إذا كان التاريخ الحديث قد عرف أحزاباً كثيرة رفعت شعارات الوطنية والاستقلال والتنمية، فإن الحزب الشيوعي الصيني يظل أعظم حزب وطني نجح في تحويل شعاراته الوطنية إلى واقع حقيقي ملموس، فبينما رفع الكثير من الأحزاب في العالم الثالث شعارات وطنية جوفاء لم تنتج سوى القهر والفقر والديكتاتورية، نجح الحزب الشيوعي الصيني في بناء دولة وطنية لا مثيل لها في التاريخ الحديث.
فمنذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 لم يكن أمام الحزب سوى بلد محطم، منهك بالحروب الأهلية والاحتلالات الأجنبية والفقر والتخلف.
كانت الصين آنذاك أشبه بعملاق جريح تتنازع جسده القوى الأجنبية، ويُنظر إليها بوصفها دولة متأخرة متخلفة لا تملك مقومات المنافسة حتى مع جيرانها.
لكن ما حدث بعد ذلك يُعد من أعظم التحولات السياسية والاقتصادية في تاريخ البشرية بامتياز.
لقد ورث الحزب الشيوعي الصيني بلداً فقيراً وممزقاً، وسلم للعالم بعد عقود قليلة دولة تنافس الولايات المتحدة على قيادة النظام الدولي.
وبين المشهدين تقف قصة نجاح تكاد تكون بلا مثيل.
فخلال أقل من خمسة وسبعين عاماً انتقلت الصين من الهامش إلى دائرة النفوذ الأولى في العالم، ومن التبعية إلى الاستقلال الكامل في القرار الوطني، لا بل راحت تشق مشروعاً دولياً عز نظيره، وهو مشروع «الحزام والطريق» الذي سيخترق العالم من أقصاه إلى أقصاه.
إن أعظم ما يميز الحزب الشيوعي الصيني ليس مجرد نجاحه في البقاء في السلطة، بل نجاحه في جعل نهضة الصين هدفاً مقدساً لا يخضع للمساومات السياسية ولا للمصالح الضيقة.
فبينما انشغلت أحزاب كثيرة في العالم الثالث بالصراعات الداخلية والشعارات الفارغة، كان الحزب الشيوعي الصيني يبني المصانع والجامعات والموانئ والطرق وشبكات القطارات فائقة السرعة.
وبينما غرقت أنظمة كثيرة في الفساد والفوضى والتبعية للخارج، كان الحزب يرسم خططاً تمتد لعقود من أجل تحويل الصين إلى أعظم قوة اقتصادية وصناعية في العالم.
يكفي أن نتأمل الأرقام لندرك حجم المعجزة.
ففي عام 2001 كانت الصادرات الصينية تقدر بنحو 250 مليار دولار فقط، أما اليوم فقد تجاوزت ثلاثة تريليونات ونصف التريليون دولار.
هذه ليست مجرد أرقام اقتصادية، بل شهادة تاريخية على نجاح مشروع وطني هائل استطاع أن يحول مئات الملايين من البشر من الفقر إلى الطبقة الوسطى، وأن يجعل عبارة «صنع في الصين» حاضرة في كل بيت وكل سوق وكل دولة على وجه الأرض.
لقد أثبت الحزب الشيوعي الصيني أن الوطنية ليست خطابات حماسية، بل قدرة على بناء القوة.
والوطنية ليست أناشيد وشعارات، بل مصانع ومختبرات وجامعات وتكنولوجيا متقدمة.
والوطنية ليست ادعاء مقاومة الهيمنة الأجنبية، بل امتلاك القوة الكافية لفرض الاحترام على العالم.
ولهذا استطاعت الصين أن تتحول من ضحية للاستعمار إلى منافس لكل القوى التي كانت تتعامل معها يوماً بوصفها دولة ضعيفة.
ولعل أكثر ما يثير الإعجاب في تجربة الحزب الشيوعي الصيني هو قدرته على التفكير الاستراتيجي الطويل المدى.
فبينما تغيرت الحكومات والأحزاب في دول كثيرة عشرات المرات دون تحقيق إنجازات حقيقية، حافظ الحزب على رؤية متماسكة هدفها الأول والأخير هو تعزيز قوة الصين ومكانتها.
ولذلك لم يكن غريباً أن تصبح الصين رائدة في الذكاء الاصطناعي والاتصالات وصناعة السلاح والطاقة المتجددة والتصنيع المتقدم واستكشاف الفضاء.
إن أعظم ما يميز الحزب الشيوعي الصيني ليس مجرد نجاحه في البقاء في السلطة، بل نجاحه في جعل نهضة الصين هدفاً مقدساًلقد نجح الحزب في تحقيق ما كان يبدو مستحيلاً.
فقد انتشل مئات الملايين من الفقر، ووحد بلداً ضخماً يتجاوز عدد سكانه المليار نسمة، وبنى أكبر قاعدة صناعية في التاريخ، وأقام بنية تحتية تثير إعجاب العالم، وجعل الصين رقماً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة اقتصادية أو سياسية دولية.
وهذه الإنجازات لم تأت نتيجة موارد طبيعية استثنائية، بل نتيجة إدارة فعالة وإرادة سياسية صلبة وانضباط تنظيمي نادر.
ومن اللافت أن الحزب الشيوعي الصيني لم يسمح بأن تتحول الصين إلى دولة تابعة للمراكز الغربية التقليدية للقوة.
فقد حافظ على استقلال القرار الوطني، ورفض الخضوع للضغوط الخارجية، وأصر على أن تحدد الصين مستقبلها بنفسها.
وهذا ما جعل التجربة الصينية رمزاً للسيادة الوطنية والثقة بالنفس والإيمان بقدرة الأمة على صناعة مصيرها.
إن كثيراً من الدول حصلت على استقلالها قبل الصين بعقود طويلة، لكنها ما زالت تعاني الفقر والتخلف والاضطراب السياسي.
أما الصين فقد أثبتت أن امتلاك قيادة وطنية تمتلك رؤية واضحة وإرادة قوية يمكن أن يغير مصير أمة بأكملها.
ومن هنا يرى مؤيدو الحزب الشيوعي الصيني أن نجاحه لا يقاس فقط بحجم الاقتصاد أو عدد المصانع أو قوة الجيش، بل بقدرته على إعادة الاعتزاز لأمة عريقة كانت قبل عقود قليلة توصف بأنها رجل آسيا المريض، فأصبحت اليوم أحد أعمدة النظام العالمي.
، لا بل باتت تنافس على قيادة العالم.
لقد كتب الحزب الشيوعي الصيني فصلاً استثنائياً في التاريخ الحديث.
فقلما نجد حزباً استطاع أن يقود بلداً من الضعف إلى القوة، ومن الفقر إلى الازدهار، ومن التبعية إلى الاستقلال، بهذا القدر من السرعة والحجم والاستمرارية.
ولهذا فإن من ينظر إلى حصيلة الإنجازات بعيداً عن الجدل الأيديولوجي قد يجد نفسه أمام تجربة وطنية فريدة لا سابق لها، وتجسيد حي لفكرة أن الإرادة السياسية المنظمة قادرة على صنع المعجزات.
وإذا كانت الأمم تقاس بقدرتها على النهوض من الأزمات وصناعة مستقبلها بيدها، فإن الحزب الشيوعي الصيني قد قدم للعالم واحداً من أعظم دروس النهضة الوطنية في التاريخ المعاصر، وأثبت أن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بالشعارات الفارغة والأغاني الوطنية الحماسية التي هيمنت على الأحزاب العربية المماثلة، بل بما يُبنى وينجز ويُحقق على أرض الواقع.
تمسكنت في البداية باتخاذ حيوان الباندا الكسول المسالم شعاراً لها، لكن الصين كانت تطمح دائماً لأن تكون تنيناً عظيماً.
وهذا ما حصل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك