كتب الناقد البحريني عباس علي رضي، مؤخرًا، دراسة في 200 صفحة بعنوان (قراءة نقدية لقصة شفق الخمسين للقاص البحريني جعفر الديري دراسة هرمنيوطيقية ظاهراتية في تشكّل الذات والذاكرة والزمن)، تناولت نص «شفق الخمسين» للقاص جعفر الديري، المنشور في صحيفة الأيام العدد 13565 الجمعة 29 مايو 2026.
وعرض رضي، لنص شفق الخمسين، بوصفه تجربة سردية وجودية تنتمي إلى أدب الذاكرة والتأمل الإنساني، مع اعتماد مقاربة هرمنيوطيقية ظاهراتية ذات خلفية فلسفية متأثرة بتقاليد التأويل عند هايدغر وغادامير وريكور، وبالحساسية الجمالية للمكان والذاكرة عند باشلار.
وقال رضي: «إن الدراسة تنطلق من فرضية أساسية مفادها أن النص لا يقتصر على استعادة الطفولة أو تسجيل الذكريات، بل يعيد بناء التجربة الإنسانية عبر الوعي بالزمن والأثر والفقد، بحيث تتحول الذاكرة إلى وسيلة لفهم الهوية ومقاومة التلاشي الوجودي».
وقد كشفت الدراسة أن البنية العميقة للنص تقوم على جدلية الحضور والغياب، حيث تُستعاد الشخصيات والأمكنة والأشياء بوصفها آثارًا وجودية أكثر من كونها وقائع تاريخية.
فالطفولة في العمل ليست مرحلة زمنية منتهية، بل طبقة أنطولوجية مستمرة داخل الذات، والبيت يمثل رحمًا أوليًا للهوية، والمكتبة تتحول إلى فضاء لولادة الوعي، بينما يغدو الشفق استعارة مركزية للأفول الهادئ والضوء المتبقي من العمر.
كما بيّنت الدراسة أن الزمن في النص زمن داخلي شعوري، لا زمن كرونولوجي تقليدي، وأن السرد يتحرك وفق إيقاع الذاكرة والتداعي التأملي أكثر من تحركه وفق الحبكة الكلاسيكية.
ولهذا تغيب الصراعات الحادة والبنية الدرامية التصاعدية لصالح هيمنة التأمل والحنين والوعي بالفناء.
وقد اعتُبر هذا الخيار الجمالي منسجمًا مع طبيعة النص الشفقية، لكنه في الوقت نفسه يحدّ من كثافته الدرامية، ومن تعقيده النفسي.
وأظهرت الدراسة أن النص يبني رؤية إنسانية تصالحية ترى المعرفة والقراءة والذاكرة وسائل لتجاوز محدودية الوجود الفردي.
فالكتاب والمكتبة لا يؤديان وظيفة ثقافية سطحية، بل يتحولان إلى شكل من أشكال المقاومة الرمزية للزمن والنسيان.
كما كشفت القراءة أن النص يميل إلى تطهير الماضي وإضاءته بضوء حنيني يخفف من تناقضاته وقسوته، مما يمنحه صفاءً أخلاقيًا ودفئًا إنسانيًا، لكنه يجعله أقل انفتاحًا على التشظي والصراع الداخلي العنيف الذي يميز بعض التجارب الروائية الحديثة.
وتوصلت الدراسة إلى أن «شفق الخمسين» يحتل موقعًا مميزًا ضمن سرديات الذاكرة والحنين الثقافي في الأدب العربي المعاصر، لأنه ينجح في تحويل التجربة الذاتية المحدودة إلى تأمل فلسفي في الزمن والهوية والمعنى.
كما يتميز النص بقدرته العالية على إنتاج الدلالة عبر التفاصيل اليومية الصغيرة، وتحويل الأشياء المألوفة إلى علامات أنطولوجية تكشف علاقة الإنسان بالعالم.
وفي ضوء التحليل الهرمنيوطيقي الظاهراتي، خلصت الدراسة إلى أن القيمة الحقيقية للنص تكمن في جعله السرد نفسه فعلًا وجوديًا لمقاومة الفناء؛ فالإنسان في شفق الخمسين لا يكتب ليؤرخ حياته، بل ليحفظ أثرها من التلاشي، وليمنح ما مضى شكلًا من أشكال البقاء داخل اللغة والذاكرة.
وهكذا يظهر العمل بوصفه نصًا عن الإنسان أكثر مما هو نص عن الطفولة، وعن الأثر أكثر مما هو عن الحدث، وعن الضوء المتبقي للحياة قبل انطفائه الكامل في شفق الزمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك