قناة الشرق للأخبار - تحليل لتصريحات الرئيس اللبناني.. آخر التطورات في الملف اللبناني الإسرائيلي روسيا اليوم - روسيا والإمارات تبحثان نظام المدفوعات غير النقدية للسياح خلال رحلاتهم روسيا اليوم - تفاصيل اغتيال في تل أبيب.. "حنظلة" قالت إنه استهدف مدير بالموساد ورواية إسرائيلية مغايرة (فيديو) القدس العربي - لجنة حكومية تحل محل المفوضية… قانون لجوء في مصر يثير انتقادات فرانس 24 - تحقيق قضائي فرنسي في "جرائم حرب" على خلفية معاملة إسرائيل نشطاء أسطول غزة التلفزيون العربي - الأطفال أول المتضررين.. الحرب في الشرق الأوسط تهدد الملايين بالجوع الجزيرة نت - الحسم في أنقرة.. هل تتغلب مصالح الناتو على خلافات ترمب وأوروبا؟ القدس العربي - صحيفة إسرائيلية: حكومة عون تستعرض استقلاليتها في مواجهة طهران و”حزب الله”.. والتعنت الإسرائيلي هو العقبة وكالة سبوتنيك - بوتين: روسيا لم تكن معزولة بل كانت هناك محاولات لعزلها فرانس 24 - ستة أيام من الرعب.. نهاية مأساوية لقصة اختفاء الطفلة ليهانا في فرنسا
عامة

"رهان واشنطن الخاسر" لماذا فشل الرهان الأمريكى على إسقاط إيران بأسلوب فنزويلا؟.. اختلاف بنية النظام والعمق الجغرافي وتعدد مستويات السلطة.. التحالفات المتشابكة يعيد تعريف القواعد ويكشف حدود قوة واشنطن

اليوم السابع
اليوم السابع منذ 1 ساعة

ـ نائب مساعد وزير الأمن الوطني الأمريكي السابق: اتساع نطاق العمليات المحتملة داخل إيران جعل أي سيناريو عسكري أكثر تعقيداـ ترامب: الولايات المتحدة ستتعامل مع إيران مثلما تعاملت مع فنزويلاـ محلل أمر...

ملخص مرصد
فشل الرهن الأمريكي على إسقاط إيران بأسلوب فنزويلا ناتج عن الفروق البنيوية والجغرافية والعمق الإستراتيجي بين الموقعين. ترامب يرى إيران كفرصة للسيطرة على النفط، لكن البنية المؤسسية المتكاملة والتحالفات المتعددة جعلت (بحسب غير محدد) العملية غير مجدية.

    ـ نائب مساعد وزير الأمن الوطني الأمريكي السابق: اتساع نطاق العمليات المحتملة داخل إيران جعل أي سيناريو عسكري أكثر تعقيداـ ترامب: الولايات المتحدة ستتعامل مع إيران مثلما تعاملت مع فنزويلاـ محلل أمريكي يتهم ترامب بمحاولة استخدام السلاح النووي ضد طهران وزعيم البيت الأبيض ينفىـ ضابط سابق في جهاز الخدمة السرية الأمريكية: إضعاف الحلقة القيادية الأولى لإيران أدي إلى صعود دوائر قيادية جديدةـ اعتراف أمريكي بخسارة 25 مليار دولار خلال حرب إيران وطهران تعلن ارتفاع خسائر واشنطن لـ100 مليارفي مارس الماضي خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على شعبه والعالم ليوعدهم بأن ما حدث في فنزويلا سيحدث في إيران، لم يكد يمضى على الحرب ضد طهران سوى أيام، قتل فيها المرشد الإيراني على خامنئى وعدد كبير من القيادات، ظن الكثير أن واشنطن ستكرر السيناريو وستسيطر بكل سهولة على النفط كما فعلت في كاراكاس، المفاجآة كانت صمود إيراني لقتال استمر لـ40 يوما ومفاوضات بين الجانبين.

    ترامب في مطلع مارس شبه الوضع الإيراني بفنزويلا، مؤكدا أن الولايات المتحدة لن تسمح لطهران ببيع النفط، والأمور ستسير باتجاه الاستيلاء على النفط لفرض ضغوط قصوى، على غرار سيناريو كاراكاس، لضمان استسلام النظام اقتصاديا، يبدو للوهلة الأولى أن واشنطن اقتربت من تحقيق أهدافها خلال الأيام الأولى للحرب، لكن مع استمرار القتال وسرعة استبدال إيران قياداتها المقتولة بأخرى جعل أمر أصعب مما تخيل الرئيس الأمريكي.

    أسباب بنيوية واستراتيجية عميقة جعلت من الصعب على الولايات المتحدة تكرار سيناريو فنزويلا في إيران، حيث إن الفارق بين الحالتين لا يتعلق فقط بطبيعة النظامين، بل بتركيبة الدولة وموقعها ووظيفتها داخل النظام الإقليمي والدولي، ففي الحالة الفنزويلية، اعتمدت واشنطن على أدوات الضغط الاقتصادي والعزلة السياسية ومحاولة صناعة انقسام داخلي داخل النخبة الحاكمة، مستفيدة من هشاشة الاقتصاد والانقسام المجتمعي والاعتماد الكبير على النفط دون وجود منظومة مؤسساتية عقائدية متماسكة تحمي النظام، أما في طهران، فإن بنية السلطة أكثر تعقيدا وتماسكا، فهي ليست مجرد سلطة تنفيذية يمكن عزلها أو الضغط عليها، بل نظام متكامل قائم على مؤسسات سياسية وأمنية وعسكرية ودينية مترابطة، ما يجعل فكرة تفكيكه عبر الضغط الخارجي أكثر صعوبة وأقل قابلية للنجاح.

    أسباب ساهمت في صمود طهران واستسلام كاراكاسكذلك المؤسسة العسكرية الإيرانية تمثل فارقا مركزيا في المشهد، فطهران تمتلك منظومة ردع متطورة بنيت على مدار عقود، تقوم على الحرب غير التقليدية، والصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، وشبكات الحلفاء الممتدة خارج حدودها، وهذا يعني أن أي محاولة أمريكية لإعادة إنتاج نموذج الضغط الذي استخدمته في فنزويلا تواجه برد متعدد المستويات، ليس فقط داخل الجغرافيا الإيرانية، بل عبر ساحات إقليمية عديدة يمكن أن تتحول إلى مسرح اشتباك مباشر أو غير مباشر مع المصالح الأمريكية، وهذا الفارق جعل تكلفة المواجهة أكثر اتساعا وتعقيدا من أي تجربة مشابهة في أمريكا اللاتينية.

    يبدو أن هذه الأسباب لم يعيها ترامب منذ بداية الحرب، لأنه خرج في 30 مارس مجددا خلال حواره مع صحيفة" فاينانشال تايمز" الأمريكية، ليؤكد أنه يريد الاستيلاء على النفط في إيران وقد يسيطر على مركز التصدير في جزيرة خرج، موضحا أن تفضيله سيكون الاستيلاء على النفط، مشبها هذه الخطوة المحتملة بفنزويلا، حيث تنوي الولايات المتحدة السيطرة على صناعة النفط هناك إلى أجل غير مسمى عقب اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في يناير الماضي.

    من بين الأسباب أيضا التي لم يعيها ترامب هي الجغرافيا السياسية التى تلعب دورا حاسما في تفسير هذا الاختلاف، ففنزويلا تقع في المجال الحيوي التقليدي للولايات المتحدة، داخل بيئة نفوذ تاريخي تسمح لواشنطن بإدارة الضغوط السياسية والاقتصادية بسهولة نسبية، بينما تقع إيران في قلب منطقة الشرق الأوسط، وهي واحدة من أكثر المناطق حساسية من حيث توازنات الطاقة والأمن والصراعات الإقليمية، وهذا الموقع يمنح إيران وزنا استراتيجيا مضاعفا، ويجعل أي اضطراب فيها قابلا للتحول إلى أزمة إقليمية واسعة النطاق، وهو ما يفرض على واشنطن حسابات أكثر حذراً من تلك التي تعاملت بها مع كاراكاس.

    طبيعة الجغرافيا الإيرانيةفي هذا السياق يقدم توم واريك، نائب مساعد وزير الأمن الوطني الأمريكي السابق، قراءة تحليلية تبرز الفوارق الجوهرية بين الحرب الأمريكية ضد إيران، مقارنة بالنهج الذي اتبعته واشنطن في التعامل مع الأزمة الفنزويلية.

    ويرى واريك في تصريحات خاصة لـ" اليوم السابع" من واشنطن، أن أحد أبرز الفوارق الحاسمة بين الحالتين يتمثل في البنية الأيديولوجية للنظام الحاكم في إيران، حيث إن جنرالات الحرس الثوري الإيراني يتمتعون بقدر عال من الالتزام العقائدي تجاه مواجهة الولايات المتحدة، وهو ما يجعل سلوكهم في أي مواجهة محتملة أكثر صلابة وتعقيدا مقارنة بحالات أخرى، موضحا أن هذا الالتزام الأيديولوجي قد يدفع القيادات العسكرية بطهران إلى اتخاذ قرارات شديدة القسوة للحفاظ على بقائها في السلطة، حتى لو ترتب على ذلك خسائر بشرية واسعة داخل البلاد نفسها.

    ويشير إلى أن الوضع في فنزويلا يختلف من حيث طبيعة القيادة السياسية والعسكرية، حيث إن النخبة الحاكمة في كاراكاس أبدت في مراحل معينة قدرا أكبر من المرونة والاستعداد للتعامل مع الضغوط الدولية، مقارنة بما هو قائم في الحالة الإيرانية، وهو ما انعكس على طبيعة أدوات الضغط والسياسات التي اتبعتها واشنطن تجاه البلدين.

    كما يتطرق المسؤول الأمريكي السابق إلى العامل الجغرافي بوصفه عنصرا حاسما في تحديد طبيعة أي تدخل محتمل، لافتا إلى أن العاصمة الفنزويلية كاراكاس تقع على الساحل، وهو ما يجعل الوصول إليها من الناحية العسكرية أكثر سهولة بالنسبة للقوات الأمريكية أو أي عمليات بحرية وجوية داعمة، بينما العاصمة الإيرانية طهران تقع في عمق جغرافي داخل البلاد، وهو ما يفرض تحديات كبيرة أمام أي تحرك عسكري محتمل، سواء من حيث خطوط الإمداد أو تعقيدات العمليات الميدانية، مضيفا أن هذا التباين الجغرافي لا يقتصر فقط على صعوبة الوصول، بل يمتد ليشمل طبيعة الدفاعات الداخلية، واتساع نطاق العمليات المحتملة داخل دولة بحجم إيران، بما يجعل أي سيناريو عسكري أكثر تعقيدا وكلفة من الناحية الاستراتيجية واللوجستية.

    وتعكس هذه الرؤية، أن الولايات المتحدة عند تعاملها مع ملفات خارجية لا تعتمد فقط على ميزان القوة العسكري، بل تأخذ في الاعتبار مجموعة من العوامل المركبة، من بينها طبيعة النظام السياسي في الدولة المستهدفة، ومدى تماسكه الأيديولوجي، إضافة إلى الجغرافيا والبنية العسكرية، ومنا هنا يتضح أن الفارق بين إيران وفنزويلا لا يقتصر على اختلاف الموقع الجغرافي أو طبيعة القيادة السياسية فحسب، بل يمتد إلى عمق بنيوي يتعلق بكيفية إدارة الدولة لأزماتها الداخلية، ومدى استعدادها للانخراط في مواجهة طويلة الأمد مع قوى دولية كبرى مثل واشنطن.

    وعود ترامب بتكرار ما فعله بفنزويلا في إيرانخرج ترامب مجددا في 13 أبريل، ليؤكد أن الولايات المتحدة ستتعامل مع إيران مثلما تعاملت مع فنزويلا، وأن الإيرانيين سيعودون إلى التفاوض وسيمنحون واشنطن كل ما تريده، وذلك خلال لقاء له على شبكة فوكس نيوز، وأوضح حينها أن ما فعله مع كاراكاس سيكون مشابها جدا لما سيفعله مع طهران، ولكن على مستوى أعلى.

    وأضاف ترامب، أن الإيرانيين لم يتركوا طاولة المفاوضات، متابعا: " قلت لفريقي، أريد كل شيء، لا أريد 90 % ولا أريد 95 %، قلت لهم أريد كل شيء".

    لم يع ترامب أن البيئة الدولية المحيطة بإيران تختلف بشكل جذري عن البيئة التي أحاطت بفنزويلا، لأن طهران ليست دولة معزولة بالكامل، بل جزء من شبكة مصالح إقليمية ودولية واسعة، ولديها علاقات استراتيجية مع قوى كبرى ترى في بقائها جزءا من توازنات أوسع في مواجهة النفوذ الأمريكي، وهذا التشابك يجعل أي محاولة لإعادة هندسة المشهد الإيراني أكثر تعقيدا، لأن المسألة لا تتعلق بنظام الملالي وحده، بل بتوازنات دولية أوسع قد تتأثر بأي تحول جذري داخلها.

    كذلك النظام الإيراني يستند إلى شرعية أيديولوجية مختلفة عن النماذج التقليدية للسلطة، حيث إن طهران نجحت عبر عقود في بناء خطاب سياسي قائم على فكرة الاستقلال الوطني ومواجهة الهيمنة الخارجية، وهو خطاب يمنحها قدرة على امتصاص الضغوط وتحويل التهديد الخارجي إلى أداة تعبئة داخلية، وفي مثل هذه الأنظمة، قد يؤدي الضغط الأمريكي إلى نتيجة عكسية، حيث يتراجع الانقسام الداخلي مؤقتا لصالح حالة اصطفاف وطني دفاعي، وهو ما يقلل من فرص نجاح استراتيجية الإنهاك أو التحريض على الانقسام الداخلي.

    طبيعة المؤسسة العسكرية الإيرانيةفي هذا السياق تؤكد الدكتورة شيماء المرسي، الخبيرة في الشأن الإيراني، أن فشل الولايات المتحدة في تكرار السيناريو الفنزويلي داخل إيران يعود إلى اختلافات بنيوية وجيوسياسية عميقة بين النظامين، وهو ما جعل استراتيجية" الضغط الأقصى" التي انتهجها دونالد ترامب تفضى إلى نتائج مختلفة جذريا.

    وتضيف في تصريحات خاصة لـ" اليوم السابع"، أن إدارة ترامب في فنزويلا اعتمدت على معادلة تقوم على الإغراء والترهيب تجاه المؤسسة العسكرية، من خلال الرهان على إمكانية تخلي القيادات العسكرية عن نظام نيكولاس مادورو مقابل تخفيف العقوبات ورفع الضغوط الاقتصادية، مشيرة إلى أن هذا النموذج لم يكن قابلا للاستنساخ في الحالة الإيرانية.

    وتوضح أن العقبة الأساسية أمام هذا السيناريو في إيران تتمثل في الحرس الثوري، الذي لا يعد مجرد مؤسسة عسكرية تقليدية، بل يمثل بنية عقائدية وأيديولوجية واقتصادية متشابكة مع مفاصل الدولة، مؤكدة أن الحرس الثوري ليس حاميا للنظام فقط، بل شريكا أصيلا في السلطة والثروة، ما يجعل فكرة الانقلاب الداخلي أو الانشقاق السياسي والعسكري بمثابة تهديد مباشر لمصالح النخبة الحاكمة نفسها.

    وتشير" المرسي"، إلى أن وجود بنية عسكرية مزدوجة داخل إيران، تتمثل في الجيش النظامي إلى جانب الحرس الثوري، خلق منظومة رقابة داخلية متبادلة حالت دون إمكانية تحرك المؤسسة العسكرية ضد رأس النظام، بخلاف ما حدث في فنزويلا، كما أن الجغرافيا السياسية لعبت دورا حاسما في إفشال الرهان الأمريكي، حيث إن كاراكاس وجدت نفسها في عزلة إقليمية داخل محيط لاتيني معادٍ لتوجهاتها السياسية آنذاك، ما ضاعف من حجم الضغوط الداخلية والخارجية على نظام مادورو.

    وتؤكد أن إيران نجحت على مدار عقود في بناء ما وصفته بـ" المورفولوجيا الأمنية العابرة للحدود"، من خلال شبكة نفوذ إقليمي ممتدة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهو ما جعل أي محاولة أمريكية لزعزعة الداخل الإيراني مرتبطة تلقائيا بإمكانية تفجير ساحات إقليمية متعددة، وهو ثمن استراتيجي كبير لم تكن إدارة ترامب مستعدة لتحمله، وهذا ما يفسر تفضيل واشنطن خيار الضغط الاقتصادي والعقوبات على خيار المواجهة العسكرية الشاملة أو السعي لإسقاط النظام بالقوة.

    وتوضح أن أحد الفوارق الجوهرية بين الحالتين يتمثل في طبيعة الشرعية السياسية، إذ ارتبطت شرعية نظام مادورو، ومن قبله هوجو تشافيز، بقدرة الدولة على توزيع العوائد النفطية وتحقيق مكاسب اجتماعية مباشرة، وهو ما جعل الانهيار الاقتصادي الناتج عن العقوبات سببا مباشرا في تآكل الحاضنة الشعبية للنظام، أما في الحالة الإيرانية، فالنظام استطاع توظيف العقوبات والضغوط الخارجية ضمن خطاب أيديولوجي قائم على المظلومية والصمود في مواجهة ما يسميه" الاستكبار العالمي"، وهو خطاب مكنه من إعادة تعريف الأزمة الاقتصادية باعتبارها ثمنا للسيادة الوطنية والكرامة الدينية، وهذا البعد القومي الديني منح النظام قدرة استثنائية على امتصاص الصدمات الاقتصادية وتحويل المعاناة المعيشية إلى جزء من خطاب المقاومة، بما عزز من تماسك قاعدته الصلبة.

    وفيما يتعلق بالمعارضة، تشير الخبيرة في الشأن الإيراني، إلى أن واشنطن نجحت في فنزويلا في تقديم خوان جوايدو كواجهة سياسية بديلة حظيت باعتراف دولي سريع، بينما تفتقر المعارضة الإيرانية إلى وحدة تنظيمية وهيكل سياسي متماسك يحظى بإجماع داخلي، فضلاً عن غياب قيادة بديلة تمتلك أدوات الفعل السياسي والميداني، مؤكدة أن هذا الواقع جعل سيناريو تغيير النظام يفتقد للأداة التنفيذية اللازمة، وهو ما حصر خيارات واشنطن في محاولة تعديل سلوك النظام عبر العقوبات، دون امتلاك قدرة فعلية على إسقاطه أو تقويض شرعيته داخليا.

    وتؤكد أن إيران طورت خلال أكثر من أربعة عقود من العقوبات منظومة متقدمة للالتفاف الاقتصادي والسياسي، من خلال ما يعرف بـ" اقتصاد المقاومة"، إلى جانب بناء شراكات استراتيجية مع قوى دولية كالصين وروسيا، ترى في استمرار النظام الإيراني مصلحة استراتيجية لموازنة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، لافتة إلى أن ترامب تعامل مع الملف الإيراني بعقلية التاجر الذي يفترض أن كل الأنظمة يمكن إخضاعها بمنطق الكلفة والعائد، لكنه اصطدم بحقيقة أن طهران ليست مجرد سلطة سياسية قابلة للسقوط بالضغط المالي، بل منظومة أمنية وأيديولوجية وجيوسياسية معقدة تمتلك أدوات واسعة للمناورة والرد، تتجاوز حدودها الجغرافية بكثير.

    ترامب واستخدام النووي في الحربالصراع الأمريكي الإيراني وصل خلال بعض أيام الحرب إلى مراحل كادت أن تحوله لحرب عالمية ثانية، وهو ما كشفه تصريح صادر عن لاري جونسون المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA في 21 أبريل، عندما ذكر عبر وسائل إعلام أمريكية، أن ترامب أراد استخدام الرموز النووية ضد طهران.

    وقال حينها، إن الرئيس الأمريكي أراد استخدام الرموز النووية ضد إيران لكن الجنرال دان كين رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش منعه من ذلك، حيث إن الحادثة وقعت خلال اجتماع طارئ عقد في البنتاجون، متابعا: " إنهم – أي وزارة الدفاع الأمريكية - يدركون وجود بعض المشاكل فيما يتعلق بالحرب مع طهران ويحتاجون إلى معالجتها".

    وأشار إلى أن تقارير وردت تفيد بعقد اجتماع طارئ، وأن أحد المصادر أفاد بأن ترامب أراد استخدام الرموز النووية في البيت الأبيض، والجنرال دان كاين عارض ذلك مستندا إلى سلطته كرئيس للجيش، واصفا المواجهة بين الرئيس الأمريكي والجنرال بأنها كانت حادة وأظهرت صور رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش وهو يغادر الاجتماع مطأطئ الرأس.

    بعدها بيومين، وبالتحديد في 23 أبريل، حسم ترامب الجدل الدائر حول إمكانية استخدام القوة النووية في سياق المواجهة في حرب إيران، مؤكدا استبعاد هذا الخيار بشكل قاطع، قائلا إنه لن يلجأ إلى استعمال الأسلحة النووية، بل وانتقد الر طرح هذا التساؤل واصفا إياه بالغباء، متسائلا عن جدوى استخدام سلاح نووي في الوقت الذي يرى فيه أن الولايات المتحدة قد تمكنت بالفعل من تدمير النظام دون الحاجة للجوء إلى هذا النوع من الضربات غير التقليدية.

    وبسحب بموقع إيران انترناشونال، بلغت الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الإيراني جراء الحرب 270 مليار دولار في 40 يوما، أي ما يعادل حوالي 3000 دولار للشخص الواحد، وفقاً للأرقام الرسمية، ومن المتوقع أن تتزايد الخسائر مع تفاقم الاضطرابات التجارية في ظل الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية.

    وأعلنت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، في 14 أبريل، أن الخسائر الناجمة عن الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية تقدر بنحو 270 مليار دولار، فيما نقلت صحيفة نيويورك تايمز، عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين واثنين من الاقتصاديين، أن التقديرات الأولية أن الأضرار تقدر بـ300 مليار دولار أو أكثر، باستخدام عدد سكان يبلغ حوالي 92 مليون نسمة، فإن التقدير الأدنى البالغ 150 مليار دولار يترجم إلى ما يقرب من 1600 دولار للشخص الواحد، ويرتفع إلى ما يقرب من 3250 دولارا للشخص الواحد بموجب التقدير الأعلى.

    الحرب التي امتدت لنحو 40 يوما، لم تتسبب فقط في خسائر لطهران، بل إن إسرائيل، والولايات المتحدة، تكبدا خسائر كبيرة، فبحسب وسائل إعلام عبرية، أشارت إلى تجاوز عدد المصابين حاجز 7 آلاف شخص، في حين أسفرت الهجمات عن مقتل 31 شخصا، بالإضافة إلى أضرار واسعة طالت البنية العمرانية، شملت تضرر أو تدمير أكثر من 5 آلاف مبنى، إلى جانب إجلاء نحو 6450 شخصا من مناطق مختلفة.

    وعلى الصعيد الاقتصادي، بحسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، سجل ما يقارب 26 ألف طلب تعويض عن أضرار ناجمة عن القصف الصاروخي، بقيمة إجمالية تقدر بنحو 500 مليون دولار، وبحسب تقديرات صحيفة" كالكاليست" العبرية، فإن التكلفة الإجمالية للحرب وصلت إلى نحو 15 مليار دولار.

    أما على الجانب الأمريكي، فتشير البيانات العسكرية الأمريكية إلى خسائر بشرية محدودة نسبيا تمثلت في مقتل 13 عسكريا وإصابة نحو 365 آخرين خلال العمليات المرتبطة بالتصعيد، وذلك وفقا لما تم الإعلان عنه رسميا، فيما كشفت صحيفة" فاينانشال تايمز" إجمالي الإنفاق الأمريكي خلال القتال والذي تراوح بين 22 و31 مليار دولار، بالإضافة إلى خسائر عسكرية مادية، تمثلت في فقدان نحو 17 طائرة عسكرية بين مقاتلات ونقل ومروحيات، إضافة إلى نحو 146 طائرة مسيرة، بما يضيف عبئا ماليا إضافيا يقدر بمليارات الدولارات.

    كما أعلنت دائرة أبحاث الكونجرس في 13 مايو عن قائمة تضم 42 طائرة أمريكية فُقدت أو تضررت حتى الآن خلال الحرب مع إيران، ضمت 4 طائرات من طراز إف-15 إي سترايك إيجل، وطائرة من طراز إف-35 إيه، وطائرة من طراز إيه-10، و7 طائرات من طراز كي سي-135 ستراتوتانكر، وطائرة من طراز إي-3 سينتري أواكس، وطائرتان من طراز إم سي-130 جيه، ومروحية من طراز إتش إتش-60 دبليو، و24 طائرة من طراز إم كيو-9 ريبر، وطائرة من طراز إم كيو-4 سي ترايتون.

    وفي إيران أشارت وكالة" نشطاء حقوق الإنسان هيرانا" إلى أن الغارات الأمريكية والإسرائيلية أسفرت عن مقتل أكثر من 3630 شخصا، بينهم نحو 1700 مدني، و254 طفلا، كما استهدفت الضربات نحو 450 موقعا للصواريخ، و800 منشأة للطائرات المسيرة، و2000 مركز قيادة داخل طهران، إضافة إلى تضرر واسع في البنية العسكرية شمل نحو 90% من الأسطول البحري، و90% من مصانع الأسلحة، و80% من منظومات الدفاع الجوي، و50% من زوارق الهجوم السريع، و95% من قدرات الألغام البحرية، فيما وفي كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن تل أبيب استخدمت خلال حربها 16 ألف ذخيرة خلال العمليات العسكرية، استهدفت ما يقارب 4 آلاف هدف، شملت منشآت عسكرية ومواقع حيوية مرتبطة بالطاقة والصناعة، إضافة إلى الجسور وشبكات السكك الحديدية، في إطار حملة وُصفت بأنها واسعة النطاق من حيث الأهداف والانتشار.

    هنا يؤكد باري دوناديو، الضابط السابق في جهاز الخدمة السرية الأمريكية، أن التحرك العسكري الأمريكي ضد إيران، كان له أهداف استراتيجية واضحة، في مقدمتها تعطيل قدرة طهران على تطوير برنامجها النووي، وتقويض بنيتها الصاروخية الباليستية، وتقليص قدرتها على إدارة نفوذها الإقليمي، خاصة في منطقة الخليج العربي، وهو ما يختلف تماما عن أهداف واشنطن في كاراكاس.

    ويشير في تصريحات خاصة لـ" اليوم السابع"، إلى أن استهداف مراكز القرار العليا داخل النظام الإيراني كان من شأنه فتح المجال أمام إعادة تشكيل المشهد السياسي الداخلي، موضحا أن إضعاف الحلقة القيادية الأولى أدي إلى صعود دوائر قيادية جديدة، ما فرض واقعا تفاوضيا مختلفا بين واشنطن وطهران.

    ويضيف أن بنية النظام الإيراني تقوم على تعدد مستويات القيادة، وهو ما يمنحه قدرة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج نفسه سياسياً وأمنيا، إلا أن الضغط المركب دفع هذه الدوائر إلى مراجعة حساباتها والانخراط في مسارات تفاوضية جديدة مع الولايات المتحدة.

    وفي تقييمه للقدرات العسكرية، يقول دوناديو إن إيران، رغم امتلاكها أدوات ردع غير تقليدية، لا تملك تفوقا بحريا أو جويا مكنها من مواجهة مباشرة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، لافتا إلى أن واشنطن وحلفاءها، وفي مقدمتهم إسرائيل، يمتلكون تفوقا جويا وتكنولوجيا واسعا يمنحهم أفضلية واضحة في أي مواجهة مفتوحة.

    ويوضح أن ميزان القوة التقليدي يميل بشكل واضح لصالح الولايات المتحدة، وهو ما منح واشنطن مساحة أكبر للمناورة والضغط، سواء عبر الأدوات العسكرية أو السياسية، متوقعا ألا يستمر الوضع القائم في إيران على حاله إذا تصاعدت الضغوط إلى مستويات غير مسبوقة، خاصة أن جزءا من استراتيجية الضغط حتى بعد انتهاء الحرب قد يكون موجها لدفع النظام الإيراني إلى إدراك حجم التحولات الاستراتيجية المحيطة به، وإعادة تقييم استمراره بصيغته الحالية.

    ويشير إلى أن أي انتقال سياسي محتمل داخل إيران قد يفتح المجال أمام شخصيات وقوى سياسية من المعارضة الإيرانية في الخارج للمشاركة في مرحلة انتقالية مؤقتة، تمهيدا لعملية سياسية أوسع تتيح للشعب اختيار قيادة جديدة عبر آليات ديمقراطية، مؤكدا أن مستقبل طهران لن يحسم فقط بالقدرة العسكرية، بل بمدى قدرة النظام على التكيف مع الضغوط الدولية، ومدى استعداد الداخل للتعامل مع متغيرات قد تعيد رسم المشهد السياسي في البلاد خلال المرحلة المقبلة.

    انتهاء عهد الضيافة في هرمزهذه الحرب كان لها انعكاسات عديدة إقليميا ودوليا، على رأسها مضيق هرمز، حيث تغيرت سياسة طهران بشأن عبور السفن، ففي 27 أبريل، أعلن رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني إبراهيم عزيزي عن النظام الملاحي الجديد في المضيق، مؤكدا أن عهد الضيافة الذي استمر 47 عاما انتهى وعلى جميع السفن الراغبة في العبور دفع رسوم المروروأضاف خلال خطاب له، أن مضيق هرمز أصبح أحد الركائز الأساسية لقوة إيران، وكل التدابير والاستراتيجيات المتعلقة بالحرب كنا قد خططنا لها مسبقا، متابعا: " نهينا هذه الحرب بنفس الأسلوب الذي أردناه وجعلنا الهزيمة من نصيب الأمريكيين".

    ويوضح الخبير الأمني والدفاعي الأوروبي نيكولاس ويليامز، المسؤول السابق بوزارة الدفاع البريطانية، أن قراءة ترامب للمشهد دفعت نحو مزيد من التصعيد، حيث يرى أنه يحقق مكاسب، وهو ما قد يترجم إلى خطوات أكثر حدة، مثل استهداف البنية التحتية للطاقة في طهران، بينما رد الفعل الإيراني لم يكون محدودا، ولجأت إلى الرد عبر استهداف القواعد والسفن الأمريكية، ما أدى إلى توسيع نطاق الصراع بشكل يصعب السيطرة عليه.

    ويحذر في تصريحات خاصة لـ" اليوم السابع"، من سيناريوهات مفتوحة على مزيد من التصعيد، حيث إن نهاية الحرب لا تبدو قريبة في ظل تعدد العوامل المؤثرة، قائلا: " من الصعب تصور نهاية سريعة لهذا الصراع، خاصة مع وجود قناعات لدى إسرائيل وهي قناعة يتبناها كثيرون داخل الولايات المتحدة بأن هذه اللحظة تمثل فرصة استراتيجية لإضعاف إيران على المدى الطويل، رغم كلفة المواجهة.

    ويقول إن التجربة الأمريكية في فنزويلا اعتمدت بشكل كبير على اختراق الداخل السياسي، ففي كاراكاس، تمكن الأمريكيون من التواطؤ مع نائب مادورو وبعض معاونيه، بل واستخدموا أدوات الضغط والترغيب لإحداث انقسام داخل النظام، في محاولة للإطاحة بالرئيس، وهذا النموذج القائم على تفكيك السلطة من الداخل لم يكن قابلا للتطبيق في الحالة الإيرانية، نظرا لطبيعة النظام الأكثر تماسكا.

    ويوضح المسؤول السابق بوزارة الدفاع البريطانية أنه في إيران، لم تكن هناك إمكانية حقيقية لتقسيم النظام على نفسه، وهو ما جعل أي محاولة لإسقاطه بنفس الأسلوب الذي استخدم في فنزويلا غير واقعية، لافتا إلى أن ترامب استخلص الدرس الخاطئ من فنزويلا، إذ اعتقد أن القوة العسكرية الأمريكية وحدها كافية لحسم المواجهة، لكنه في طهران اكتشف أن الأمر أكثر تعقيدا، وأن موازين القوى ليست كما تصور.

    ويؤكد أن أي انزلاق نحو مواجهة أوسع سيجعل احتواء الأزمة أمرا بالغ الصعوبة، ليس فقط من حيث إنهاء العمليات العسكرية، بل أيضا من حيث إعادة الاستقرار إلى المنطقة، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي في إدارة واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا في المرحلة الراهنة.

    600 سفينة تجارية كبيرة عالقة بهرمزوأعلنت صحيفة" التايمز" البريطانية نقلا عن بيانات ملاحية في 27 أبريل، وجود أكثر من 600 سفينة تجارية كبيرة عالقة في مضيق هرمز، حيث إن ن إيران توجه السفن الحاصلة على إذن بالعبور إلى المرور عبر المياه الإيرانية حول جزيرة لارك، موضحة أن إيران جددت تمسكها بخياراتها الاستراتيجية في مواجهة الضغوط الأمريكية، والمضيق يظل ورقة أساسية في الصراع.

    وفي 30 أبريل، أعلن ترامب، خلال مقابلة مع قناة" نيوزماكس"، أن الحرب التي تقودها الولايات المتحدة على إيران قد انتهت فعليا، لكنه يريد تحقيق نصر بفارق أكبر، متابعا: " لقد ربحنا الحرب بالفعل، لكنني أريد انتصارا بفارق أكبر".

    جاءت تصريحات ترامب مناقضة لإعلان وزير الحرب بيت هيجسيث قبلها بأيام أن الحرب لم تنته، والحصار البحري على الموانئ الإيرانية سيستمر طالما تطلب الأمر ذلك، مع توسيع نطاق العمليات ليشمل المحيطين الهندي والهادئ، بالإضافة إلى اعترافات رئيس هيئة الأركان المشتركة لوزارة الحرب" البنتاجون"، الجنرال دان كين، بأنه رغم الادعاءات بهزيمة القوات البحرية الإيرانية بالكامل، إلا أن جزءا من الزوارق القتالية السريعة التابعة لطهران لا يزال في الخدمة.

    اعتراف البنتاجون بتكاليف الحربفي ذات اليوم نقلت وكالة" رويترز" عن جولز هيرست، المراقب المالي للمشرعين في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأمريكي، تأكيده أن حرب الولايات المتحدة في إيران كلفت حتى الآن 25 مليار دولار، مشيرا إلى أن معظم هذه الأموال خُصصت للذخائر، فيما لم يوضح ما الذي يشمله تقدير التكلفة هذا، وما إذا كان يأخذ في الاعتبار التكاليف المتوقعة لإعادة بناء وإصلاح البنية التحتية للقواعد في الشرق الأوسط التي تضررت في الصراع، فيما قدرت إدارة ترامب الـ 6 أيام الأولى من القتال بالنسبة لواشنطن بما لا يقل عن 11.

    3 مليار دولار.

    وردت الخارجية الإيرانية على هذه التصريحات من خلال بيان صادر عن الوزارة، على لسان وزير الخارجية عباس عراقجي أكد فيه أن مغامرة نتنياهو كبدت الولايات المتحدة خسائر مالية مباشرة تقدر بنحو 100 مليار دولار حتى الآن، لافتا إلى أن الأعباء غير المباشرة التي يتحملها دافعو الضرائب في الولايات المتحدة أكبر بكثير من التقديرات المعلن.

    يظل العامل الاقتصادي العالمي عاملا حاسما في تفسير الفارق بين السيناريو الإيراني والفنزويلي، فطهران تمتلك قدرة مباشرة على التأثير في أسواق الطاقة العالمية، سواء من خلال إنتاجها النفطي أو موقعها الجغرافي المؤثر على حركة التجارة والطاقة، وأي مواجهة كبيرة معها قد تعني اضطرابا واسعا في أسواق النفط والغاز، وارتفاعا في الأسعار، وتأثيرات اقتصادية تتجاوز الإقليم إلى الاقتصاد العالمي كله، لذلك فإن واشنطن، مهما امتلكت من أدوات ضغط، تدرك أن التعامل مع نظام الملالي لا يمكن أن يتم بالآليات ذاتها التي استُخدمت في فنزويلا، لأن حجم المخاطر هنا أكبر بكثير، وحدود التصعيد أكثر خطورة، والنتائج أقل قابلية للتنبؤ.

    في هذا السياق يرى الدكتور سعيد الصباغ، أستاذ الدراسات الإيرانية بكلية الآداب بجامعة جامعة عين شمس ورئيس المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية والتدريب، أن المقارنة بين نمط التعاطي الأمريكي مع إيران وفنزويلا لا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف بين نظامين تعتبرهما الولايات المتحدة مصدر تهديد لمصالحها، بل إن المسألة تتجاوز ذلك إلى اعتبارات جيوسياسية واستراتيجية أكثر تعقيدا.

    ويؤكد في تصريحات خاصة لـ" اليوم السابع"، أن التعامل مع إيران لا يخضع فقط لحسابات الصراع الثنائي بين واشنطن وطهران، وإنما يرتبط كذلك بشبكة أوسع من المصالح الدولية، حيث إن طهران تمثل من منظور استراتيجي، النسق الدفاعي الأول لروسيا الاتحادية، كما أنها تقع ضمن نطاق المصالح الاستراتيجية الحساسة لكل من موسكو وبكين، وهو ما يجعل أي مواجهة أمريكية معها ذات تداعيات تتجاوز حدود الإقليم.

    ويشير إلى أن الخصائص الطبوجرافية الإيرانية تمثل عنصرا دفاعيا بالغ الأهمية، حيث إن الطبيعة الجبلية والتضاريس المعقدة لإيران تجعل من الصعب على أي قوة خارجية تنفيذ عمليات غزو بري أو إنزال عسكري واسع النطاق، بما يرفع من تكلفة أي تحرك عسكري مباشر ضدها.

    ويوضح رئيس المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية والتدريب، أن الولايات المتحدة تدرك جيدا أن أي انخراط عسكري واسع في إيران قد يتحول إلى ما يشبه" الفخ الاستراتيجي"، خاصة في ظل احتمالية استثمار كل من الصين وروسيا لهذا الصراع من أجل استنزاف النفوذ الأمريكي وتقويض ما تبقى من هيبة الانفراد الأمريكي بقيادة النظام الدولي.

    ويؤكد أن حسابات التعامل الأمريكي مع إيران شديدة التعقيد، خاصة أن طهران تقع في ما يمكن وصفه بـ" المنطقة الرمادية" ضمن عملية التحول العالمي في توازنات القوة، حيث لم تعد المعادلات الدولية تُدار بمنطق الهيمنة الأحادية كما كان الحال في العقود الماضية.

    وحول احتمالات تجدد العمليات العسكرية، يرى الصباغ أن المشهد لا يزال مفتوحا على التصعيد، نتيجة ما وصفه بـ" مفاوضات حافة الهاوية" بين الطرفين، موضحا أن الإيرانيين ينظرون إلى أسلوب ترامب في التفاوض باعتباره أداة للإخضاع السياسي وفرض الإرادة الأمريكية، بينما يرى الرئيس الأمريكي أن استخدام أوراق الضغط الجيوسياسية، وفي مقدمتها مضيق مضيق هرمز، يمثل وسيلة لاستخلاص مكاسب استراتيجية.

    ويقول إن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بالصراع الأمريكي الإيراني، بل يمتد إلى معركة أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية، في ظل صراع النفوذ بين القوى الكبرى، بما يجعل أي تصعيد جديد جزءا من معادلة أكبر تتجاوز حدود الشرق الأوسط نفسه.

    كان للصين وروسيا تأثيرا كبيرا في هذه الحرب، تأثير دفع ترامب للتلويح في 11 أبريل بعقوبات اقتصادية قاسية ضد بكين في حال ثبوت دعمها العسكري لإيران، حيث قال حينها: " لا اعتقد أن الصين ستقدم أسلحة للنظام الإيراني"، محذرا من أنها إذا فعلت ذلك، فإن الإدارة الأمريكية ستفرض عليها رسوما جمركية بنسبة 50%.

    وأكدت شبكة" CNN" الأمريكية في 10 أبريل عن مصادر استخبارية أمريكية تأكيدها أن بكين تستعد لشحن أسلحة إلى طهران وسط الهدنة المؤقتة، مشيرة إلى أن معلومات مخابراتية تشير إلى أن الصين تستعد لتسليم شحنة من منظومات الدفاع الجوي الجديدة إلى إيران في غضون الأسابيع القليلة المقبلة، كما تستعد لنقل أنظمة صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف.

    بعدها بأيام ذكر ترامب لشبكة فوكس بيزنس أنه طلب من نظيره الصيني شي جين بينج في رسالة ألا يزود إيران بالأسلحة، والأخير رد بأنه في الأساس لا يفعل ذلك، تلك التصرحات التي تتوافق مع نفي السفارة الصينية في واشنطن تقديم أسلحة لأي طرف من أطراف الصراع الأمريكي الإيراني، قائلة: " المعلومات المتداولة غير صحيحة، وباعتبارها دولة كبرى مسؤولة، تفي بكين باستمرار بالتزاماتها الدولية، ونحث الجانب الأمريكي على الامتناع عن إطلاق ادعاءات لا أساس لها، والربط بين الأمور بشكل ضار، والانخراط في الإثارة؛ ونأمل أن تبذل الأطراف المعنية المزيد للمساعدة في تهدئة التوترات".

    كما خرج الرئيس الأمريكي في 15 أبريل، ليؤكد أن الصين وافقت على عدم تزويد إيران بالأسلحة، قائلا عبر منصته على تروث سوشال: " لقد وافقوا على عدم إرسال أسلحة إلى إيران، بكين سعيدة للغاية بفتح مضيق هرمز بشكل دائم، أفعل ذلك من أجلهم أيضا، ومن أجل العالم أجمع، لن يتكرر هذا الوضع أبدا، لقد وافقوا على عدم إرسال أسلحة إلى طهران".

    وعاد ترامب ليشيد في 5 مايو بوقف الرئيس الصيني من الحرب ووصفه بأنه محترم، لأن بكين لم تتحد الولايات المتحدة، قائلا: " " لقد كان لطيفا جدا – في إشارة إلى شي جين بينج - في هذا الشأن، وكان محترما جدا، فبلاده تستورد كميات كبيرة من النفط الإيراني، وهي إمدادات تعطلت جراء الحرب.

    في 6 مايو، زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بكين، على رأس وفد دبلوماسي، حيث تناول العلاقات الثنائية بين البلدين، وقال خلال الزيارة إن الصين صديق قوي لطهران وتعاوننا سيكون أقوى الفترة المقبلة، كما أعرب عن تقدير بلاده للمواقف الصينية، خاصة فيما يتعلق بانتقاد سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث إن هذا الدعم يعكس قوة الشراكة بين الجانبين في مواجهة التحديات الدولية.

    وتتوقع الدكتورة تمارا برو، الخبيرة في الشؤون الآسيوية، أن الدور الصيني كان أحد العوامل التي أسهمت في عدم تكرار" سيناريو فنزويلا" داخل إيران، والذي كان يمكن أن يقود - وفق تصورات أمريكية - إلى إسقاط النظام وتشكيل سلطة بديلة أكثر قربا من واشنطن.

    وتوضح في تصريحات خاصة لـ" اليوم السابع"، أن هذا العامل لا يمكن اعتباره السبب الوحيد، لكنه يأتي ضمن شبكة معقدة من الأسباب، من بينها الطبيعة الأيديولوجية الصلبة للنظام الإيراني، وما وصفته بـ" العناد السياسي والبرود الاستراتيجي" في التعامل مع الضغوط الخارجية، إلى جانب عنصر داخلي مهم يتمثل في وقوف شريحة واسعة من الشعب الإيراني خلف قيادته خلال فترات التصعيد، خاصة في مواجهة ما تصفه طهران بالعدوان الأمريكي الإسرائيلي.

    وتضيف الخبيرة الآسيوية أن الصين تنظر إلى إيران باعتبارها شريكا استراتيجيا بالغ الأهمية، ليس فقط من زاوية الطاقة، بل أيضا من منظور جيوسياسي واسع، لأن بكين تستفيد من النفط الإيراني بأسعار تفضيلية، كما أن موقع طهران الجغرافي المطل على مضيق هرمز يمنحها أهمية استثنائية، باعتباره ممرا يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية المتجهة إلى التنين الصيني، فضلا عن دوره في حركة التجارة الدولية وموقعه ضمن مشاريع" الحزام والطريق".

    وبحسب برو، فإن هذه الاعتبارات تجعل من غير المرجح أن تتخلى الصين عن إيران، إذ إن استمرار دعمها سواء في الأطر الدبلوماسية أو الإنسانية أو السياسية، وحتى بصورة غير مباشرة في بعض الجوانب يظل متسقا مع مصالحها الاستراتيجية، خاصة في ظل رفض بكين لسيطرة الولايات المتحدة على هذا الملف الحيوي.

    وتشير إلى أن المرحلة الحالية تتسم بحالة ترقب دولي، في ظل محاولات متبادلة للضغط والتفاوض، حيث تسعى واشنطن إلى إنهاء حالة الصراع، بينما تحاول طهران تخفيف الضغوط والشروط المفروضة عليها، في وقت تعمل فيه بكين على دفع الطرفين نحو حلول وسط تحفظ مصالحها وتمنع انفجار الأزمة، مؤكدة أن طهران ستظل في دائرة الاهتمام الصيني، وبكين لن تتخلى عنها بسهولة بالنظر إلى وزنها الجيوسياسي والاقتصادي.

    أما فيما يتعلق بروسيا وعلاقتها بالحرب، فيتضح خلال الاتصال الهاتفي الذي جمع ترامب بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، بعدما حذر الأخير واشنطن من أي حرب برية قد تشنها ضد إيران، هذا الاتصال الذي استمر أكثر من ساعة ونصف، ركز بشكل أساسي على تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، لا سيما الملف الإيراني أكثر من تركيزه على الأزمة بين موسكو وكييف وهو ما يكشف حجم اهتمام الكرملين بملف طهران.

    حينها أكد مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف أن المحادثة كانت صريحة وعملية، والرئيسين أوليا اهتماما خاصا للوضع المتعلق بإيران، حيث اعتبر بوتين قرار ترامب تمديد وقف إطلاق النار مع طهران صائبا، لأنه يتيح فرصة للمفاوضات ويساهم في استقرار الأوضاع، محذرا في الوقت نفسه من أن أي عملية برية أمريكية لأنها ستكون خطيرة.

    وبرز الموقف الروسي كأحد أكثر الملفات تعقيدا وتشابكا داخل المشهد الدولي، حيث لم يتخذ شكل الانخراط العسكري المباشر، بقدر ما اتسم بالدعم السياسي والدبلوماسي والاقتصادي المحسوب، الذي يعكس طبيعة التوازنات الدقيقة التي تحكم سياسة موسكو الخارجية، فموسكو التي تنظر إلى الصراع من زاوية إعادة تشكيل النظام الدولي وتقييد النفوذ الأمريكي، سعت إلى توظيف الأزمة بما يخدم رؤيتها لعالم متعدد الأقطاب، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد ترفع منسوب التصعيد إلى مستويات غير قابلة للسيطرة.

    هذا الدعم لم يكن وليد اللحظة، بل امتدادا لعلاقات استراتيجية تراكمت خلال السنوات الماضية بين موسكو وطهران، خاصة في ملفات الطاقة والتعاون العسكري والتنسيق في بعض ساحات النفوذ الإقليمي، ومع اندلاع الحرب، اتجهت روسيا إلى تبني خطاب سياسي يرفض التصعيد الأحادي، ويدعو إلى ضبط النفس وفتح قنوات تفاوض، في الوقت الذي حافظت فيه على قنوات تواصل نشطة مع القيادة الإيرانية، بما يعزز من قدرة نظام الملالى على امتصاص الضغوط الدولية.

    وفي الوقت ذاته، حرصت موسكو على عدم تقديم نفسها كطرف في المواجهة، بل كقوة توازن تسعى إلى منع انفجار شامل في المنطقة، مع الإبقاء على مساحة مناورة تسمح لها بالاستفادة من انشغال الولايات المتحدة في جبهة جديدة، وهكذا، جاء الدعم الروسي لإيران في إطار" الدعم المحسوب" الذي يجمع بين الرسائل السياسية الواضحة والامتناع عن التورط المباشر، بما يعكس فلسفة السياسة الروسية القائمة على إدارة الأزمات أكثر من خوضها.

    وفي 27 أبريل، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عباس عراقجي في سانت بطرسبرج، حيث قال إن موسكو ستفعل كل ما بوسعها لمساعدة إيران، فيما رحب عراقجي بالدعم الروسي، كما تلقى الزعيم الروسي رسالة من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، وطلب من عراقجي أن يبلغه بأن موسكو تعتزم مواصلة علاقتها الاستراتيجية مع طهران.

    في هذا الإطار، يؤكد سيرجي ماركوف، المستشار السابق للرئيس الروسي، بأن مستوى الدعم الروسي لإيران يظل محدودا للغاية، لافتا إلى أنه لا يمكن وصفه بأنه دعم عسكري مباشر، حيث إن معاهدة الصداقة والتحالف بين موسكو وطهران لا تتضمن أي التزامات عسكرية أو بنودا تنص على تقديم مساعدات عسكرية من الجانب الروسي.

    ويضيف في تصريحات خاصة لـ" اليوم السابع"، أن العلاقات بين البلدين، رغم قوتها، لا تقوم على أساس عسكري، بل ترتكز على أبعاد اقتصادية وسياسية ودبلوماسية، وهذا هو الإطار الحقيقي الذي يحكم طبيعة التعاون بين روسيا وإيران، مشيرا إلى أن طهران لم تكن راغبة في الانخراط في الحرب في أوكرانيا، كما أن موسكو بدورها لم تميل إلى الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، والخط الفاصل في العلاقة بين البلدين يتمثل في كونها تحالفا اقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا أكثر منه تحالفا عسكريا.

    ويوضح أن روسيا تقدم لإيران بعض أشكال الدعم على المستوى السياسي والدبلوماسي، وربما أيضا دعما تقنيا وعسكريا محدودا، بما في ذلك ما يتعلق بالمعلومات الاستخباراتية أو بيانات الأقمار الصناعية، لكنه يشدد على أن طبيعة هذا الدعم غير مؤكدة بالكامل ولا توجد معلومات رسمية دقيقة حوله.

    ويشير المستشار السابق للرئيس الروسي إلى أنه عند سؤال ترامب حول احتمال تقديم روسيا بيانات أقمار صناعية لإيران، جاءت إجاباته في صيغة غير حاسمة، مفادها أن الأمر غير معروف على وجه اليقين، لافتا إلى أن الولايات المتحدة نفسها تقدم مثل هذه المعلومات لأوكرانيا، ما يطرح تساؤلات حول احتمالية قيام موسكو بالشيء ذاته مع طهران.

    ويختتم تصريحاته بأن الدعم الروسي لإيران لا يمثل مشكلة استراتيجية كبرى بالنسبة للولايات المتحدة في سياق يشبه السيناريو الفنزويلي، موضحا أن واشنطن قد لا ترى جدوى من التصعيد المباشر في هذا الملف، خاصة أن أي محاولات أمريكية سابقة لتغيير القيادة في طهران بالقوة أو الضغط الشديد لم تؤد إلى نتائج إيجابية، بل على العكس أدت إلى صعود قوى أكثر تشددا، وهو ما يجعل تكرار هذا السيناريو غير منطقي.

    تطبيق مرصد

    تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

    تعليقات وتحليلات قراء مرصد
    تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
    مصادر موثوقة وشاملة

    احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

    حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

    التعليقات (0)

    لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

    أضف تعليقك