لم تكن الحفرة عميقة جداً في البداية، بضعة أمتار فقط في أرض ترابية قرب أحد التلال القديمة في ريف الحسكة، لكن الرجال الثلاثة الذين نزلوا إليها تلك الليلة كانوا مقتنعين بأنهم يقتربون من شيء ثمين، قال لهم السمسار إن المكان" مبشّر"، وإن خرائط قديمة تشير إلى وجود مدفن أو غرفة حجرية مدفونة منذ آلاف السنين.
بالنسبة لهم الأمر ليس مجرد مغامرة لهواة يبحثون عن نفائس الأرض، كان يمثل لهم طوق نجاة غير مضمون النتائج للخروج من ضنك الحياة، هكذا يصف أبو عبود عمله اليومي في الحفر والذي يبدأ بعد تناوله الإفطار ويمتد إلى ما قبل السحور بساعة.
في منتصف الليل تقريباً، بينما كان أحدهم يحفر في الجدار الترابي للحفرة، انهارت التربة فجأة، خلال ثوانٍ تحول الحلم إلى كابوس والحفرة استحالت إلى قبر، عندما وصل السكان لاحقاً لمحاولة إنقاذهم، كان الأوان قد فات، ثلاثة شبان فقدوا حياتهم في محاولة العثور على كنز لم يكن موجود أصلاً.
تربط أبا عبود صلة قرابة بأحد الشبان، يقول: " هزّت الحادثة المنطقة في محافظة الحسكة بأكملها، لم تكن الأولى من نوعها، لكنها كشفت مرة أخرى ظاهرة تتوسع بصمت على كامل الجغرافية السورية، حفريات عشوائية بحثاً عن الآثار، يقودها مزيج من الفقر، الشائعات، وكذلك عمليات نصب واحتيال من السماسرة، والسوق السوداء العالمية للقطع الأثرية".
ويضيف في كلامه لـ" موقع تلفزيون سوريا"، " تبدو هذه الحفريات في الظاهر مجرد محاولات فردية للبحث عن كنوز مدفونة، لكن عند تتبع القصص التي تتكرر في القرى القريبة من المواقع الأثرية، يظهر نمط مختلف تماماً، شبكة من الوسطاء المحليين، طرق تهريب عبر الحدود، وأسواق فنية في الخارج تستقبل القطع التي تخرج من الأرض السورية".
على ضفاف نهر الفرات وفي سهول الجزيرة السورية تنتشر مئات التلال الأثرية، هذه التلال في ظاهرها مرتفعات ترابية عادية، لكنها تكتنز في باطنها طبقات متراكمة من حضارات تعود إلى آلاف السنين، كل طبقة منها تمثل مدينة قديمة، قرية زراعية، أو مركزاً تجارياً اندثر مع الزمن ثم بُني فوقه مجتمع جديد، هذا ما تؤكده المعلومات المرافقة للقى الأثرية السورية المحفوظة في متحف بيرغامون في برلين.
في بدايات القرن العشرين جذب هذا التاريخ اهتمام علماء الآثار الأوروبيين، كان من أبرزهم عالم الآثار الألماني ماكس فون أوبنهايم، الذي قاد حفرياته الشهيرة في موقع تل حلف في شمال شرقي سوريا، كشفت تلك الحفريات عن تماثيل حجرية ضخمة ونقوش تعود للحضارة الآرامية، وأصبحت الاكتشافات جزءاً من مجموعة أثرية معروفة في المتاحف الأوروبية.
في تلك الفترة كانت الحفريات تتم ضمن بعثات علمية منظمة، تعمل بتصاريح رسمية وتوثق ما تعثر عليه بدقة، لكن مع مرور الوقت، ومع تغير الظروف السياسية والاقتصادية في المنطقة، تغيرت العلاقة بين السكان المحليين وهذه المواقع.
بالنسبة للعديد من القرى القريبة من التلال الأثرية، بقي التاريخ جزءاً من المشهد اليومي أكثر مما كان موضوعاً علمياً، يلعب الأطفال بين الأنقاض، كما يحرث المزارعون الأرض التي تخفي تحتها طبقات من الفخار القديم، والقصص الشعبية تتحدث دائماً عن كنوز مدفونة في عمق التلال.
طفولة قرب المواقع المنسيةفي قرية الحبوبة الصغيرة قرب جبل عارودة شمال الرقة، نشأ مناف بين هذه التلال، كانت القرية هادئة، تعتمد على الزراعة وصيد الأسماك من نهر الفرات، في الربيع كانت تظهر سيارات تحمل لوحات أجنبية، تتجه نحو التلال القريبة حيث تعمل بعثات أثرية أوروبية.
بالنسبة للأطفال في القرية كان هؤلاء مجرد" خواجات" يأتون كل عام ثم يرحلون، لكن بالنسبة لمناف الشاب كانوا نافذة إلى عالم مختلف، كان يراقبهم وهم ينصبون معدات المسح ويخرجون القطع الفخارية من الأرض بعناية.
مع الوقت بدأ يساعدهم في نقل معدات التنقيب أو إرشادهم إلى الطرق الترابية بين القرى، تعلّم بعض الكلمات الألمانية وأجاد الإنكليزية، وأصبح يعرف أسماء المواقع الأثرية كما يسمعها من علماء الآثار، ولم يكن يدرك آنذاك أن هذه التلال نفسها ستصبح بعد سنوات هدفاً للحفر غير الشرعي.
حتى قبل اندلاع الثورة في سوريا، كانت حوادث سرقة الآثار موجودة لكنها محدودة نسبياً، وذلك وفقا لشهادة أبي عبود، بعض القطع كانت تختفي من المواقع الأثرية أو المتاحف، وغالباً ما يتم اكتشافها لاحقاً في الأسواق الفنية الدولية، لكن بعد عام 2011 تغير المشهد بشكل جذري، انهيار مؤسسات الدولة في مناطق واسعة من البلاد، وتبدل السيطرة بين قوى مختلفة، خلق فراغاً أمنياً استمر لسنوات.
في تلك الفترة أصبحت مواقع أثرية كثيرة بلا حماية فعلية، التلال التي كانت محمية سابقاً بدوريات أو موظفين حكوميين تحولت إلى مساحات مفتوحة يمكن لأي شخص أن يحفر فيها، ومع مرور الوقت بدأت الحفريات العشوائية تنتشر في القرى القريبة من هذه المواقع، أحياناً كانت تتم بدافع الفضول أو الطمع الفردي، لكن في حالات كثيرة كانت تقف خلفها شبكات وسطاء.
بدأ مناف -الذي كان يعرف كل تفاصيل المنطقة جيداً- يرى التغيير بوضوح، الحفريات التي كانت تتم سابقاً ضمن بعثات علمية أصبحت تظهر ليلاً، وأحياناً تحت حراسة مسلحة.
في كثير من القرى القريبة من المواقع الأثرية، بدأت تظهر شخصيات جديدة، رجال يزورون القرى ويتحدثون عن خرائط قديمة أو معلومات عن مدافن ملكية مدفونة تحت الأرض، يعرضون على السكان العمل معهم في الحفر مقابل حصة من الأرباح إذا تم العثور على قطع أثرية.
بالنسبة لشباب يعيشون في ظروف اقتصادية صعبة، كان العرض مغرياً، الأدوات بسيطة: معاول، مجارف، وأحياناً أجهزة كشف معادن بدائية، العمل يتم غالباً ليلاً لتجنب الانتباه.
إذا عثروا على قطعة أثرية، يتولى الوسيط شراءها فوراً بسعر أقل بكثير من قيمتها الحقيقية، بعد ذلك تبدأ رحلة أخرى للقطعة، خارج القرية وربما خارج البلاد.
ومع مرور الوقت، تشكلت مسارات شبه ثابتة لخروج القطع الأثرية من شمال سوريا، كثير من هذه المسارات تمر عبر الحدود الشمالية باتجاه تركيا، حيث يمكن إدخال القطع إلى شبكة أكبر من التجار، بعد ذلك قد تنتقل القطع إلى أسواق فنية في أوروبا أو الشرق الأوسط، أو تدخل إلى مجموعات خاصة يصعب تتبعها.
يؤكد خبير الآثار الألماني كلاوس وولفمان أن تتبع هذه القطع المسروقة والمهربة خارج حدود الدول عملية معقدة للغاية، خاصة عندما لا تكون موثقة بشكل دقيق في سجلات المتاحف لبلدان المنشأ.
ويضيف في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أنه في حالات كثيرة تظهر القطعة في الأسواق الفنية بعد سنوات طويلة من خروجها من مواقعها الأصلية، وغالباً مع وصف غامض لمصدرها مثل" منمنمة أو منحوتة أثرية قديمة".
عمل الخبير الأثري وولفمان مع منظمة" ArcHerNet" وهي شبكة التراث الأثري التي عملت في تسعينيات القرن الماضي على ترميم وتدريب كوادر داخل سوريا ومنهم وجمعية" أصدقاء مدينة حلب القديمة".
يقول وولفمان لـ" موقع تلفزيون سوريا": " إحدى أكبر المشكلات في محاولة استعادة الآثار السورية هي ضعف الأرشيف القديم، كثير من القطع التي كانت محفوظة في المتاحف لم تكن موثقة بالصور أو البيانات التفصيلية الكافية".
ويضيف وولفمان" في بعض المتاحف الإقليمية، مثل متحف الرقة ومتحف معرة النعمان، كانت هناك آلاف القطع الفخارية المتشابهة الشكل، إذا اختفت قطعة منها يصبح من شبه المستحيل إثبات ملكيتها أو تحديد مصدرها بدقة، ويتيح القانون الدولي للدول المطالبة باستعادة آثارها، لكن ذلك يتطلب أدلة واضحة على أن القطعة خرجت بشكل غير قانوني بعد اتفاقيات دولية واتفاقية حماية الممتلكات الثقافية، وفي غياب الوثائق الدقيقة، تصبح استعادة الكثير من القطع مهمة عاية في الصعوبة".
لا تقتصر خسارة المواقع الأثرية السورية على القطع التي تُهرّب خارج البلاد، وإنما تمتد إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير.
فبحسب الدكتورة خلود حاج يوسف، المحاضِرة في قسم الآثار بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة حلب، فإن أخطر ما تسببه الحفريات غير الشرعية هو “تخريب الطبقات الأثرية المتسلسلة والعبث بمواقع القطع داخل هذه الطبقات”، وهو ما يفقد الأثر قيمته العلمية حتى لو بقي داخل البلاد.
وتضيف الدكتورة حاج يوسف لـ" موقع تلفزيون سوريا" أن أهمية أي قطعة أثرية لا تكمن فقط في مادتها أو شكلها، بل في السياق الذي عُثر فيه عليها.
فالعثور مثلاً على قطعة ذهبية داخل جناح قصر ملكي قديم يمنح الباحثين معلومات عن طبيعة السلطة والثروة والعلاقات الاجتماعية في تلك الحضارة، بينما يؤدي استخراج القطعة بشكل عشوائي إلى فقدان هذه المعطيات نهائياً.
ومع تدهور الأوضاع المعيشية خلال سنوات الحرب، تغيّرت أيضاً علاقة السكان بالمواقع الأثرية.
كثير من الأبنية التاريخية تحولت إلى ملاجئ مؤقتة للسكان الفارين من القصف أو الدمار، بينما أصبحت التلال الأثرية بالنسبة للبعض مساحة للبحث عن مصدر دخل في ظل الانهيار الاقتصادي.
وترى حاج يوسف أن حماية الآثار السورية مستقبلاً لن تكون ممكنة من دون إعادة بناء الوعي المجتمعي بأهمية التراث، عبر التعليم والإعلام والبرامج الثقافية، خصوصاً في المناطق المحيطة بالمواقع الأثرية، حيث ما تزال فكرة “الكنز المدفون” تطغى أحياناً على فهم القيمة الحضارية والتاريخية لهذه المواقع.
بعد سنوات من النزوح، وصل مناف إلى ألمانيا، وفي إحدى زياراته إلى متحف البيرغامون وسط جزيرة المتاحف ببرلين، وجد نفسه يحدق في قطع أثرية تذكره بالأماكن التي عرفها طفلاً قرب الفرات، بعض النقوش والتماثيل أعادت إلى ذهنه صور التلال التي كان يمر بها يومياً في قريته.
لاحقاً التقى بأحد الخبراء الألمان الذين عملوا سابقاً في المنطقة، خلال الحديث اكتشف مناف أن خروج الآثار من سوريا لم يبدأ مع الحرب، بل كان يحدث منذ عقود بدرجات مختلفة.
لكن الحرب، بحسب الخبير، حولت الظاهرة إلى شيء أكبر بكثير، دورة اقتصاد كاملة.
في هذا الاقتصاد غير الرسمي، يلعب كل شخص دوراً محدداً، الحفارون المحليون يعملون في الأرض، الوسطاء يشترون القطع وينقلونها، وشبكات التهريب تتولى إدخالها إلى الأسواق الدولية، لكن الحلقة الأضعف في هذه السلسلة تبقى دائماً الحفارين أنفسهم.
يرى الخبير وولفمان أن هؤلاء الحفارين هم الذين يتحملون المخاطر الأكبر، سواء كانت قانونية أو جسدية، الحفر في التلال الأثرية غالباً يتم دون أي معرفة بطبيعة التربة أو بنية الموقع، انهيار الحفر أو الاختناق تحت الأرض حوادث تتكرر في أكثر من منطقة، حادثة الحسكة الأخيرة كانت مثالاً واضحاً على ذلك.
في كثير من القرى التي تنتشر حول المواقع الأثرية، تتكرر القصة نفسها، شباب عاطلون عن العمل يسمعون عن كنز مدفون في تل قريب، أو يلتقون بشخص يدّعي امتلاك معلومات عن موقع أثري غني بالقطع.
في البداية تبدو الفكرة مجرد مغامرة، لكن مع الوقت تتحول إلى عمل متكرر، بعض الحفارين ينجحون أحياناً في العثور على قطع فخارية أو عملات قديمة، هذه النجاحات الصغيرة تعزز الاعتقاد بأن الكنوز موجودة بالفعل في مكان ما تحت الأرض، لكن في أغلب الحالات تنتهي الحفريات بلا شيء، أو بكارثة مثل انهيار حفرة أو مواجهة مع مجموعات أخرى تعمل في الموقع نفسه.
يختم وولفمان كلامه" تُعد سوريا واحدة من أغنى مناطق العالم بالمواقع الأثرية، آلاف المواقع التي تعود إلى حضارات مختلفة تنتشر في جميع أنحاء البلاد، لكن حماية هذه المواقع تتطلب موارد كبيرة ونظاماً فعالاً للمراقبة والتوثيق".
وفي ظل الظروف الحالية، تبقى كثير من هذه المواقع عرضة للحفر غير الشرعي.
كل حفرة جديدة تعني فقدان طبقة من التاريخ لا يمكن استعادتها.
أما بالنسبة لمناف، الذي ما زال يحتفظ بصور ودفاتر ملاحظات من أيام عمله مع البعثات الأثرية، تمثل كل قطعة أثرية أكثر من مجرد حجر قديم، إنها جزء من قصة المكان الذي نشأ فيه، هو وأسلافه قبله.
في شباط الماضي، انتهت حياة أربعة شبان بحثًا عمّا اعتقدوا أنه كنز مدفون داخل حفرة عميقة في حي الصليبة بمدينة جبلة، في حادثة مأساوية هزت المجتمع المحلي.
وكان وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، طلب في تعميم صادر في تموز الماضي، بتكثيف الدوريات لمراقبة المواقع الأثرية، ومنع وضبط أعمال التنقيب غير المشروع عن الآثار أو تخربيها، وحجز الآلات والمعدات المستخدمة في ذلك، وإلقاء القبض على الفاعلين وتقديمهم إلى الجهات القضائية المختصة، في إطار الجهود الحكومية لضبط هذه الظاهرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك