تُمثِّل الأسرة في سلطنة عُمان أساس المُجتمع، وقد جاء في نص المادة (15) من النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السُّلطاني رقم (6/2021): «الأسرة أساس المُجتمع، قوامها الدِّين والأخلاق والوطنيَّة، وتعمل الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها.
».
وتُشكِّل الأسرة في رؤية «عُمان 2040» خيار القوة في بناء مُجتمع السلطنة وتحقيق هدف: «مُجتمع إنسانه مبدع معتز بهُويَّته، مبتكر ومنافس عالميًّا، ينعم بحياة كريمة ورفاه مستدام»، ذلك أن تكامل مسار البناء الأسري وقوَّته وكفاءته وتوازنه وإنسانيَّته سوف ينعكس على كل مجريات الحياة اليوميَّة بكل تفاصيلها لمُجتمع منتج، ينبض بالحياة، ويعيش السعادة، وينتصر للقيم والأخلاق، ويؤمن بالمشتركات ويحترم الخصوصيَّات؛ لذلك أدرك المشرع العُماني هذه القيمة الحضاريَّة والدينيَّة والإنسانيَّة والأخلاقيَّة والوطنيَّة والتنمويَّة للأسرة، ووضعها في أولويَّة الاهتمام، وعمل على صونها وحمايتها والمحافظة على تكوينها في إطار الحقوق والواجبات والمسؤوليَّات.
وانطلاقًا من اختصاصات وزارة التنمية الاجتماعيَّة ومسؤوليَّتها في رسم التشريعات والبرامج التي تعزز من بناء الأسرة العُمانيَّة وتعمل على رفع كفاءتها وتعزيز استقرارها، واستمرارًا لجهودها المتأصلة في تمكين الأسرة العُمانيَّة من القيام بدورها الحضاري في مُجتمع التنمية، جاءت الحملة الإعلاميَّة التوعويَّة التي تبنَّتها وزارة التنمية الاجتماعيَّة بالتعاون مع عدد من الجهات الحكوميَّة والخاصة بشعار «جزء مفقود» لتعبِّرَ عن وعي وطني عميق بأهميَّة الأسرة العُمانيَّة ودورها المحوري في بناء المُجتمع وصناعة مستقبله، ولتضع الجميع أمام مسؤوليَّة مشتركة في استكمال حلقات البناء الأسري وتعزيز مقوِّمات استقراره واستدامته.
فاختيار هذا الشعار لم يكن مجرد عنوان لحملة توعويَّة، بل رسالة وطنيَّة تحمل في مضامينها دعوة صريحة إلى البحث عن مكامن النقص التي قد تؤثر في تماسُك الأسرة وقوَّتها، والعمل على سد الفجوات التي أفرزتها التحولات الاجتماعيَّة والثقافيَّة والاقتصاديَّة والتقنيَّة المتسارعة.
على أن الحديث عن الجزء المفقود لا يعني بالضرورة وجود أزمة أو خلل بنيوي في الأسرة العُمانيَّة، بقدر ما يعكس الحاجة إلى مراجعة مستمرة للواقع الأسري، والبحث عن فرص التطوير والتحسين، وتعزيز الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من العناية والرعاية.
إنَّ الحديث عن الاستقرار الأسري يضعنا اليوم أمام مرتكز الحوار الأسري؛ باعتباره أحد أهم الأجزاء التي ينبغي استعادتها وتعزيز حضورها في الحياة اليوميَّة.
فلم يَعُدِ الحوار ترفًا اجتماعيًّا أو سلوكًا اختياريًّا تمليه الظروف والمزاجيَّات، بل أصبح ضرورة حياتيَّة وأداة استراتيجيَّة في بناء الثقة وتقوية العلاقات الأسريَّة، ومعالجة الخلافات وتقريب وجهات النظر.
كما أنه يُمثِّل المدخل الأهم لصناعة أسرة قادرة على مواجهة التحديات والتكيُّف مع المتغيرات والمحافظة على هُويَّتها وقيمها.
فإن نجاح الأسرة في بناء حوار مستدام بين الآباء والأبناء، وبين الزوجين، وبين الإخوة بعضهم مع بعض، سوف يسهم في خلق بيئة اجتماعيَّة إيجابيَّة يشعر فيها الجميع بالاحترام والتقدير والاحتواء، ويستشعر فيها الكل قيم المسؤوليَّة والالتزام والمهنيَّة، فيستنطق القيم ويستنهض الدوافع والغايات السليمة من أجل صون مركز الأسرة وتعزيز موقعه واحترامه، وبما يعزز من فرص التفاهم والتسامح والتعايش الإيجابي، ليصبح الحوار الأسري ثقافة وسلوكًا وممارسة يوميَّة تقوم على حُسن الاستماع للآخر، والإنصات إليه، واحترام الرأي الآخر، وتقدير المشاعر، وتقبل الاختلاف، والبحث عن المشتركات.
على أن الصورة الذهنيَّة النموذجيَّة التي سعت الحملة التوعويَّة والإعلاميَّة إلى تحقيقها تنطلق من مفهوم المشتركات والقيم المتعددة والممتدة والمتجذرة في حياة الأسرة العُمانيَّة والمنبثقة من قيم الإسلام العظيمة وتشريعاته السَّامية، تجعل من مفهوم التكامل الغاية والهدف الأسمى من أي اختلاف، بما يؤكد أن الاختلاف سنة الحياة وهو وارد قطعًا بين أفراد الأسرة، ولكنه كما يقال لا يفسد للود قضيَّة، ولا يؤثر سلبًا على وجوب هذا الاستحقاق، فلا ينبغي أن يتحول إلى مصدر للخلاف أو التنازع، بل إلى فرصة للتكامل والتنوع والإثراء.
فلكل فرد دوره ومسؤوليَّته وموقعه في تحقيق معادلة البناء الأسري، ولا يمكن أن تكتمل هذه المعادلة إلَّا حين يشعر الجميع بأنهم شركاء في صناعة الاستقرار الأسري وتحمل مسؤوليَّاته.
كما أن الرسالة التي يحملها شعار «جزء مفقود» تتجاوز حدود الأسرة البنيويَّة، والتي جاءت مبادرة الوزارة مشكورة «رفقة حياة» نحو بناء وعي زواجي مستديم يعظِّم المسؤوليَّة ويصنع الاستقرار الأسري، في رسم معالمها لتجعل من مبادرة «جزء مفقود» امتدادًا معنويًّا وخيوط اتصال لا تنقطع وجسور حُب ممتدة لتصل إلى المُجتمع بمختلف مؤسَّساته.
ويصبح القاسم المشترك بينها «استقرار الأسرة»، إيمانًا من الوزارة بأن تعزيز جودة الحياة وتحقيق الاستقرار الاجتماعي إنما يبدأ من الأسرة وينتهي إليها؛ باعتبارها البيئة الأولى التي تتشكل فيها الشخصيَّة وتنمو فيها القيم وتتجذر فيها معاني المواطنة والانتماء.
لذلك تبرز قيمة الربط بين هذه المبادرات؛ باعتبارها محطة تحول في بناء المواطنة واستحضار الهُويَّة العُمانيَّة وتجسيد السَّمت العُماني الأصيل، منطلقات أساسيَّة في تعزيز البناء الأسري، وتوظيف هذا الثراء الفكري والقيمي والأخلاقي، والرصيد الدِّيني والمبادئ والثوابت الوطنيَّة التي يتميز بها المُجتمع العُماني عبر تاريخه، فتنشط في الكيان الأسري والاجتماعي قيم التسامح والتكافل والتراحم واحترام الكبير والعطف على الصغير وصلة الرحم وحسن الجوار، وهي قيم شكلت مصدر قوة واستقرار للمُجتمع، وأسهمت في بناء علاقات إنسانيَّة متينة استطاعت أن تتجاوز الكثير من التحديات والمتغيرات.
لذلك كان وجود هذا التكامل والترابط والانسجام بين المبادرات الموجهة للأسرة يتجه اليوم لصناعة التكامل المولد للقوة والمؤصل للإنتاجيَّة والمحافظ على صون المكون الأسري والمحافظة عليه، عبر إعادة إنتاج القيم الوطنيَّة وتعظيم حضورها في فِقه البناء الأسري والاجتماعي وربطها بلغة العصر، وتعزيز حضورها في حياة الأبناء والشباب، وتحويلها من قيم مجردة أو ممارسات سطحيَّة فرضتها الظروف ومُجتمع الكبار إلى كونها لغة خطاب والتقاء واحتواء وانتماء، لتتجسد في واقع حياة المُجتمع ممارسات عمليَّة وسلوكيَّات يوميَّة تعبِّر عن أصالة المُجتمع وقدرته على التكيُّف مع المستجدات دون أن يفقد هُويَّته أو يفرّط في ثوابته.
ومن هذا المنطلق، فإن الحملة في ظل تنوع أهدافها واتساع غاياتها، تسعى إلى رفع درجة الاستحقاق الأسري، وبناء أسرة مطمئنة قادرة على التعامل مع معطيات الحاضر واستشراف المستقبل.
أسرة تمتلك من الوعي والمرونة ما يمكنها من مواجهة التحديات الاجتماعيَّة والفكريَّة والنفسيَّة، وقادرة في الوقت ذاته على صناعة التحول الإيجابي الذي يعزز من استقرارها، ويحدُّ من الظواهر السلبيَّة التي بدأت بعض آثارها تظهر في ارتفاع مؤشرات الطلاق وزيادة الخلافات الأسريَّة وضعف التواصل بين بعض أفراد الأسرة.
ولا شك أن مواجهة هذه التحديات تتطلب الانتقال من مرحلة التوعية النظريَّة إلى التطبيق وتعزيز برامج المحاكاة للواقع، وعبر بناء برامج ومبادرات عمليَّة تعزز ثقافة الحوار والاحتواء وتدرب أفراد الأسرة على مهارات التواصل وإدارة الخلافات وفهم الاحتياجات النفسيَّة والعاطفيَّة للأبناء.
كما تتطلب إيجاد بيئات اجتماعيَّة وتربويَّة تدعم هذه القيم وتوفر لها فرص النمو والاستدامة، ولهذا نعتقد بأن الأشهر الأربعة التي تبنتها الحملة في تحقيق مساراتها، وهي الفترة الزمنيَّة الممتدة من شهر مايو إلى سبتمبر 2026، والتي انتهجتها الحملة جاءت في مرحلة مفصليَّة ووقت في غاية الأهميَّة، وهي فترة يتخللها موسم الصيف والإجازة الصيفيَّة، الأمر الذي يفتح آفاقًا واسعة لاستثمار هذه الفترة في تعزيز التقارب الأسري والتواصل العائلي.
فالإجازة الصيفيَّة ليست مجرد أيام راحة عابرة أو استراحات قصيرة من ضغوط العمل والدراسة، بل هي فضاءات تواصليَّة حقيقيَّة تعيد للإنسان توازنه النفسي وتمنحه مساحة من السكينة، وتعيد للأسرة حميميَّتها وتجسد روح التآلف والتكامل.
ففي الإجازة الصيفيَّة تتاح فرص اللقاء والتقارب والحوار والسفر والزيارات العائليَّة والتجمعات الأسريَّة، وهي جميعها محطات قادرة على أن تسد كثيرًا من الأجزاء المفقودة في حياة الأسرة.
إنها فرصة لأن تقترب المشاعر وتتفاعل الأرواح وتستعاد الذكريات الجميلة، وتستحضر مواقف الآباء والأجداد وقيم الود والرحمة والتكافل التي شكلت على الدوام أساس البناء الأخلاقي للأسرة العُمانيَّة، لتتحول هذه الإجازة إلى محطة لتدارك القصور العائلي وتعويض غياب الحوار الأسري وسد نقص الاحتواء العاطفي، لتبقى الأسرة مشروع عُمان الحضاري لمُجتمع أكثر استقرارًا وترابطًا وتماسكًا في مواجهة المستقبل.
أخيرًا، فإن التوقعات بما تشهده فترة تنفيذ الحملة الإعلاميَّة التوعويَّة «جزء مفقود» من حراك مُجتمعي ومؤسَّسي واسع، وإدماجها في البرنامج الصيفي للمؤسَّسات، واستغلال المواسم السياحيَّة النشطة، كخريف ظفار، تُمثِّل فرصة عمليَّة لتجسيد أهداف الحملة وتحويل رسائلها التوعويَّة إلى برنامج عمل واستراتيجيَّات تنفيذ ومؤشرات أداء، تحافظ على موقع الأسرة، مشروع عُمان الحضاري في صناعة الأثر وتعزيز الاستقرار الأسري النموذج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك