ثانت مينت-يو* - (إندبندنت عربية) 2026/5/28يحذر كاتب هذا المقال من انهيار الأسس التي حافظت على السلام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مع عودة الحروب العدوانية وتآكل فكرة رفض الإمبراطوريات.
ويرى أن الأمم المتحدة فقدت كثيراً من دورها التاريخي كوسيط دولي، مع تصاعد الصراعات وتراجع القيادة الأخلاقية العالمية، مما يهدد بعودة العالم لحقبة الفوضى والقوة العسكرية المفتوحة.
اضافة اعلاناستند السلام المديد، خلال العقود الثمانية الماضية، إلى قناعتين ثوريتين أساسيتين، تمثلت الأولى في عدم قبول حروب العدوان، وتجسدت الثانية بضرورة الانتهاء من الإمبراطوريات.
وصعدت القناعة الأولى مستندة إلى مذابح الحربين العالميتين اللتين قضتا معاً على 100 مليون إنسان.
وجاءت الثانية كخلاصة لقرون عدة من الهيمنة الاستعمارية والصراعات من أجل حق تقرير المصير في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
وأعطى ميثاق الأمم المتحدة الموقع في سان فرانسيسكو خلال حزيران (يونيو) 1945، منصة سياسية لكلتا القناعتين.
ومنذئذ، تجنب العالم حدوث حرب كارثية بين القوى الكبرى.
وأهم من ذلك، أُزيلت الإمبراطوريات الأوروبية العالمية واستُبدل بها نظام جديد مكون من نحو مائتي دولة تتمتع بالسيادة.
وتآزر الإنجازان في التمكن من تحقيق تطورات استثنائية لمصلحة البشرية جمعاء.
وبالتأكيد، شهد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية صراعات عدة شملت حروباً شرسة لإنهاء الاستعمار، وكذلك ترافق النمو الاقتصادي المتصاعد مع اختلالات عميقة في المساواة ودمار للبيئة.
ولكن يبقى هناك واقع لا جدال فيه بالنسبة إلى مليارات البشر يتمثل في أن الأعوام الثمانين الماضية شكلت زمناً للسلام وتصاعد الازدهار والرخاء.
والآن، يشارف ذلك الزمن على النهاية.
وكذلك تتهاوى بسرعة حصون القناعتين التوأمين برفض الحرب ورفض الإمبراطورية.
وتبرز أعراض التهاوي بجلاء.
وخلال الأعوام الأخيرة، تداخلت الحروب المحلية مع صراعات عسكرية بين الدول، مما أحدث معاناة يتعذر قياسها على مئات ملايين الناس.
ودخلت القوى الكبرى نفسها في حروب عدوانية شملت الغزو الروسي لأوكرانيا والحرب المشتركة بين أميركا وإسرائيل ضد إيران.
وتعمل القوى النووية على تحديث ترساناتها وتوسيعها، وانتهت صلاحيات اتفاقات الحد من الأسلحة الاستراتيجية.
وخلال الأعوام الأخيرة، شُنت هجمات عسكرية مباشرة على منشآت نووية.
وتعمل دول كبرى وصغرى على تسليح نفسها بسرعة لم يُشهد نظير لها منذ ثمانينيات القرن العشرين.
وفي أوكرانيا وفلسطين والسودان، وإيران الآن، تبدو الدبلوماسية متخبطة وواهنة.
ومع انتشار الصراعات، باتت جهود الأمم في صنع السلام مفتقدة إلى الفاعلية المجدية.
وثمة تفسير معياري سائد لهذه الأزمة المتصاعدة يرجعها إلى تهاوي ما يُسمى" النظام الدولي الليبرالي" أو المستند إلى القوانين الذي كرسه توافق أعقب نهاية" الحرب الباردة" واستند إلى التفوق الأميركي العسكري والاقتصادي.
ويحمل انكفاء واشنطن عن التحالفات متعددة الأطراف والمؤسسات المرافقة لها، على غرار" الناتو" و" منظمة التجارة العالمية" معنى مفاده بأن النظام الليبرالي العالمي يتهاوى بالتأكيد.
وفي المقابل، يلتبس في ذلك التفسير أمران متباينان بالكامل.
وللتوضيح، لم يأتِ السلام المديد كثمرة من النظام العالمي الليبرالي.
وبطرق وازنة عدة، عمل ذلك النظام على زعزعة أسس القناعتين التوأمين اللتين أرسي عليهما سلام بعد الحربين العالميتين.
وتتمثل الكارثة الكبرى في تخلي دول وشعوب عن قناعتي رفض الحرب ورفض الإمبراطورية، لا بفعل انكفاء الولايات المتحدة، بل نتيجة تآكل القيادة الأخلاقية الدولية والذاكرة الجماعية التي غذت القناعتين معاً.
إنها أزمة خيال ناجمة عن حال نسيان مركبة، لا تقتصر على الحروب والإمبراطوريات وحسب، بل تمتد أيضاً إلى النجاحات الاستثنائية التي حققتها الأمم المتحدة في مجال صنع السلام خلال مراحل سابقة.
وتتمثل الخطوات الأولى الضرورية للانتقال إلى نظام عالمي سلمي جديد، في استعادة ذلك التاريخ المفتقد وإعادة بناء السياسات (والمؤسسات، حينما يتحقق ذلك) التي عملت ذات مرة على وضع القناعتين التوأمين في صلب التفكير السياسي العالمي.
وتزداد أهمية هذا التاريخ المفقود لأن العالم الذي يتشكل اليوم، حيث لا توجد قوة واحدة قادرة على تنظيم السياسة الدولية وفق تفضيلاتها الخاصة، يشبه إلى حد كبير عالم الأمم المتحدة خلال مرحلتها المبكرة (تقريباً ما بين 1955 و1990)، أكثر مما يشبه العقود الثلاثة والنصف الماضية التي هيمنت فيها الولايات المتحدة.
وقد تشكل الحرب الأميركية-الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران نذيراً بصراعات مقبلة، تتخذ شكل حروب بين دول، يحتاج فيها طرف أو أكثر إلى ما بات يعرف بـ" مخرج تفاوضي".
ففي السابق، كانت اللحظات التي تصل فيها أطراف النزاع إلى حال من الإرهاق أو التخوف من التصعيد، من دون أن تجد مخرجاً جاهزاً، هي التي أبرزت الدور المحوري للأمناء العامين للأمم المتحدة، إذ نجحوا مراراً في صياغة مخارج لا تكتفي بإنهاء النزاع، بل تضمن أيضاً صون السلام مستقبلاً من خلال ترسيخ المحظور الأخلاقي ضد الحروب العدوانية، والتأكيد أن زمن الإمبراطوريات يجب ألا يعود.
ومن المستطاع إعادة بناء الأمم المتحدة، غير أن المطلوب لا يقتصر على إصلاحات مؤسسية (على أهمية تحديث تركيبة مجلس الأمن مثلاً) بقدر ما يتمثل في إحياء القناعتين التوأمين: عبر قيادة سياسية مستعدة للدفاع عنهما، وأمين عام جديد يجسد هاتين القيمتين بالفعل، ورأي عام عالمي يطالب مجدداً بعالم يخلو من الحروب والإمبراطوريات.
لقد كان نجاح الأمم المتحدة في صنع السلام سابقاً ممكناً لا لأن مؤسساتها كانت مثالية -إذ لم تكُن كذلك يوماً- بل لأن القناعات التي حركت تلك المؤسسات كانت حية سياسياً، تدافع عنها الدول والشعوب وتعمل على ترسيخها في قلب العلاقات الدولية.
لم تولد الأمم المتحدة باعتبارها مشروعاً ليبرالياً.
فقد جرى تصورها في البداية كامتداد قوي لتحالف زمن الحرب، وآلية للأمن الجماعي تهدف إلى سحق أي عدوان مستقبلي، مع نشر الطائرات القاذفة الأميركية والسوفياتية بصورة مشتركة انطلاقاً من قواعد جوية تنتشر حول العالم، غير أن رؤى أخرى، أكثر اتساعاً، تخيلت الأمم المتحدة كمنظمة تضم أصوات الدول الصغيرة، تعمل مجتمعة على بناء عالم أفضل.
وجاء الميثاق تعبيراً عن تسوية بين هذين الاتجاهين.
وعند توقيعه قبل 81 عاماً، كانت واشنطن وموسكو بدأتا بالفعل تنظران إلى بعضهما بعضاً على أنهما خصمان، وكانتا حريصتين قبل كل شيء على أن تمنع الأمم المتحدة اندلاع حرب عالمية ثالثة.
ومُنح حق" الفيتو" في مجلس الأمن لدول خمس بارزة؛ الصين وفرنسا والاتحاد السوفياتي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، بهدف ضمان ألا تتحول الأمم المتحدة إلى تحالف ضد واشنطن أو موسكو.
وكذلك راهنت الدولتان العظميان على أن الاحتفاظ بالدول كلها ضمن نظام واحد، حتى مع المجازفة بشلله، سيؤدي إلى عدم تكرار الآليات التي أوصلت إلى السقوط في هاوية حرب عالمية، على غرار ما حاق بالمحاولة الفاشلة لصنع منظمة دولية للسلام التي مثلتها حينئذ" عصبة الأمم".
وسرعان ما عانى مجلس الأمن الجمود، إذ فشل مثلاً في منع حرب كوريا.
ومع ذلك، سرعان ما ازدهرت الأمم المتحدة ككل، حين وسع الأمناء العامون أدوارهم ليصبحوا كبار وسطاء العالم.
فخلال أزمة السويس في العام 1956، بادر الأمين العام السويدي داغ همرشولد إلى نشر أول قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة، في خطوة شبه فورية، لتوفير مخرج يحفظ ماء الوجه لفرنسا وإسرائيل والمملكة المتحدة من غزوها المشين لمصر.
وهكذا تجسد دور الأمم المتحدة كأداة لترسيخ القناعة الأولى، أي عدم جواز الحروب العدوانية.
وأخذت الحكومات بالتوجه غريزياً إلى الأمم المتحدة في أوقات الأزمات.
ومثلاً، في لبنان في العام 1958، ساعدت قوة مراقبة شكلها همرشولد في تكوين ظروف مواتية للانسحاب الأميركي من ذلك البلد.
ولربما لم يحُز الأمين العام للأمم المتحدة جيشاً، لكنه امتلك سلطة معنوية كوسيط دولي محايد.
وفي اللحظة نفسها، وُلدت قناعة عن حتمية نهاية الإمبراطوريات.
ووصل ممثلو الدول المستقلة حديثاً في آسيا وأفريقيا، إلى نيويورك في موجات متتالية.
وجاء بعضهم بعد وقت قصير من الانتصار في صراعات دامت عقوداً عدة من أجل الاستقلال.
وبدلت تلك الموجات الأمم المتحدة فصارت أول مؤسسة كونية صنعتها البشرية.
واحتضن ممثلو الدول المستقلة حديثاً ميثاق الأمم المتحدة بحماسة لم يتوقعها مؤلفوه الغربيون، إذ أبدوا إصراراً أن لغته التي تتناول المساواة والكرامة البشرية تنطبق على الشعوب كلها.
وتعاون بعض أولئك الممثلين مع قادة في الولايات المتحدة، وتحدوا كل أنواع التراتبية العنصرية حيثما وجدت.
بالتالي، فإنهم أضفوا حيوية على التطرف الكامن في اللغة التأسيسية لميثاق الأمم المتحدة، وحولوا مبادئه إلى مطالب سياسية.
وفي العام 1960، تمكنت الجمعية العمومية للأمم المتحدة، تحت قيادة الكتلة" الأفرو آسيوية"، من تجاوز المعارضة الغربية الطويلة، ومررت" الإعلان عن ضمان استقلال البلدان والشعوب المستعمرة".
وأفضى ذلك إلى وضع الأمم المتحدة بصورة جماعية، في صف من يقاتلون الإمبراطوريات.
وفي الوقت نفسه، ساندت الدول الجديدة الجزائر في حربها ضد فرنسا من أجل الاستقلال.
لكن رؤيتهم ذهبت أبعد من مجرد إنهاء الإمبراطورية بصيغتها الرسمية.
فالسيادة، في نظرهم، لا يمكن أن تعني ببساطة إنزال علم أوروبي ورفع آخر محله، بل يجب أن تعني حرية حقيقية من التدخل السياسي والهيمنة الاقتصادية الخارجية.
وجادلوا بأن عالماً يقوم على مساواة فعلية بين الدول ذات السيادة هو وحده القادر على توفير أساس مستقر لسلام دائم.
ومن خلال ترسيخ هذه الرؤية ما بعد الإمبراطورية داخل إطار الأمم المتحدة، أسهموا في منع الانزلاق إلى فوضى دولية، وفي صياغة النظام العالمي الذي ما يزال قائماً حتى اليوم.
رأت الدول الجديدة في آسيا وأفريقيا، مثل غانا والهند وإندونيسيا، التي عملت عن كثب في نيويورك مع دول محايدة، كإيرلندا والسويد ويوغوسلافيا، أنه لا مبرر لإبقاء هذا العالم الجديد القائم على مساواة الدول ذات السيادة رهينة تنافس القوى العظمى.
وكذلك عارضت منطق" الحرب الباردة"، إذ تخوفت من أن الأميركيين والروس، إذا انفلتت أدواتهم، سيجرّون العالم بأسره، عاجلاً أم آجلاً، إلى صراعاتهم.
وارتأوا أيضاً أن بروز تهديد الإبادة النووية يفرض تكوين حقبة جديدة من السلام والتعاون الدوليين بالاستناد إلى التساوي في السيادة، كي تكون وحدها وريثة زمن الإمبراطوريات.
وبالتعاون في ما بينها، محضت تلك الدول سلطة معنوية للأمم المتحدة، لم تكُن مستندة إلى أي قوة عظمى، وشكل ذلك تفويضاً سيثبت قدرته على الحسم خلال عقود تالية.
وخلال أزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962، قدم يو ثانت، الأمين العام للأمم المتحدة الآتي من بورما، مخرجاً حيوياً لتلك المشكلة.
وعبر سلسلة من الرسائل العامة والخاصة المتبادلة مع الرئيس الأميركي جون ف.
كينيدي والزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف، إضافة إلى نهوضه بمهمة شخصية للقاء الرئيس الكوبي فيديل كاسترو في هافانا إبان ذروة تلك الأزمة، وضع يو ثانت نفسه في موقع الوسيط المحايد الضروري لخفض التصعيد، ومن دون الحصول على تفويض من مجلس الأمن.
(ثانت هو جدي، وموضوع كتابي الحديث" صانع السلام، يو ثانت والتوق المنسي إلى عالم عادل" ).
وكان لتلقي خروتشوف وكاسترو نداء السلام من الأمين العام للأمم المتحدة، بدلاً من إنذار صادر عن واشنطن، أثر بالغ في تليين المواقف.
وفي غير مناسبة، قاوم كينيدي أعواناً له يدعون إلى العمل العسكري، محاججاً بأنه ينبغي بالولايات المتحدة انتظار" دبلوماسية يو ثانت".
وحينما اقتضت الضرورة القصوى، استطاعت الأمم المتحدة أن تستولد الوقت والمساحة اللازمين للدول الكبرى كي تتحرك وتبعد نفسها من حافة الهاوية.
وتتالت بعد ذلك انتصارات الوساطة، وامتدت من قبرص إلى أندونيسيا.
وفي العام 1965، حينما دخلت الهند وباكستان في حرب على كشمير، طار ثانت إلى عاصمتي البلدين.
ولم يراود الأمين العام أي وهم بأنه يستطيع منع حرب بعد أن باتت موشكة على الاندلاع.
وبدلاً من ذلك، استفاد من ثقة قادة البلدين به، وصاغ معادلة لوقف إطلاق النار، واستطاع أن يحدد بدقة درجة الضغوط التي يجب على مجلس الأمن ممارستها للمساعدة في ذلك.
وبعد ثلاثة أسابيع، حينما تقلصت خيارات المعارك، كان خيار السلام الذي أعدته الأمم المتحدة متأهباً، وشمل انتشاراً فورياً لمراقبين عسكريين بغية منع تجدد الصدامات المسلحة.
وتالياً، وضعت الحرب أوزارها.
لكن اختباراً من نوع آخر برز في الكونغو التي نالت استقلالها في العام 1960، قبل أن تبادر بلجيكا؛ القوة الاستعمارية السابقة، خلال أيام، إلى ما وصفته بـ" تدخل إنساني"، وتمضي في فصل إقليم كاتانغا الغني بالمعادن تحت حكم نظام عنصري ينادي بتفوق العرق الأبيض.
وسرعان ما شاركت قوات المنادين بتلك العنصرية في عملية إطاحة ثم قتل رئيس الوزراء الكونغولي المنتخب باتريس لومومبا.
هنا، دفع ثانت باتجاه تدخل عسكري، وحشد قوة أممية تحت قيادة هندية قوامها فرق أفريقية وهندية وسويدية وإيرلندية، استطاعت دحر قوات نظام التفوق العرقي الأبيض في وقت مبكر من العام 1963.
وفي تلك الحالة، أدى التصرف الصارم من الأمم المتحدة إلى تعزيز بالممارسة العملية لموقف تلك المنظمة من الإمبراطوريات.
وفي المقابل، شرع موقف واشنطن حيال تكوين الأمم المتحدة في التبدل سلبياً.
ووضع ثانت الحرب في فيتنام ضمن القتال من أجل تقرير المصير، ولم يُدرجها ضمن" دومينو الحرب الباردة".
وبذل جهوداً من دون الحصول على تفويض من مجلس الأمن لأداء دور الوسيط في المحادثات بين الولايات المتحدة وفيتنام الشمالية.
وأثارت تلك الأمور حفيظة واشنطن.
وبداية من العام 1967، أدت محاولاته للتوصل إلى سلام في الشرق الأوسط يتضمن انسحاب إسرائيل الكامل من المناطق المحتلة، إلى تغذية الانطباعات بأن الهيئة الدولية منحازة ضد الدولة اليهودية.
وبدءاً من أواخر ستينيات القرن الماضي، دعمت الأمم المتحدة، رغم الاعتراضات الغربية، حركات التحرر في مواجهة الأنظمة الاستعمارية وأنظمة التفوق العنصري في جنوب أفريقيا وما حولها.
كذلك دفعت باتجاه إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، في مسار بلغ ذروته بإعلان العام 1974 حول" نظام اقتصادي دولي جديد" الذي طالب بشروط أكثر عدلاً للتجارة ونقل التكنولوجيا والسيطرة على الموارد الطبيعية، في رؤية تستهدف تحفيز النمو وتقليص الفوارق على المستوى العالمي.
وفي تلك الآونة، بدأت رؤية مختلفة عن المستقبل بالترسخ في واشنطن وعواصم غربية أخرى.
رؤية ترى أن الاتحاد السوفياتي هزم وأن العولمة الاقتصادية ترتكز على الأسواق الغربية، وأن للأمم المتحدة المستقلة والفاعلة مكانة ضئيلة.
وفي العالم الاستعماري السابق، أخذ المسار العام يسير على عكس التيار السابق.
واختفى من المسرح العالمي جيل من الزعماء الدوليين الذين قادوا حقبة ما بعد الاستعمار على غرار رئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو والرئيس الغيني كوامي نكروما والرئيس الإندونيسي سوكارنو.
ومن جاكرتا إلى أكرا إلى سانتياغو (تشيلي)، حدثت سلسلة من الانقلابات العسكرية اليمينية (وحظيت بدعم الولايات المتحدة في الغالب)، أطاحت ببعض الحكومات الأكثر التزاماً برؤى ما بعد الإمبراطوريات الاستعمارية.
ومع تصاعد العداء الأميركي وتراجع دور قيادات العالم النامي خلال ثمانينيات القرن الماضي، واصلت النسخة المبكرة من الأمم المتحدة، رغم تهميشها، البقاء والنضوج.
واستناداً إلى عقود من الخبرة المشتركة، بذل الأمين العام خافيير بيرز دي كويار، الآتي من البيرو، وفريقه من الوسطاء، جهوداً صبورة لبناء إطار عمل سيفضي في العام 1988 إلى وضع نهاية للحرب بين إيران والعراق.
وخلال تلك الأعوام نفسها، استطاعت تلك الثلة التوسط في التوصل إلى تسويات معقدة في أفغانستان وكمبوديا والسلفادور وموزامبيق وناميبيا وغيرها، مما مهد المسرح العالمي للتوصل إلى نهاية" الحرب الباردة".
وبحلول أوائل تسعينيات القرن العشرين، كانت الأمم المتحدة أسهمت في صون" السلام الطويل" من خلال أكثر من 12 تدخلاً لصنع السلام، فضلاً عن دورها في ترسيخ نظام ما بعد الإمبراطورية القائم على الدول ذات السيادة.
وساعدت العالم أيضاً في تفادي بديل كارثي تمثل في حروب استقلال أكثر دموية، تغذيها الحدود المصطنعة التي خلفها الاستعمار، كان يمكن أن تنزلق إلى صراع شامل لا يمكن تصوره، وربما إلى حرب نووية.
ولم يكُن نجاح الأمم المتحدة نتاج قوة واحدة أو أيديولوجيا بعينها، بل ثمرة القناعتين المترافقتين؛ رفض الحرب ورفض الإمبراطورية، اللتين تجسدتا من خلال عمل أول مؤسسة تمثل شعوب العالم كافة.
وفي الأعوام التالية، حدثت عملية إعادة تشكيل للأمم المتحدة، بدأت هذه المرة مع نهاية" الحرب الباردة" وصعود الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة.
وبُني ما أطلقت عليه تسمية" النظام العالمي الليبرالي" عقب انهيار الاتحاد السوفياتي بالتمحور حول القوة الاقتصادية المطلقة لواشنطن، وتفوقها العسكري كذلك.
ووصلت الأمم المتحدة إلى مستويات مرتفعة جديدة لكنها غالباً ما ظهرت كسند غير مريح للوضعية الدولية الجديدة.
وتلاشت صورة الأمم المتحدة كوسيط بين الدول لمصلحة تدخلاتها في الحروب الداخلية.
وأُطيح برؤية" العالم الثالث" المنادية بنظام اقتصادي عالمي جديد يتضمن منظومة تبادل دولية أكثر عدالة، وبرزت صورة معونات التنمية وتخفيض الفقر بوصفهما هدفين صاغتهما أجندات المانحين الغربيين.
كذلك باتت السيادة مفهوماً مشروطاً وعرضاً للتجاهل تحت مسمى" حقوق الإنسان والحاجات الإنسانية"، عبر عمليات مسلحة على غرار ما حدث مثلاً في هاييتي والصومال ويوغسلافيا السابقة، مما أرسى سوابق جديدة في هذا الإطار.
ولم تكمن المسألة في الطموح، إذ إن إنهاء الحروب الأهلية وتعزيز حقوق الإنسان يتماشيان بالكامل مع مبادئ الميثاق التأسيسي للأمم المتحدة.
ولكن، أثناء عقود سابقة، دافعت الدول المستقلة حديثاً بشراسة عن مبدأ أساس في الأمم قوامه عدم التدخل.
ويُعد ذلك المبدأ تجسيداً للقناعة في شأن مناهضة الإمبراطوريات.
ومع تصاعد عدد التدخلات التي أجازها مجلس الأمن بعد الحرب الباردة، من الصومال في العام 1992 إلى ليبيا في العام 2011، حتى عندما جاءت رداً على فظائع أو انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، برزت أخطار تحول المنظمة إلى أداة لإسقاط القوة الأميركية، بدلاً من كونها إطاراً لحماية مبادئ عالمية.
وضمن ذلك السياق، تآكل تدريجاً مبدأ مناهضة الإمبراطوريات الذي دافعت عنه الأمم المتحدة في السابق.
وسدد الغزو الأميركي للعراق ضربة مباشرة إلى القناعة التي تقضي بمنع الحروب العدوانية.
ومع غزو روسيا لأوكرانيا، تهاوت بالفعل القناعتان التوأمان، وكذلك تلاشى الدور البارز للأمناء العامين للأمم المتحدة كوسطاء بين الدول.
واليوم، فإن" النظام الدولي الليبرالي" ذاته الذي تشكل في أعقاب الحرب الباردة، آخذ في التراجع.
فقد أدارت الولايات المتحدة ظهرها لتحالفات كانت تمثل ركائز هذا النظام، كما أن هذا الأخير لم يصمم أصلاً لاستيعاب صعود قوى غير غربية، وفي مقدمتها الصين.
وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، تُركت الأمم المتحدة من دون بوصلة واضحة، وتواجه اليوم ضغوطاً مالية حادة، في وقت يكاد سجلها السابق في صنع السلام أن يُطوى في غياهب النسيان.
الماضي يصلح لبناء المستقبلالمطلوب اليوم هو إعادة القناعتين الأصليتين؛ رفض الحرب ورفض الإمبراطورية لقلب السياسة العالمية.
فهاتان القاعدتان ليستا مجرد طموحين مثاليين، بل تمثلان الركيزتين الأساسيتين للفترة الوحيدة في تاريخ البشرية التي شهدت سلاماً عالمياً حقيقياً.
وهما تحتاجان إلى دفاع عاجل، حازم وواضح.
وما يكتسي أهمية ليس" التعددية" في حد ذاتها، إذ يمكن أن تكون حيادية من ناحية القيم وتُستخدم لخدمة أي أجندة، بل الأفكار التي ينبغي أن تخدمها أنواع التعاون الدولي.
أما إصلاح الأمم المتحدة، فرغم أهميته، إلا أنه يأتي في المرتبة الثانية، لأن المؤسسات لا تعكس إلا السياسة التي تبعث فيها الحياة.
وتؤكد اللحظة الراهنة مدى إلحاح تحويل هذه الأفكار إلى واقع عملي من جديد.
ولتحقيق ذلك، ثمة ثلاثة شروط أساسية.
أولاً، ينبغي أن تكون هناك مجموعة من الحكومات من مختلف مناطق العالم مستعدة للعمل على أعلى المستويات للدفاع عن القناعتين، والإصرار على أن توجه هاتان القاعدتان الاستجابات الدولية للنزاعات والأزمات.
ويتمثل الثاني بضرورة أن يتحلى الأمين العام المقبل للأمم المتحدة، الذي سينتخب خلال الأشهر المقبلة، بالشجاعة والابتكار بما يكفي للانغراس بنفسه أو بنفسها في الصراعات الأشد خطورة، مع إظهار أن العمل الجريء الذي برز أثناء جهود الماضي لإحلال السلام ما يزال مستطاعاً.
وبصورة مؤكدة ومطلقة، لم تتأتّ نجاحات الأمناء العامين السابقين من جهودهم الشخصية المحضة.
وقد اعتمدوا في تلك النجاحات على رغبة القوى الكبرى في ضمان وجود الحد الأدنى من الهامش أمام الأمم المتحدة للتحرك والمناورة، إضافة إلى سعي قادة من دول أخرى، كبيرة وصغيرة، إلى استثمار رأسمال سياسي أصيل في تلك المنظمة.
ولربما فاقت الإخفاقات النجاحات حينها، لكن الجهود النشطة للأمين العام التالي في تبديد الصراعات وإنهائها قد تفضي إلى بداية الانتقال إلى ما تعتقد الدول بأنه قابل للتنفيذ، وما يراود خيال الجمهور العالمي العام حيال ذلك.
ثالثا، وهو الأهم، ينبغي على الحكومات والشعوب استعادة الذاكرة التاريخية لكوارث الحروب والإمبراطوريات، ولما حققته الأمم المتحدة خلال مراحلها الأولى.
فمن دون هذه الذاكرة، سيغدو أي مسعى جاد للتجديد مستحيلاً.
لقد كان هناك زمن جلس فيه حول طاولة مجلس الأمن الدولي أشخاص خبروا بأنفسهم تجارب الحرب الشاملة أو الإذلال الاستعماري، فلم يكونوا بحاجة إلى تذكير بهول تلك التجارب.
وكان يفترض أن تخلف رحيل ذلك الجيل عملية نقل ثقافي تحفظ هذه الذاكرة عبر السرديات التي ترويها المجتمعات عن نفسها، بما يبقي القناعتين حيتين، غير أن هذا الانتقال تعثر.
فالحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال، غالباً ما تُقدم في السرديات الغربية على أنها نصر تاريخي، ونادراً ما يُستعاد حضورها بوصفها كارثة طاحنة ألقت بقوى صاعدة وإمبراطوريات آيلة بالأفول في أتون غير مسبوق من الدمار.
وفي معظم ما ينشر في الغرب والإعلام والتعليم العالي، يجري تجاهل شبه كلي للمراحل المبكرة من تاريخ الأمم المتحدة، خصوصاً الدور المحوري الذي نهضت به الدول غير الغربية في صياغة شكل عالم ما بعد الاستعمار.
وفي الغالب، يخدم هذا التجاهل سرديات مؤطرة حول صراع الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي.
أما الإشكال الأعمق، فهو ثقافي في جوهره: إذ تبدو قصص الصراع بين الأبطال والأشرار أكثر جاذبية من حكايات الوساطة والتسوية.
وحتى في الجنوب العالمي، تشرّب كثرٌ نسخة أحادية عن الماضي الذي مُحيت منه الفصول الأكثر أهمية عن شعوبهم بالذات.
وبلغ طمس ذاكرة الأمم المتحدة المبكرة حداً أنه في منتصف التسعينيات، أخطأ القائمون على تفريغ تسجيلات جون كينيدي خلال أزمة الصواريخ الكوبية في فهم الإشارة إلى" مبادرة يو ثانت"، فكتبوها على نحو ملتبس.
وبالطبع، إن الحرب ليست بعيدة عن كل شخص اليوم.
ولحق الدمار بحيوات ملايين الناس حول العالم جراء صراعات جرت خلال الآونة الأخيرة.
وفي المقابل، حدث معظم ذلك الدمار خارج الدول الغنية حيث تتخذ القرارات المهمة والحاسمة.
وتشمل استثناءات ذلك الوصف رجالا ونساء من الولايات المتحدة قضوا أثناء تأدية خدمتهم في العراق وأفغانستان، وبوضوح، أعربت مجموعة من عائلاتهم عن رغبتها في ألا ترى بلادها منتظمة في حرب من اختيارها، غير أن هذه الرغبة تبدو منفصلة عن سردية المؤسسة نفسها التي أنشأتها بلادهم والتي نجحت يوماً في منع مثل هذه الحروب، وقد تملك القدرة على منعها مرة أخرى.
وعلى امتداد العالم، ما تزال الرغبة في قيام عالم خالٍ من الحروب والإمبراطوريات قائمة، تنتظر من يحشد لها ويمنحها صوتاً سياسياً جديداً.
وتبقى هاتان القناعتان الأساس الأكثر رسوخاً لبناء هندسة سلام جديدة لبقية القرن الحادي والعشرين.
إن استعادة تلك الذاكرة وتجديد القيادة العالمية يشكلان اليوم المهمة الأكثر إلحاحاً في السياسة الدولية.
*ثانت مينت-يو: زميل بارز في" مؤسسة الأمم المتحدة" ومؤلف كتاب" صانع السلام، يو ثانت والتوق المنسي إلى عالم عادل".
المقال مترجم عن مجلة" فورين أفيرز" حيث نُشر في 21 أيار (مايو) 2026.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك