يعيش آلاف اللاجئين في مصر حالة قلق وعدم يقين منذ نشر اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب، ويشعر كثيرون بأن العالم يضيق من حولهم، فبلدان كثيرة لا تقبل استقبالهم، بينما مصر التي استقرّوا فيها سنوات تضيّق عليهم، وربما تدفعهم إلى المغادرة قسراً.
تمتد طوابير طويلة أمام مقار مصلحة الجوازات والهجرة المصرية، شرقي العاصمة القاهرة، منذ ساعات الصباح الأولى، بينما يتكدس مئات أمام مكاتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مدينة السادس من أكتوبر، غربي العاصمة.
رجال يحملون ملفات مهترئة، ونساء يصطحبن أطفالاً ولد بعضهم في مصر، ولم يعرفوا وطناً غيرها، وشباب يحدقون في شاشات هواتفهم أملاً في العثور على معلومة تنقذ مستقبلهم.
لم يكن هذا المشهد مألوفاً قبل عيد الأضحى، لكن صدور اللائحة التنفيذية لـ" قانون لجوء الأجانب"، الاثنين الماضي، أشعل موجة غير مسبوقة من القلق بين اللاجئين، خاصة السودانيين والسوريين واليمنيين، ودفع الآلاف إلى التزاحم لتعديل أوضاعهم القانونية بعد شهور طويلة من تجميد الإجراءات انتظاراً لصدور القانون.
لا يتعلق الأمر بالنسبة لملايين اللاجئين في مصر بمجرد استكمال الأوراق، أو استخراج بطاقة إقامة جديدة، إذ أصبحت القضية" معركة بقاء داخل ملاذ آمن" وصلوا إليه مجبرين بعد حروب أو نزاعات أو انهيار اقتصادي في بلدانهم، ما حوّل حساباتهم وصفحات اللجوء على مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات نقاش تعبر عن الكثير من التساؤلات، يتبادل الآلاف عبرها منشورات تضم أخباراً بعضها غير دقيق حول الإجراءات، ومواعيد التسجيل، ومصير بطاقات الإقامة الصادرة عن مفوضية اللاجئين.
ووفقاً لمقابلات مع" العربي الجديد" على مدار الأسبوع، وجد اللاجئ الذي فر من القصف في السودان، أو من الحرب في سورية، أو اليمن، وكذلك من ليبيا وإثيوبيا والصومال وإريتريا وغيرها نفسه أمام سؤال وجودي جديد، ماذا لو انتهت إقامتي قبل أن أحصل على وضع قانوني جديد؟ وأين أذهب إذا أصبحت إقامتي غير صالحة بينما لا تزال الأوضاع مشتعلة في بلدي؟في محيط مكاتب المفوضية بمدينة السادس من أكتوبر وإدارات الجوازات والهجرة المصرية بالعباسية والمحافظات، تتكرر الأسئلة ذاتها، هل ستظل البطاقات سارية؟ وأين يتم تقديم الطلبات الجديدة؟ ومتى تبدأ اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين عملها؟ وماذا سيحدث لمن انتهت إقامته أو تأخر ملفه؟يؤكد الشاب السوداني سفيان موسى أن حياته تغيرت منذ بدء تشديد إجراءات الإقامة، ويقول لـ" العربي الجديد": " الشعور السائد بين السودانيين حالياً هو القلق على المستقبل القانوني لأسرهم، إذ يخشون الترحيل، بينما لم يعد بإمكانهم الحصول على الخدمات التعليمية والصحية من دون تقنين أوضاعهم وفق لائحة القانون الجديد.
أقيم في حي الدقي بالجيزة، حيث توجد تجمعات من السودانيين، وكل ما نريده هو وثيقة تثبت أننا هنا بشكل قانوني، فنحن لم نهرب من الحرب كي نعيش سنوات من الخوف".
يضيف موسى: " مئات آلاف السودانيين غادروا مصر خلال الأشهر الماضية عائدين إلى بلادهم، رغم استمرار الحرب.
بالنسبة لي، لم يكن التفكير في العودة خياراً آمناً بقدر ما كان نتيجة الشعور بعدم الاستقرار.
كان السوداني في السابق يعتبر مصر امتداداً طبيعياً لوطنه بحكم اتفاقيات تاريخية سمحت لعقود بحرية الحركة بين البلدين، لكن المشهد تغير كلياً خلال السنوات الأخيرة.
أصبحنا نشعر بأننا نعيش بين احتمالين كلاهما قاسٍ، فإما البقاء في وضع غير مستقر، أو العودة إلى بلدنا الذي يعاني من تبعات الحرب".
وكانت مناطق عدة تعج بمشروعات سودانية صغيرة، خصوصاً في أحياء وسط القاهرة، وعين شمس، والدقي، وفيصل.
محال ومطاعم ومقاه ومخابز، بينما تبدو آثار النزوح العكسي واضحة حالياً، وتظهر لافتات" للإيجار" على واجهات مغلقة، بعضها أغلقت قسراً بسبب انتهاء إقامة أصحابها، أو عدم قدرتهم على تجديد الإقامة في ظل القيود الكبيرة التي فرضتها السلطات المصرية.
داخل أحد العيادات الخاصة، يجلس أستاذ طب الأسنان في جامعة الخرطوم عبد العال يوسف (62 سنة)، ينتظر مراجعة الطبيب لمعرفة تطورات حالته الصحية قبل العودة إلى السودان بعد إقامة استمرت ثلاث سنوات في مصر.
يقول لـ" العربي الجديد": " بيتي في الخرطوم تعرض للسرقة والتخريب من قبل قوات الدعم السريع، لكنني سأعود إليه.
على الأقل سأكون في بلدي، وربما يمكنني لم شمل أسرتي، وحماية أبنائي من الملاحقات التي طاولتهم في مصر، ودفعتهم إلى العودة وسط أجواء الحرب".
ويوضح يوسف أن" الأشهر الأخيرة شهدت تضييقاً متزايداً على حياة اللاجئين السودانيين، سواء في ما يتعلق بالدراسة أو الإقامة أو النشاط الاقتصادي، ما دفع أعداداً متزايدة منهم إلى المغادرة رغم استمرار الحرب.
قرار العودة هو اختيار بين خسارتين، لكنه لا مفر منه، ورغم امتلاكي بطاقة إقامة في العاصمة البريطانية لندن، حيث عملت لسنوات قبل الحرب، فإنني أفضل العودة إلى السودان، وأملي أن يستعيد بلدي الهدوء والسلام".
بدوره، يلخص لاجئ يمني، طلب عدم ذكر اسمه، الأوضاع الحالية بقوله: " لم نأتِ إلى مصر بحثاً عن الرفاهية، بل جئنا لأن الحرب دفعتنا إلى ذلك، والآن نخشى أن نبقى بلا وضع قانوني، بينما ما زلنا لا نستطيع العودة إلى بلدنا".
يعيش السوريون قلقاً مشابهاً، وفي مدينة السادس من أكتوبر، التي أصبحت خلال السنوات الماضية مركزاً رئيسياً للجالية السورية، يتابع أصحاب المشروعات التجارية التطورات القانونية الجديدة بحذر.
يقول السوري بسام أمين، وهو صاحب مطعم: " المشكلة ليست في مواد القانون، بل في حالة عدم اليقين التي يعيشها الناس.
كثيرون استثمروا مدخرات عمرهم في مصر، وأنشأوا مشروعات، وكوّنوا أسراً، وأي غموض قانوني ينعكس مباشرة على حياتهم وعلى مستقبلهم المالي والمهني".
ويوضح أمين لـ" العربي الجديد" أن" الأزمة المعيشية الناتجة عن ارتفاع الأسعار ساهمت أيضاً في تصاعد الخطاب المعادي للاجئين في مصر، إذ يجري تحميلنا مسؤولية كل الأزمات.
غالبية المصريين الذين نتعامل معهم يعاملوننا باحترام، لكن الضغوط المعيشية تجعل بعض الناس يبحثون عن شماعة يعلقون عليها مشكلاتهم.
اضطررت أخيراً إلى التنازل عن محلي لشريكي المصري، إذ لم أستطع تقنين أوضاعي، بينما تمكن آخرون من الحفاظ على أنشطتهم عبر شراكات مع رجال أعمال سوريين يحملون جنسيات أوروبية".
ويقول الشاب السوري بسام أمين: " لا طريق آمناً للعودة إلى سورية، ولا أبواب مفتوحة للمغادرة.
السلطات المصرية لن تبدأ التطبيق الكامل للمنظومة الجديدة إلا بعد ثلاثة أشهر، ليبقى عشرات الآلاف عالقين ينتظرون بطاقة إقامة قد لا تغير حياتهم كثيراً، لكنها تمنحهم شعوراً مؤقتاً بالأمان".
ويؤكد حقوقيون أن القانون الجديد يمثل تحولاً في إدارة ملف اللجوء في مصر، وأنه بعد أكثر من سبعين عاماً كانت خلالها مفوضية اللاجئين هي الجهة المسؤولة عن تسجيل اللاجئين وفحص طلباتهم، ستنتقل هذه الصلاحيات تدريجاً إلى الحكومة المصرية من خلال" اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين"، والتي ستصبح مسؤولة عن تلقي الطلبات، وإجراء المقابلات، ومنح صفة اللاجئ أو رفضها، فضلاً عن تجديد الوثائق، وإدارة قواعد البيانات، كما ستتولى خلال الأشهر المقبلة استلام الملفات المسجلة لدى المفوضية.
وتبين المصادر الحقوقية أنه رغم أن لائحة القانون الجديد أكدت استمرار العمل ببطاقات المفوضية السارية خلال المرحلة الانتقالية، إلا أنها لم تحسم قضية مكان استقبال الطلبات الجديدة، ما يفسر توافد اللاجئين إلى مقرات مصلحة الجوازات والهجرة المحلية، ومقر المفوضية الأممية.
ويرى خبراء هجرة أن أخطر ما يواجه اللاجئين في مصر حالياً هو احتمال الدخول في منطقة رمادية خلال فترة الانتقال بين النظامين القديم والجديد، وأن تستغلها السلطات المحلية في ملاحقة اللاجئين، خاصة من فئة الشباب، بينما ينتظر آلاف الأشخاص استكمال إجراءاتهم أو تجديد وثائقهم منذ الربع الأخير من عام 2025، وفي حال تأخر إنشاء مكاتب استقبال الطلبات الجديدة، أو تراكم تلك الطلبات، قد يجد كثيرون أنفسهم في أوضاع قانونية غير مستقرة لفترات طويلة، ما يخلق أزمة إنسانية حقيقية، خاصة بالنسبة للأسر التي تضم أطفالاً أو مرضى أو طلاباً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك