لَمْ يَكُنِ الْوَباءُ مُجَرَّدَ فَصْلٍ عَابِرٍ فِي الذَّاكِرَةِ…بَلْ اِنْزِيَاحٌ خَفِيٌّ فِي مَلامِحِنَا، شَرْخٌ فِي أَرْواحِنَا، وَارْتِبَاكٌ عَمِيقٌ فِي تَعْرِيفِنَا لِأَنْفُسِنَا.
خَمْسُ سَنَوَاتٍ مَرَّتْ، وَلَمْ نَشْعُرْ بِهَا…كَأَنَّها نُسْخَتُنَا الصَّامِتَةُ، نُسْخَةٌ لَمْ تَضْحَكْ، لَمْ تَعِشْ، بَلْ مَرَّتْ مِنَ الْحَيَاةِ كَأَنَّهَا تُرَاقِبُ مِنْ بَعِيدٍ.
صِرْنَا غُرَبَاءَ… حَتّى عَنْ ذَوَاتِنَا.
نَشْتَاقُ، لَكِنَّنَا لَا نَعْرِفُ إِلَى مَاذَا.
نَحْزَنُ، لَكِنَّنَا لَا نَمْلِكُ سَبَبًا وَاضِحًا.
نَضْحَكُ أَحْيَانًا، وَلَكِنْ بِلا صَوْتٍ دَاخِلِيٍّ يُشَارِكُنَا.
مَن كُنّا قَبْلَ أَنْ نَكُونَ؟وَكَيْفَ نَكُونُ الآنَ وَنَحْنُ نَخْتَبِئُ مِنَ الضَّوْءِ، وَنَرْتَاحُ فِي الغِيَابِ، وَنَتَعَلَّقُ بِالصَّمْتِ كَأَنَّهُ وَطَنٌ؟مَشَاعِرُنَا تَغَيَّرَتْ.
صَارَ الحَنِينُ أَثْقَلَ مِنْ ذِي قَبْلٍ،وَصَارَ الْبُعْدُ مَلاذًا نَعُودُ إِلَيْهِ كُلَّمَا ضَاقَ بِنَا الاقْتِرَابُ.
تَسَاقَطَ مِنّا الْكَثِيرُ… أَحْلَامٌ، وُجُوهٌ، يَقِينٌ، وَحَتّى الأَمَانُ.
فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنَ الذَّاكِرَةِ ظِلٌّ لِنُسْخَةٍ لَمْ تَعُدْ…نُسْخَةٌ كَانَتْ تُؤْمِنُ بِالغَدِ، وَتُخَطِّطُ، وَتُحِبُّ دُونَ قَيْدٍ.
نَحْنُ نُحِبُّ بِخَوْفٍ، وَنَمْشِي بِحَذَرٍ، وَنَتَكِئُ عَلَى كَلِمَاتٍ كَيْ لَا نَقَعَ.
وَلَمْ نَعُدْ نَبْحَثُ أَنْ نَكُونَ كَمَا كُنّا.
بَلْ نَبْحَثُ عَنْ صَوْتٍ يَشْبِهُنَا وَسَطَ الضَّجِيجِ… عَنْ مَلَامِحِنَا قَبْلَ أَنْ تُطْفَأَ…عَنْ ضَوْءٍ صَغِيرٍ يَذْكُرُنَا أَنَّنا كُنّا هُناكَ، ذَاتَ زَمَنٍ، نَعِيشُ.
وَرَغْمَ كُلِّ مَا تَبَدَّلَ…رَغْمَ الغِيَابِ، وَالانْكَسَارِ، وَحَنِينِنَا لِنُسْخَةٍ مِنّا لَمْ تَعُدْ،يَبْقَى فِينَا شَيْءٌ صَغِيرٌ… لَمْ يَمُتْ.
شَرَارَةٌ خَفِيَّةٌ تَحْتَ الرِّكَامِ،نَبْضٌ خَافِتٌ يَهْمِسُ: “مَا زَالَ هُنَاكَ ضَوْءٌ، مَا زَالَ بِإِمْكَانِكَ الْبَدْءُ مِنْ جَدِيدٍ.
”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك