المسرح هو" أبو الفنون" ومرآة المجتمعات، فهو المساحة الحية التي تتجسد فيها الأفكار والمشاعر بعمق والتي يبرز من خلالها تفكير المجتمعات واتجاهاته الفكرية ويقاس بها أيضا مدى رقي وتحضر المجتمعات والشعوب، وتعد مصر من أقدم الشعوب التي اهتمت بالثقافة والفنون منذ عقود طويلة، فمصر هي صاحبة التاريخ الحضاري العريق المسجل على جدران المعابد المصرية والمسرح الروماني.
أكاديمية الفنون وجامعة العاصمة قلاع الفن في مصراهتمت مصر بإنشاء أول أكاديمية للفنون التي تأسست في مصر بالقانون رقم (78) لسنة 1969، لتكون صرحا تعليميا فريدا من نوعه حيث بدأت أكاديمية الفنون نواتها الأولى بإنشاء المعاهد الفنية العليا ومدارسها المتنوعة التي استقدمت خبراء أجانب من روسيا لتأسيس كوادرها وتعليم طلابها قبل أن يتم تجميعها معا في منطقة واحدة بمنطقة الهرم بالجيزة تعرف مجتمعيا باسم مدينة الفنون وتضم المعهد العالي للفنون المسرحية الذي تأُسس عام 1930، وأعيد افتتاحه عام 1944 على يد الفنان زكي طليمات، والمعهد العالي للباليه الذي أُنشئ عام 1959 وتلاهما المعهد العالي لموسيقى الكونسرفتوار عام 1959 والمعهد العالي للسينما عام 1959، ثم المعهد العالي للموسيقى العربية عام 1969.
المعهد العالي للفنون الشعبية الذي أُنشئ عام 1981 واخيرا ولتكتمل المنظومة الفنية تم تأسيس المعهد العالي للنقد الفني ليكون مختصا بالدراسات النقدية المتخصصة في جميع مجالات الفنون.
جامعة العاصمة وأكاديمية الفنون والمنظومة المتكاملةكما تأسست جامعة حلوان (جامعة العاصمة حاليا) بموجب القانون رقم 70 لسنة 1975 لتكون جامعة شاملة تتميز بكليات فريدة من نوعها لتتكامل منظومة ريادة مصر في تعليم الفنون، كما تطورت الجامعة لتضم الآن ما يزيد على 20 كلية وتحتضن أكثر ٢٢٠ ألف طالب وطالبة، مع ملاحظة أن الجذور التاريخية لجامعة العاصمة تعود إلى ما قبل تأسيس الجامعة بفترات طويلة قبل أن تجتمع تحت مظلة الجامعة، وتنقسم كلياتها البارزة إلى الكليات الرائدة تاريخيًا في الفنون مثل كلية الفنون التطبيقية التي يعود تاريخها لثلاثينيات القرن التاسع عشر، وكلية التربية الفنية وكلية الفنون الجميلة والكليات المتخصصة حيث تضم الجامعة كليات متفردة على مستوى العالم العربي مثل كلية التربية الرياضية والتربية الموسيقية.
ومن أجل اكتمال منظومة تعليم الفنون في مصر يخضع المتقدمين للالتحاق بهما لاختبارات قدرات تؤكد موهبتهم واستعدادهم للدراسة المتخصصة من أجل تخريج جيل من الفنانين الأكاديميين، وتهيئة الكوادر المتخصصة في مجالات الفنون التشكيلية والعمارة والنحت والديكور الجرافيك وفنون الكتاب وفنون الإعلان والخزف والزخرفة والتصوير وإشغال المعادن، والموسيقى، إلى جانب الاهتمام بجمع وتوثيق التراث الفني العربي ودراسة تاريخ الفن والنقد الفنيمسرحية جامعة العاصمة وافتعال الأزمة“أراهن على بقاء المسرح للأبد؛ لأنه يرتبط برغبة إنسانية أساسية، ألا وهي التعبير عن المشاعر وتشخيصها وهذا ما يفعله المسرح”.
هكذا راهن الفيلسوف اليوناني “أرسطو” على أهمية المسرح ودوره الرئيس في حياة البشر، وتكوين وعي وصياغة وجدان الإنسانية وهذا ما أصبح جليا واضحا في الأزمة المفتعلة حول مسرحية لطلاب كلية الحقوق بجامعة العاصمة واتعمد استخدام تعبير (مفتعلة) لوصف ما حدث وصفا دقيقا، لأنها حدثت داخل جدران أعرق جامعة أنشئت من الأساس لتحتضن كليات الفنون قبل أن تضاف إليها كليات مختلفة وصلت حاليا إلى ما يفوق الـ٢٠ كلية.
وهنا دعونا نحلل الموقف ثقافيا لنتمكن من الوقوف علي حقيقة الأزمة فترديد عبارات محفوظة منذ أزمة الإسلام السياسي التي عبرتها مصر وتمردت عليها من خلال الثقافة والفنون وخلقت مصر ثورة راقية تمرد بها مثقفو مصر على طمس هويتها يؤكد لنا أن الجيل الحالي من الطلاب في مرحلة الجامعة وهي مرحلة هامة في تشكيل الوعي يحتاج إلى التذكير بتاريخهم السياسي والاجتماعي بعد أن باتت الضلالات التي تزخر بها مواقع التواصل الاجتماعي تسيطر على عقول الشباب البرئ.
وهنا يحضرني مقولة برتولت بريخت: " أعطني خبزًا ومسرحًا، أعطك شعبًا مثقفًا" فنحن في حاجة الي تضافر الجهود بين وزارة الثقافة وجميع الجامعات المصرية خاصة بعد ضمور وتلاشي المسرح المدرسي من أجل خلق جيل قادر علي تنظيم أفكاره والتمييز بين ما يتعرض له على وسائل التواصل الاجتماعي من ضلالات متعمدة لتشويه عقول أجيال كاملة لنعود إلى العصور الظلامية مرة أخرى بعد أن تعافينا منها سياسيا واقتصاديا ومعرفيا أيضا.
يقول جورج برنارد شو: " المسرح هو علاج لأمراض المجتمع" وهذه حقيقة أثبتتها الأبحاث العلمية والسوسيولوجية بمختلف فروعها، فعلينا أن ننتبه إلى أن ما تردد وقت انفعال الطالب الذي افتعل الأزمة مرددا هراءات خارج سياقاتها إنما يشير إلى ضرورة التركيز على تنمية وعي الشباب، ودعونا نركز علي الجانب الايجابي في الحدث الا وهو رفض شباب الجامعة لعقوبة حرمان أحدهم من ممارسة النشاط الجامعي لمخالفته للقواعد التنظيمية واللوائح الجامعية وهذا أمر تربوي هام، وربما جاء الانفعال بسبب خلط المفاهيم لدى الموظفين الإداريين المتعاملين داخل الحرم الجامعي والتي لا تمثل فكر المجتمع ولا توجهات مسؤولين جامعة العاصمة وأساتذتها الأجلاء من أكبرهم إلى أصغرهم لأنها خارج المنطق والعقل وخارج إطار منظومة عمل معظم كليات جامعة العاصمة التي تعتمد في الأساس علي تنمية المواهب وصقلها وتقديمها للمجتمع، كما تتعارض مع سياسة الجامعة من الأساس، فكيف يتم الادعاء على عميدة كلية داخل الجامعة بتحريمها التماثيل بينما الجامعة تفتتح متحفا للفنون التشكيلية بالجامعة؟كيف لجامعة العاصمة ورئيسها الدكتور سيد قنديل أن يحارب التماثيل وهو فنان تشكيلي وعميد كلية الفنون الجميلة الأسبق؟ كيف للجامعة ان تحارب عمل مسرحي وهي من تضم بين أقسام كلياتها قسما لعلوم المسرح؟ وكيف نصدق أن رئيس الجامعة الذي قام بتأسيس أكبر مسرح بالجامعة ملحقا بالمركز الثقافي والتنويري لها أن يمنع عرضا مسرحيا لطلاب هواة؟الجوانب الإيجابية للأزمة المفتعلة داخل مسرح كلية الحقوق بجامعة العاصمة تتمثل في عدة نقاط.
أولا: إنها حثت الجهات المعنية بالشباب والمسرح مثل جامعة العاصمة ووزارة الثقافة بقيادة الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة والفنان الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية على التشبيك وتضافر الجهود وتوصيل الحلقات المفقودة لاستيعاب طاقات الشباب الواعد الغيور على فنه.
ثانيا: إن تلك الأزمة أظهرت أهمية" التنشيط الثقافي"، ذلك المجال الذي شرفت بمشاركة أستاذتي الدكتورة نهاد صليحة في تأسيس أول قسم لدراسته في مصر عام ٢٠٠٨ بالمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، كما شرفت بوضع المناهج الدراسية له طبقا للمعايير الدولية لاحتياجات المنشط الثقافي، كما شرفت بالحصول على أول درجات علمية في هذا المجال في مصر وكان ذلك السبب في أدراجي في موسوعة الرائدات العربيات كرائدة للتنشيط الثقافي في مصر.
يُعرّف التنشيط الثقافي بأنه عملية تفاعلية هادفة تهدف إلى إضفاء الحيوية على الحياة الثقافية في المجتمع.
يسعى هذا المفهوم إلى ربط الأفراد بمحيطهم، تحفيز طاقاتهم الإبداعية، وتنمية الوعي العام من خلال برامج، وفعاليات، وممارسات فنية وترفيهية مدروسة طبقا لطبيعة تلك المجتمعاتكما يهدف إلى استقطاب الجمهور على تنوعهم، وتحويل الأفراد من مجرد" متلقين سلبيين" إلى" مشاركين فاعلين" في صنع وتحديد المسار الثقافي، وصقل المواهب وتنميتها لإبراز طاقات الشباب والأطفال وتغذية ملكة الإبداع لديهم بهدف كسر الجمود وتجاوز الطرق التقليدية في التعلم واكتساب المعرفة عبر دمج الترفيه بالفائدة وتحقيق الاندماج الاجتماعي لتعزيز التواصل الإيجابي بين أفراد المجتمع وتقريب وجهات النظر وهذا ما أشار إلى أهميته سوء الفهم الذي حدث بين طلاب وبعض موظفي جامعة العاصمة.
المسرح الجامعي وأدوات التنشيط الثقافي المفقودةتعتمد عملية التنشيط الثقافي على وسائل وآليات كالمكتبات، المراكز الثقافية، والجامعات، ومن أبرز هذه التقنيات ورش العمل والمحاكاة والتدريب العملي ولعب الأدوار لإيصال الأفكار والعصف الذهني لإثارة النقاش وتحفيز التفكير الجماعي، وهذا ما يفهم من تحليل الالتباس الذي حدث في أزمة مسرحية جامعة العاصمة والوقوف علي الأسباب العلمية والمنطقية لحدوثهافلا بد أن نتيح فرص بديلة للطلاب الذين وقع عليهم عقوبة الحرمان من النشاط الطلابي لعدم التزامهم باي من لوائح أو ضوابط الجامعة فمفهوم الثواب والعقاب هو احد الوسائل التربوية الفعالة لتحسين الأداء وتهذيب السلوك بلا شك، لذا لا اجد مانع من توفير الفرص البديلة للتعبير عن الذات للطلاب مثل تنظيم المعارض، المهرجانات، والنوادي الثقافية.
الخ من الأنشطة الفنية والثقافيةولضمان تحقيق الأهداف المرجوة من الأنشطة الثقافية التفاعلية مثل المسرح لابد أن يكون المحرك الأساسي لهذه العملية" المنشط الثقافي" يمتلك مهارات تواصلية وسيكولوجية عالية تتيح له أداء مهمته بنجاح والأهم هو مهمته في قراءة احتياجات الشباب والفئة المستهدفة وتخطيط برامج مرنة تلبي هذه الاحتياجات والبحث عن البدائل لاستيعاب طاقة الشباب.
كما لابد أن يكون القائم على التنشيط الثقافي قادرا على إدارة الحوار، وتوجيه المجموعات، وخلق بيئة محفزة على التفاعل.
وتُعد الثقافة في مصر على رأس قائمة أولويات الدولة باعتبار تقدم شباب وأفراد المجتمع جزءًا لا يتجزأ من مفهوم تقدم الدولة، وهو ما ينعكس في استراتيجية مصر ٢٠٣٥، فقد باتت حصة الفرد من المنتج الثقافي جزءًا من الحق الذي تتكفل الدولة بتأمينه، وتعتبر نفسها مسؤولة عنه في المقام الأول.
وتعنى مصر حاليا بتطوير الفعل الثقافي كجزء من التوجه الاستراتيجي نحو مجتمع المعرفة وتأهيل المختصين، وهو ما يساعد في تنمية الوعي العام بالثقافة والفنون، وهنا تتحقق مقولة ستانيسلافسكي: " المسرحية تبدأ من باب المسرح" وأن لكل فرد في تلك المنظومة دورا لا بد أن يكون ملما به بداية من عامل الإضاءة إلى المخرج مرورا بجميع أفراد طاقم العمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك