تحوّل الدجاج، الذي ظل لعقود رمزاً للوجبات الاقتصادية منخفضة التكلفة في الولايات المتحدة، إلى محور جدل واسع بين المستهلكين وأصحاب المطاعم، بعدما قفزت أسعار أطباقه في العديد من المطاعم الراقية إلى مستويات غير مسبوقة، وصلت في بعض الحالات إلى 78 دولاراً للوجبة الواحدة، وهو ما يفوق أسعار بعض أطباق الأسماك والمأكولات البحرية.
ووفقاً لبيانات شركة" داتاسنشال" للأبحاث، ومقرها شيكاغو، فإن أسعار أطباق الدجاج في المطاعم الفاخرة الأميركية ارتفعت بنحو 22% خلال السنوات الأربع الماضية، في وقت بلغ فيه متوسط سعر طبق الدجاج الرئيسي نحو 28 دولاراً، متجاوزاً متوسط أسعار أطباق الأسماك والمأكولات البحرية التي تدور حول 25 دولاراً، رغم أن تكلفة الدجاج كمادة خام لا تزال أقل من كثير من أنواع البروتين الأخرى.
ونقلت صحيفة" وول ستريت جورنال"، أمس الجمعة، عن مالكة مطعم" ذا سبارو" في حي بروكلين بمدينة نيويورك، دون إلدريدج، قولها إنها تعمدت عدم إدراج أطباق الدجاج ضمن قائمة الطعام منذ افتتاح المطعم قبل عامين، موضحة أن الزبائن مستعدون لدفع أسعار مرتفعة مقابل أطباق اللحوم الأخرى، لكن الدجاج الفاخر، حتى وإن كانت تكلفة إعداده مرتفعة، يثير ردّات فعل مختلفة تماماً.
وتضيف: " أسعار الدجاج تخلق صدمة سعرية بطريقة لا يفعلها الستيك أو الكركند.
لأن الناس ما زالوا يتوقعون أن يكون سعره كما كان قبل عشر سنوات" رغم الارتفاع الكبير في تكاليف التشغيل والمواد الغذائية والعمالة داخل قطاع المطاعم.
وبحسب إحصائيات رسمية رصدها موقع" العربي الجديد"، لا يزال الدجاج أكثر أنواع اللحوم استهلاكاً في الولايات المتحدة، وتشير بيانات وزارة الزراعة الأميركية إلى أن متوسط استهلاك الفرد الأميركي يتجاوز 45 كيلوغراماً من لحوم الدجاج سنوياً، مقارنة بنحو 26 كيلوغراماً من اللحوم البقرية وكميات أقل من الأنواع الأخرى من اللحوم.
ويعني هذا الحجم الكبير من الاستهلاك أن أي تغير في أسعار الدجاج أو تكلفة تقديمه داخل المطاعم ينعكس مباشرة على شريحة واسعة من المستهلكين، ما يفسر الحساسية الكبيرة تجاه أسعار أطباقه مقارنة بغيرها من الأطعمة.
كما تظهر بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي أن أسعار الوجبات خارج المنزل ارتفعت بنحو 30% منذ عام 2020.
وتشير إلى أنّ قطاع المطاعم كان من أكثر القطاعات تأثراً بموجة التضخم التي أعقبت جائحة كورونا، مع ارتفاع تكاليف الغذاء والأجور والخدمات التشغيلية بوتيرة متسارعة، إلى جانب استمرار نقص العمالة خلال السنوات الأخيرة، ما دفع العديد من المطاعم إلى رفع الأجور وتقديم حوافز إضافية لاستقطاب الموظفين.
وفي المقابل، تشير بيانات الرابطة الوطنية للمطاعم الأميركية إلى أن متوسط هامش الربح الصافي في القطاع يتراوح عادة بين 3% و5% فقط، وهو ما يجعل أي زيادة في تكاليف المكونات أو الإيجارات أو الأجور ذات تأثير مباشر على الربحية.
ويقول أصحاب مطاعم إن هذه الضغوط دفعت عدداً متزايداً من المنشآت إلى إعادة تسعير الأطباق التي كانت تصنف تقليدياً ضمن الخيارات منخفضة التكلفة، وفي مقدمتها أطباق الدجاج.
وفي مدينة نيويورك، باتت أسعار أطباق الدجاج في بعض المطاعم الراقية تتجاوز بكثير ما اعتاده المستهلكون، وفق" وول ستريت جورنال".
ففي مطعم" شيه فيفي" بمنطقة أبر إيست سايد، يباع طبق الدجاج المشوي" بوليه روتي" بسعر 78 دولاراً لنصف دجاجة، فيما يبلغ سعر طبق الدجاج المطهو على نار الحطب في مطعم" غراميرسي تافرن" 36 دولاراً.
وفي إبريل الماضي، أثار مطعم" جيجيز" في بروكلين جدلاً واسعاً بعدما نشر عضو المجلس البلدي تشي أوسي تعليقاً على إنستغرام قال فيه: " 40 دولاراً لنصف دجاجة في بار نبيذ؟ حقاً؟ ".
ورغم أنه لم يذكر اسم المطعم، فإن الأنظار اتجهت إلى" جيجيز"، الذي يبيع نصف دجاجة مشوية بالسعر نفسه.
وقال مالك المطعم، هوغو إيفرنا، إن المنشور أدى إلى تقييمات مزيفة على غوغل واتصالات ورسائل عدائية، مضيفاً أنه دعا أوسي إلى زيارة المطعم (.
) نود حقاً إجراء نقاش أعمق حول ما يعنيه افتتاح مشروع صغير وإدارته في مدينة نيويورك".
ومن جانبه، قال الشيف جيسون هول، الذي يقدم دجاجة مشوية كاملة مقابل 78 دولاراً في مطعم" كاتيدرال"، إن الأسعار المرتفعة تقلص هامش الخطأ، موضحاً أن المطعم يبدأ طهي الدجاج يومياً عند الرابعة والنصف عصراً لضمان تقديمه طازجاً.
وأضاف: " إذا لم ينفذ الطبق بالشكل الصحيح فستكون ردة فعل الزبائن سلبيّة".
وترى إيميلين رود، مؤلفة كتاب" طعمه يشبه الدجاج: تاريخ الطائر المفضل لدى الأميركيين"، أن صدمة المستهلكين تعود إلى أنهم لا ينظرون إلى الدجاج باعتباره طعاماً فاخراً.
وأوضحت، بحسب" وول ستريت جورنال" أن الدجاج كان في الماضي مرتفع الثمن نسبياً قبل أن تؤدي الزراعة الصناعية منذ خمسينيّات القرن الماضي إلى تحويله إلى خيار غذائي اقتصادي، وهو ما رسخ لدى الأميركيين توقعات دائمة بانخفاض سعره.
وفي شيكاغو، يبيع مطعم" جي جيز تشيكن شوب" الدجاجة المشوية مقابل 24 دولاراً، إلا أن بعض الزبائن يقارنون السعر مباشرة بدجاج" كوستكو" الذي يباع مقابل 4.
99 دولارات، وقال الشيف لي وولين: " إذا كنت تبحث عن أسعار كوستكو فنحن لسنا المكان المناسب.
نحن لا نحقق أرباحنا من بيع المراتب وأجهزة التلفزيون".
وتقول رود إنّ نجاح نموذج" كوستكو" عزّز الاعتقاد بأن الدجاج يجب أن يبقى رخيصاً مهما كانت الظروف الاقتصادية، مضيفة: " الدجاج الرخيص ينسجم مع توقعات المستهلكين، بينما يكسرها الدجاج مرتفع السعر.
الناس ينظرون إليه باعتباره مؤشراً على مستوى معيشتهم"، كما تشير أليكس إيتون، المديرة التنفيذية للطهي في مطعم" لا كيف" بولاية ساوث كارولاينا، إلى أنّ طبق الدجاج الذي تقدمه مقابل 35 دولاراً يتطلب نحو يومين من التحضير باستخدام سلالة تراثية مختارة بعناية، مضيفة: " أنا سعيدة لأن الأمر يبدو للناس وكأنه يجري بسهولة".
أما وولين، الشريك في مجموعة" بوكا"، فيبيع صدر دجاج محشواً بالكمأة والنقانق مقابل 43 دولاراً مع قبول هامش ربح أقل، بدلاً من رفع السعر إلى نحو 50 دولاراً، ويقول: " الزبائن أقل ميلاً بكثير للاعتراض عندما يرون صدر بط بسعر 65 دولاراً".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك