذ لا يتجاوز حجم التبادل التجاري البيني الأفريقي 16% مقابل أكثر من 60% داخل الاتحاد الأوروبي، وفق تقرير للبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد (Afreximbank) أوردته.
وتستند الدول الرافضة للانفتاح إلى مبررات أمنية حقيقية، خصوصا في منطقة الساحل، لكن مراقبين يرون أنها تتقاطع مع حسابات اقتصادية، من بينها اعتماد بعض الدول على إيرادات التأشيرات موردا سياديا، والخشية من نزوح العمالة نحو الاقتصادات الأكثر جذبا.
وتجسد كينيا هذا التوتر، فبعد استبدالها التأشيرة عام 2024 بنظام" التفويض الإلكتروني للسفر"، اُنتقد النظام بوصفه" تأشيرة مقنعة" لفرضه رسما بلغ 30 دولارا وتقليصه قوائم الإعفاء، وهبط ترتيب كينيا 17 مرتبة إلى المركز 46 في مؤشر عام 2024، قبل أن تعلن نيروبي مطلع عام 2025 عدم تطبيقه على مواطني الدول الأفريقية باستثناء الصومال وليبيا.
تبرز إذن السياحة الداخلية في أفريقيا كفرصة اقتصادية واجتماعية كبرى، لكن قيود التأشيرات تظل عقبة عملية أمام تحول هذه الفرصة إلى واقع مستدام.
إن نجاح القارة في تحويل الانفتاح الجزئي إلى سياسة إقليمية منسقة يتطلب إرادة سياسية، تنسيقا مؤسسيا، وإستراتيجيات اقتصادية تعالج مخاوف الأمن والإيرادات، وإلا ستبقى الإمكانات الضخمة محجوزة خلف أختام الجوازات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك