شهدت صادرات إيران من النفط الخام والمكثفات تراجعا حادا خلال شهر مايو الماضي إلى مستويات تتراوح بين 200 و300 ألف برميل يومياً، مقارنة بأكثر من 1.
3 مليون برميل يومياً في أبريل، ونحو 1.
9 مليون برميل يومياً في مارس الماضي، وذلك بحسب ما تظهر بيانات تتبع حركة ناقلات النفط الصادرة عن شركتي Vortexa وKpler.
ولا يبدو هذا الانخفاض مجرد تقلب مؤقت في السوق، بل يعكس تحولاً في مستوى الضغوط الجيوسياسية المفروضة على قطاع الطاقة الإيراني، خصوصاً مع تشديد القيود على شبكات النقل والبيع غير المباشر، إلى جانب الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة رداً على إغلاق طهران لمضيق هرمز.
ويعيد هذا التراجع الاقتصاد الإيراني إلى مشهد يقترب من مرحلة 2019 و2020، عندما نجحت العقوبات الأميركية ضمن سياسة" الضغط الأقصى" في تقليص الصادرات النفطية إلى مستويات متدنية للغاية.
إلا أن الفارق هذه المرة يتمثل في أن الاقتصاد الإيراني يدخل هذه المرحلة وهو أكثر اعتماداً على الإيرادات النفطية وأكثر هشاشة من الناحية المالية، ما يجعل آثار الصدمة أسرع وأكثر عمقاً.
في قلب هذه الأزمة تقف الموازنة العامة للدولة، التي بُنيت على افتراضات أكثر تفاؤلاً بشأن استمرار تدفق الإيرادات النفطية قبل الحرب الأخيرة.
ومع تراجع الصادرات إلى هذه المستويات، تتسع فجوة العجز المالي بصورة متسارعة، ليس فقط نتيجة انخفاض حجم المبيعات، بل أيضاً بسبب صعوبة تحويل العائدات إلى الداخل في ظل القيود المصرفية والعقوبات المالية.
وبذلك لا تقتصر المشكلة على إنتاج النفط أو تصديره، بل تمتد إلى قدرة الدولة على تحويل تلك الإيرادات إلى سيولة قابلة للاستخدام داخل الاقتصاد المحلي.
وتشير تقديرات اقتصادية نشرتها وسائل إعلام متخصصة داخل إيران، من بينها" تجارت نيوز" و" زوميت"، إلى أن العجز المتوقع في موازنة العام الإيراني 1405، الممتد من 21 مارس 2026 إلى 20 مارس 2027، يدور حول 1800 تريليون تومان (نحو 10.
3 مليار دولار وفق أسعار الصرف المتداولة في السوق الحرة).
كما تشير بعض التقديرات إلى أن العجز الفعلي قد يتجاوز 2000 تريليون تومان إذا استمرت الصادرات ضمن النطاق الحالي، وتراجعت قدرة الحكومة على الاستفادة الكاملة من الإيرادات النفطية.
تنعكس هذه التطورات سريعاً على الداخل الإيراني، حيث تتزايد الضغوط على سعر الصرف، بينما يواصل التضخم تسجيل مستويات مرتفعة تقترب من 70%.
ومع كل تراجع إضافي في الإيرادات النفطية، تدخل الحكومة في حلقة ضغط مالي متصاعدة، إذ يؤدي نقص العملات الأجنبية إلى تراجع قيمة التومان، ما يرفع الأسعار ويزيد كلفة الإنفاق الحكومي والدعم والرواتب، الأمر الذي يفاقم العجز المالي ويضعف القدرة الشرائية للمواطنين.
في الوقت نفسه، لا يمكن فصل التطورات الإيرانية عن أوضاع سوق الطاقة العالمية.
فالتقديرات الصادرة عن مؤسسات متخصصة، إضافة إلى تقارير سوقية دولية، تشير إلى أن تراجع الإمدادات من الدول الخاضعة للعقوبات يضيف مزيداً من التوتر إلى سوق نفط شديدة الحساسية أصلاً للتقلبات الجيوسياسية.
وإذا استمر هذا الوضع لفترة طويلة، فقد ترتفع احتمالات حدوث نقص نسبي في الإمدادات العالمية، ما يبقي أسعار النفط عند مستويات مرتفعة.
لكن هذا الارتفاع لا يعني بالضرورة مكسباً لإيران، لأن قدرة طهران على الاستفادة منه تبقى محدودة بفعل القيود المفروضة على التصدير، والعقوبات المرتبطة بالنقل البحري، والقيود على شبكات الوساطة المالية والتحويلات المصرفية الدولية.
وبمعنى آخر، حتى في حال ارتفاع أسعار النفط عالمياً، فإن الإيرادات الإيرانية الفعلية قد تبقى مقيدة عند مستويات منخفضة نسبياً، وهو ما يمثل أحد أكثر جوانب الأزمة المالية تعقيداً في المرحلة الحالية.
أمام هذا المشهد، تبدو الخيارات الإيرانية محدودة.
فطهران قد تضطر إلى مواصلة الاعتماد على قنوات تصدير بديلة أقل كفاءة، غالباً عبر خصومات سعرية مرتفعة ومسارات تجارية أكثر تعقيداً، بما يقلص العائدات الفعلية ويزيد تكاليف التصدير.
وفي المحصلة، لم يعد تراجع صادرات النفط الإيرانية أزمة تخص قطاع الطاقة فحسب، بل تحول إلى عامل ضاغط على مجمل الاقتصاد الإيراني، مع اتساع العجز المالي وتراجع قدرة الحكومة على تمويل التزاماتها.
ومع استمرار الضغوط على الصادرات والعائدات، تبدو طهران مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً من إدارة الأزمات الاقتصادية والمالية، في وقت تتداخل فيه التحديات الداخلية مع التوترات الإقليمية والضغوط الدولية المتزايدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك