في معرضه الجديد «إنزاك.
العلامات والرموز الدلمونية»، الذي افتتح مؤخرًا في «أبعاد جاليري»، يواصل الفنان والباحث محمود عبد الصاحب بقلاوة اشتغاله على الإرث الدلموني، مستحضرًا عبر اللوحة والمنحوتة جانبًا من الذاكرة الحضارية الأقدم في الخليج العربي، وما تختزنه من رموز، وأختام، وكتابات، ومعتقدات، شكلت على مدى آلاف السنين جزءًا من البنية الفكرية والجمالية للإنسان الدلموني.
ففي الأزمنة السحيقة، حين كانت مياه الخليج العربي جسرًا مائيًا بين وادي الرافدين ووادي السند، وحين كانت أرض البحرين القديمة تشكل عقدةً حضارية للشرق القديم، تشكلت دلمون كواحدةٍ من أقدم البنى الحضارية التي أنتجت الإنسان، والرمز، والأسطورة، والطقس، والكتابة، والتجارة، والخيال الديني.
حضارةٌ عُرفت بوفرة آثارها، وبما تختزنه من منظومة فكرية وجمالية انعكست في الأختام، والمدافن، والمعابد، والفخاريات، والرموز التي بقيت شاهدةً على وعيٍ إنساني مبكر، استطاع أن يختزل رؤيته للعالم في إشارات صغيرة، كثيفة الدلالة.
هذا العمق الحضاري، دفع الباحث الدكتور عبد العزيز صويلح، في كتابه «دلمون مملكة الحضارة»، للتأكيد بأن «مملكة دلمون واحدة من أقدم وأعرق الحضارات في التاريخ»، وهي حضارةٌ شكلت مركزًا ثقافيًا وروحيًا، امتلك خصوصيته، وأنتج لغته البصرية، وفرادته الرمزية، ووعيه المتصل بالحياة والمقدس والطبيعة.
ومن هذا الإرث الحضاري، يستلهم بقلاوة أعمال معرضه، مواصلاً الاشتغال ما بدأه الفنان الراحل راشد العريفي على الموروث الدلموني، وما يتصل به من شواهد أثرية، وعلامات ميثولوجية، ورموز بصرية، ضمن تجربة تشكيلية تنفتح على التاريخ، والأنثروبولوجيا، والبعد الميثولوجي، وتستعيد العالم الدلموني بكثافته الفكرية والروحية داخل فضاء اللوحة والمنحوتة المعاصرة.
إنزاك.
استدعاء المقدس الدلمونييحمل عنوان المعرض بعدًا دلاليًا، مستحضرًا «إنزاك»، الإله المرتبط بدلمون في النصوص المسمارية، كمركز رمزي لعلاقة الإنسان الدلموني بالمقدس، وبالمخيلة الاعتقادية التي تشكلت في حضارات الخليج القديم، فذلك الإله الذي ارتبط بأرض الخليج، والخصب، والطبيعة، يحضر في اشتغالات بقلاوة كمحورٍ بصري تتولد حوله العلامات، والأختام، والإشارات، والشخوص، ضمن تكوينات تستدعي سردية دلمونية متشظية، تتكئ على الأثر، وتستعيد أصداءه داخل الاشتغال الفني.
لا تبدو الأعمال معنية بإعادة تمثيل الماضي على نحوٍ توثيقي، بقدر ما تنشغل بتفكيك البنية الرمزية التي أنتجها الإنسان الدلموني، والبحث في كيفية تحوله من كائن يمارس الحياة اليومية، لكائنٍ يختزل العالم في علامة، والاعتقاد في رمز، والذاكرة في أثر صغير محفور على ختم، أو مشغول على فخارية، أو متجسد في هيئة ثور، أو تكوين نباتي، أو طقس جنائزي.
ومن هذه الشواهد البصرية والرمزية، يعيد بقلاوة توظيف مفردات الإرث الدلموني داخل بناءٍ تشكيلي يستحضر امتداد الحضارة، وأصداءها الفكرية والجمالية في فضاء اللوحة المعاصرة.
العلامة بوصفها وعيًا حضاريًافي هذا المعرض، تتحول العلامة الدلمونية لبنية فكرية، فبقلاوة، الذي اشتغل طويلاً على دراسة الأختام والكتابات المسمارية واللقى الأثرية، يتعامل مع الرمز كاختزال لوعي الإنسان القديم، ولهذا تتجاور في الأعمال إشارات متعددة، رؤوس الثيران، الشخوص، الخطوط المستوحاة من المسماريات، الأختام الدائرية، والعناصر النباتية، ضمن فضاءات لونية، يمنح اللوحة إحساسًا بطبقات الزمن.
وتكشف هذه الأعمال عن إدراك بقلاوة لكون الحضارات تُقرأ عبر تفاصيلها الصغيرة، تلك العلامات التي كان الإنسان القديم يختزل فيها خوفه، ومعتقده، وعلاقته بالطبيعة، وممارساته اليومية.
فالأختام الدلمونية، مثلاً، تحضر باعتبارها صفحات أنثروبولوجية، تكشفُ شكل المجتمع، وبنيته، ووعيه الرمزي، وأشكال تواصله مع العالم.
بين البحث الأثري والاشتغال التشكيليلا تنفصل تجربة بقلاوة الفنية عن اشتغاله البحثي في التاريخ والتراث الدلموني، وهو ما يمنح أعماله خصوصية، تقوم على المعرفة.
فمنذ سنوات، يواصل إعادة قراءة دلمون عبر الكتب، والمحاضرات، وإعادة صناعة اللقى، ودراسة الكتابات القديمة، وصولاً لاشتغاله على إعادة بعث «القيثارة الدلمونية»، والذي انجزها في السنوات الماضية، ضمن اشتغالٍ متكامل على الإرث الدلموني.
هذا الاشتغال الفني والمعرفي والتجريبي، يتسرب بوضوح إلى اللوحات، التي تبدو أحيانًا كأنها خرائط رمزية لعالم دلموني متخيل، أو كشواهد أثرية أعيد تشكيلها بصريًا.
كما تمنح الخلفيات اللونية، وتراكم الطبقات، والأثر الخشن لبعض الأعمال، إحساسًا بأن اللوحة ذاتها خرجت من طبقات الأرض، ومن الذاكرة السحيقة للحضارة.
ويبدو بقلاوة معنيًا بإيجاد صلة معاصرة بين المتلقي والرمز الدلموني، عبر تحريره من حضوره المتحفي الجامد، وإعادته للتداول البصري والفني، كجزءٍ من الهوية الثقافية والذاكرة الحضارية للبحرين والمنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك