تشهد المزارع البحثية في مصر تحولًا متسارعًا من كونها مساحات تقليدية للتجارب الزراعية إلى منصات متكاملة لاختبار حلول الطاقة المتجددة وإدارة الموارد في بيئات شديدة التحدي، وعلى رأسها المناطق الصحراوية، هذا التحول لم يعد مجرد تطوير تقني، بل أصبح إعادة تعريف لوظيفة المزرعة نفسها، بوصفها نظامًا يجمع بين الإنتاج الزراعي وتوليد الطاقة وإعادة تدوير الموارد.
وفي ظل تنامي الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبيوجاز، إلى جانب الاتجاه نحو تقنيات أكثر تقدمًا مثل الهيدروجين الأخضر، أصبحت هذه المزارع بيئات تطبيقية حقيقية تُختبر فيها كفاءة الأنظمة الجديدة في التشغيل والري والإنتاج، ويعكس هذا التطور ارتباطًا مباشرًا بين الطاقة المتجددة والاستدامة الزراعية، وقدرة هذه النماذج على التكيف مع التغيرات المناخية، وإنتاج حلول قابلة للتطبيق في الواقع وهو ما يركز عليه تقرير لوكالة أنباء الشرق الأوسط اليوم في رصد ارتباط الطاقة المتجددة بمسارات الاستدامة والتنمية في المناطق الصحراوية.
الجذور التاريخية للتكامل التنمويومع تتبع جذور التكامل بين الزراعة والطاقة والتنمية المستدامة، و رغم أن مفاهيم الزراعة الذكية والمزارع البحثية والاكتفاء الذاتي من الطاقة والمياه والغذاء تبدو اليوم جزءًا من سياسات التنمية الحديثة، فإن جذورها في مصر تعود إلى تجارب مبكرة سبقت هذا التوجه بعقود، كان من أبرزها ما قدمه الراحل الدكتور صلاح عرفة من خلال نموذج قرية البسايسة بمحافظة الشرقية منذ سبعينيات القرن الماضي، فقد اعتمد هذا النموذج على دمج الزراعة بالطاقة الشمسية وإعادة تدوير المخلفات لإنتاج الطاقة الحيوية، إلى جانب تمكين المجتمعات الريفية من خلال التدريب وبناء القدرات، مع إتاحة مساحة محورية للشباب باعتبارهم القوة الأساسية في عملية التغيير، حيث جرى إشراكهم في التدريب العملي ونقل المعرفة وبناء مهارات إدارة الموارد الطبيعية، بما يربط بين التعليم والعمل والإنتاج داخل بيئة ريفية مستدامة.
وتمثل هذه التجربة اليوم مرجعية فكرية يمكن إسقاطها على تطور مفهوم المزارع البحثية والمشروعات الزراعية الحديثة، التي تسعى إلى تحقيق التكامل بين الأرض والطاقة والغذاء في مواجهة التغيرات المناخية وتعزيز الأمن الغذائي، مع وضع الشباب في قلب عملية التنمية بوصفهم المحرك الرئيسي لاستدامتها.
وبينما أرست تجارب مبكرة مثل البسايسة الأساس الفكري لهذا التوجه، جاءت نماذج أحدث لترجمة هذه الأفكار إلى تطبيقات عملية على أرض الواقع، ومن أبرزها تجربة" ريف البحثية" بالاسماعيلية والفرافرة.
تجربة" ريف": من الحلم الشخصي إلى المختبر المفتوحلم تولد فكرة «ريف البحثية» كمشروع تقليدي مخطط له مسبقًا لإنشاء مركز متخصص في الطاقة المتجددة أو الزراعة الصحراوية, بل بدأت كحلم شخصي بسيط تمثل في إنشاء مزرعة تعيد ملامح الريف المصري القديم من حيث الإنتاج الطبيعي للدواجن والبيض والألبان، بعيدًا عن أنظمة الإنتاج المكثف الحديثة، غير أن هذا الحلم سرعان ما تحول إلى تجربة عملية معقدة، فرضت واقعًا مختلفًا داخل البيئة الصحراوية، حيث لا يمكن استمرار أي نشاط إنتاجي دون إعادة التفكير في منظومة الطاقة والمياه والغذاء بشكل متكامل.
ومع بدء تشغيل المزرعة، برزت الحاجة إلى توفير مصدر مستقر للطاقة وتقليل تكاليف التشغيل، كما ظهرت تحديات مرتبطة بإدارة المياه والري داخل البيئة الصحراوية، الأمر الذي دفع القائمين على التجربة إلى البحث عن حلول عملية تضمن استدامة التشغيل وتعزز كفاءة استخدام الموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق، قال المهندس حاتم الرومي مؤسس مزرعة" ريف البحثية" النائب الأول لشعبة الطاقة المتجددة بالغرفة التجارية بالقاهرة ورئيس مجلس إدارة مجموعة شركات تربل إم العاملة في مجال الطاقة المتجددة، إن الحاجة إلى توفير مصدر مستقر للطاقة وتقليل تكاليف التشغيل دفعته إلى توظيف خبرته في مجال الطاقة المتجددة والاعتماد على الطاقة الشمسية لتشغيل الآبار وتوليد الكهرباء.
مضيفا أن توسع التجربة كشف عن تحديات أخرى تتعلق بإدارة المياه والري، خاصة فيما يتعلق بعدم توافق أوقات توفر الطاقة الشمسية مع احتياجات الري، وهو ما قاد إلى تطوير أنظمة لتخزين المياه وإعادة استخدامها عبر الجاذبية الأرضية، بما يضمن استدامة التشغيل وتقليل الاعتماد على الطاقة المباشرة.
وأشار إلى أنه مع استمرار التطوير لم يعد الاعتماد مقتصرًا على مصدر واحد للطاقة، حيث تم إدخال طاقة الرياح إلى المنظومة بهدف تنويع مصادر الإنتاج وتحسين الاستقرار.
وأوضح أن التجربة اتجهت بعد ذلك إلى توظيف المخلفات الزراعية والحيوانية في إنتاج البيوجاز والبيوماس، لتتحول المخلفات من عبء بيئي إلى مصدر إضافي للطاقة، مؤكداً أن هذا الدمج بين الطاقة الشمسية والرياح والبيوجاز أسهم في تحويل «ريف» إلى نموذج متكامل يسعى لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة داخل منظومة إنتاج زراعي مغلقة نسبيًا.
وأكد الرومي أن المزرعة، مع تطور التجربة، تجاوزت حدود الإنتاج الزراعي والطاقة، لتتحول إلى منصة تطبيقية تربط بين البحث العلمي والتجربة العملية، حيث بدأت تستقبل طلابًا وباحثين من الجامعات المصرية والدولية لدراسة الأنظمة المختلفة على أرض الواقع، بما في ذلك الزراعة تحت الألواح الشمسية، وإنتاج البيوجاز، وأنظمة الري الحديثة.
وأضاف أن هذا التفاعل مع المؤسسات الأكاديمية أصبح جزءًا أساسيًا من هوية المزرعة باعتبارها مختبرًا مفتوحًا للتعلم والتجريب، يتيح للباحثين والطلاب فرصة متابعة التطبيقات العملية للحلول المرتبطة بالاستدامة والطاقة المتجددة.
ولفت إلى أن فلسفة الاستدامة داخل «ريف» امتدت كذلك إلى تصميم المباني وأنماط التشغيل، لتصبح المزرعة نموذجًا يجمع بين العمارة البيئية وإدارة الموارد الطبيعية، في إطار رؤية تقوم على تحويل الصحراء من بيئة محدودة الموارد إلى مساحة للإنتاج والتعلم والتطوير المستمر.
وفي امتداد مباشر لهذه النماذج التطبيقية وعلاقتها بالاقتصاد الأخضر، يؤكد الدكتور علاء سرحان، أستاذ اقتصاديات البيئة بجامعة عين شمس وخبير التمويل المناخي والاستدامة، أن المزارع البحثية تمثل نموذجًا تطبيقيًا فريدًا لدمج الطاقة الشمسية والرياح والبيوجاز في مواجهة التغيرات المناخية، لأنها لا تعمل فقط كمواقع إنتاج زراعي، بل كـ«بيئات اختبار حقيقية» تجمع بين الإنتاج والبحث العلمي والتدريب والتجريب العملي في وقت واحد.
منوها بأن هذا النموذج يمنح المزارع البحثية ميزة لا تتوافر بالقدر نفسه في المشروعات التجارية أو الصناعية التقليدية، إذ تتيح مساحة لاختبار التقنيات والحلول الجديدة، وقياس كفاءتها الفنية والاقتصادية والبيئية في ظروف تشغيل فعلية، قبل نقل التجارب الناجحة إلى نطاق أوسع أو تحويلها إلى تطبيقات قابلة للتوسع التجاري.
وأضاف الدكتور علاء سرحان أن أهمية دمج الطاقة الشمسية والرياح والبيوجاز تكمن في أن كل مصدر منها يعالج جوانب القصور لدى المصدر الآخر؛ فالشمس تحقق أعلى معدلات إنتاج خلال ساعات النهار، خاصة في فصل الصيف، بينما تتراجع كفاءتها ليلًا وخلال المواسم الأقل إشعاعًا، في حين ترتفع كفاءة طاقة الرياح غالبًا خلال الليل والفترات الباردة، فيما يقوم البيوجاز بدور عنصر التوازن داخل المنظومة من خلال توفير مصدر مستمر للطاقة يعتمد على المخلفات الزراعية والحيوانية.
وأشار سرحان إلى أن الدمج الثلاثي بين هذه المصادر يخلق منظومة طاقة شبه مستقلة يمكنها تلبية احتياجات المزرعة من الكهرباء والطاقة، مع إمكانية تصدير الفائض إلى الشبكة الكهربائية الموحدة، بما يععزز كفاءة استخدام الموارد ويخفض الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.
وحول النماذج البحثية المصرية، أوضح الدكتور علاء سرحان أن مزرعتي «ريف» البحثية بالإسماعيلية والفرافرة تقدمان تجربتين مختلفتين من حيث الخصائص البيئية، لكنهما تتكاملان في إبراز قدرة المزارع البحثية على تحويل البيئات الزراعية والصحراوية إلى منصات تطبيقية للطاقة المتجددة والاستدامة.
وأوضح أن نموذج «ريف» بالإسماعيلية، يوفر بيئة مناسبة لاختبار الزراعة تحت الألواح الشمسية، وتحلية المياه الجوفية، وإنتاج البيوجاز من المخلفات الحيوانية داخل منظومة زراعية تشغيلية، بما يسمح بقياس الأداء الفعلي لهذه التطبيقات أمام المستثمرين والجهات المهتمة بملفات الطاقة والاستدامة.
الفرافرة.
من الترابط المائي إلى التعمير الشامل والاكتفاء الذاتيوتابع المهندس حاتم الرومى قائلا إن رحلة التطوير لم تتوقف عند إنتاج الطاقة، فمع كل خطوة جديدة كانت تظهر تحديات أخرى تكشف الترابط العميق بين الموارد المختلفة داخل المنظومة الزراعية، وخلال العمل على تشغيل الآبار بالطاقة الشمسية، اتضح أن جزءًا كبيرًا من الطاقة المهدرة يرتبط في الأساس بإدارة المياه وأنظمة الري، إذ إن الإفراط في استهلاك المياه يعني بالضرورة استهلاكًا أكبر للطاقة اللازمة لاستخراجها وضخها ونقلها.
وأوضح أن هذا الإدراك قاد إلى توسيع دائرة البحث لتشمل منظومات الري الحديثة ورفع كفاءتها، انطلاقًا من قناعة مفادها أن توفير المياه هو في الوقت نفسه توفير للطاقة.
وأصبح تطوير أنظمة الري جزءًا أساسيًا من استراتيجية الاستدامة، بالتوازي مع البحث عن حلول متكاملة لإدارة الموارد داخل المزرعة.
وأشار إلى أنه مع مرور الوقت تحولت المزرعة إلى منظومة مترابطة تعتمد على إعادة استخدام الموارد وتعظيم الاستفادة منها، حيث جرى توظيف خزانات المياه في الاستزراع السمكي، واستخدام مخلفات الأسماك كمصدر طبيعي لتغذية النباتات، والتوسع في الزراعة العضوية، لتنشأ منظومة إنتاجية تجمع بين الطاقة والمياه والغذاء في نموذج واحد متكامل.
وقال الرومي إن التجربة سرعان ما تجاوزت حدود الزراعة والطاقة لتشمل مختلف التخصصات العلمية والإنسانية، إذ أصبح الهدف بناء نموذج تنموي متكامل يشارك فيه المهندس والفني والعامل والمحاسب والأخصائي الاجتماعي وغيرهم من أصحاب التخصصات المختلفة.
منوها بأن المزرعة تحولت كذلك إلى مساحة للتدريب العملي للشباب، ورسالة تؤكد أن بناء مستقبل مهني ناجح لا يرتبط بتخصص بعينه، بل بقدرة الفرد على توظيف معارفه في حل مشكلات المجتمع وإنتاج قيمة حقيقية.
وأكد أنه رغم النجاحات التي تحققت في مجالات الطاقة والمياه والإنتاج الزراعي، ظلت قضية الأعلاف تمثل التحدي الاقتصادي الأكبر، فمع إنتاج الغذاء وتربية الدواجن والحيوانات وإنتاج الألبان والبيض، بقيت الأعلاف عنصرًا رئيسيًا يعتمد على مصادر خارجية، وهو ما دفع فريق العمل إلى البحث عن حل جذري للمشكلة.
وأوضح أن فكرة التوسع في منطقة الفرافرة بمحافظة الوادي الجديد جاءت استجابة لهذا التحدي، حيث توفر المساحات الشاسعة وتكلفة الأراضي المنخفضة فرصة حقيقية لإنتاج الأعلاف على نطاق واسع.
لافتا الى أن تكلفة الفدان هناك لا تمثل سوى جزء بسيط من تكلفة الأراضي الزراعية في الدلتا، وهو ما يفتح المجال أمام بناء منظومة إنتاج متكاملة تبدأ بزراعة الأعلاف وتنتهي بإنتاج الغذاء والمنتجات الحيوانية.
وفي هذا السياق التقييمي لبيئة الفرافرة، يوضح الدكتور علاء سرحان أن نموذج الفرافرة، الواقع في قلب البيئة الصحراوية، يمثل – بحسب سرحان – مساحة مثالية لاختبار النظم المتكاملة المعتمدة على الطاقة المتجددة، خاصة في ظل معدلات الإشعاع الشمسي المرتفعة التي تتجاوز نحو 6.
5 كيلووات/ساعة لكل متر مربع يوميًا.
وأضاف أن هذا النموذج يعتمد على توظيف مخلفات المحاصيل الزراعية في تشغيل مفاعلات البيوجاز لإنتاج الكهرباء والطاقة الحرارية والسماد العضوي، الذي يعاد ضخه مرة أخرى داخل الدورة الزراعية، فيما يُعرف بنظام «صفر مدخلات خارجية»، حيث تعتمد المنظومة على مواردها الذاتية دون الحاجة إلى مدخلات إضافية، ما يجعله نموذجًا مناسبًا للواحات والمناطق النائية.
ونوه المهندس حاتم الرومى بأن التوجه إلى الفرافرة لم يكن مجرد مشروع زراعي، بل جزءًا من رؤية أوسع لإعادة توطين السكان في الصحراء وخلق مجتمعات عمرانية وإنتاجية جديدة، موضحًا أن الفكرة الأساسية لم تقتصر على استصلاح الأراضي، وإنما استهدفت توفير مقومات الحياة الكريمة للشباب والعاملين والمهندسين من خلال إنشاء الخدمات الأساسية والبنية التحتية اللازمة لضمان الاستقرار وجذب السكان إلى المناطق الصحراوية.
وأضاف أن التجربة سعت، في إطار هذه الرؤية، إلى تحقيق أعلى درجات الاعتماد على الذات عبر توفير الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، واستخدام الطاقة الشمسية في معالجة المياه واستخراج مياه الشرب من الآبار، إلى جانب بناء منظومة متكاملة للأمن الغذائي تعتمد على الإنتاج المحلي للنباتات والمحاصيل والأعلاف وتربية الحيوانات والدواجن.
وأكد الرومي أن الهدف النهائي لم يكن مجرد إنشاء مزرعة أو مشروع إنتاجي، بل تأسيس مجتمع قادر على إنتاج احتياجاته الأساسية من الطاقة والمياه والغذاء، والتحول في الوقت نفسه إلى مصدر للمنتجات الزراعية والغذائية، بما يثبت أن الصحراء يمكن أن تصبح بيئة جاذبة للحياة والتنمية عندما تتكامل المعرفة العلمية مع الإدارة الرشيدة للموارد.
وأشار الرومى فى هذا الصدد، الى أن الفارق بين العمل في الأراضي الزراعية التقليدية والعمل في قلب الصحراء يشبه الفارق بين عالمين مختلفين؛ ففي المناطق الزراعية تتوافر المياه والخدمات والعمالة والبنية الأساسية، بينما يتطلب إنشاء مجتمع منتج في الصحراء بناء كل شيء تقريبًا من الصفر.
ولفت إلى أن التحدي الحقيقي لم يكن استصلاح الأرض فقط، وإنما استصلاح العلاقة بين الإنسان والصحراء، وإقناع الشباب بأن هذه المناطق يمكن أن تتحول إلى بيئة صالحة للحياة والعمل والاستقرار وتكوين الأسر، مشيرًا إلى أن نجاح أي مشروع تنموي في المناطق الصحراوية لا يُقاس بعدد الأفدنة المزروعة فحسب، بل بقدرته على جذب البشر وتمكينهم من بناء حياة مستقرة وكريمة.
وأضاف الرومي أن التجربة منذ بدايتها ركزت على توفير مقومات الحياة إلى جانب الأنشطة الإنتاجية، بحيث لا يشعر العامل أو المهندس أو الشاب المقبل على الزواج بأنه يعيش في بيئة معزولة تفتقر إلى الخدمات، وإنما داخل مجتمع متكامل يوفر فرص العمل والإنتاج والاستقرار.
وأوضح أن من أكثر اللحظات تأثيرًا في مسيرته كانت تلك التي بدأت فيها ملامح النجاح في الظهور، حين تحولت مساحات من الصحراء القاحلة إلى بقع خضراء نابضة بالحياة، تنتشر فيها المزارع والثروة الحيوانية، وتعلو فيها أصوات الأطفال، وتظهر آثار الاستقرار والرضا على وجوه السكان والعاملين.
ويرى أن القيمة الحقيقية للمشروع لا تقتصر على إنتاج الغذاء أو توفير الطاقة، وإنما تمتد إلى بناء مجتمع قادر على الاستمرار والنمو، وتوفير فرص عمل متنوعة للشباب والخريجين والطلاب، وخلق بيئة اقتصادية واجتماعية جاذبة تدعم فكرة الهجرة الداخلية إلى الصحراء باعتبارها أحد المسارات المهمة لتحقيق التنمية المستدامة وتخفيف الضغط على الوادي والدلتا.
ويؤكد الرومى أن تحويل الصحراء إلى بيئة منتجة لا يقتصر على استصلاح الأراضي الزراعية فحسب، بل يشمل أيضًا خلق فرص اقتصادية جديدة، وتدريب الكوادر الشابة، وتعزيز ثقافة الاعتماد على الذات، بما يجعل المجتمعات الصحراوية قادرة على إنتاج احتياجاتها والمساهمة في دعم الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
بين التحديات وإثبات الجدوى الاقتصاديةولم تكن التحديات التي واجهت تجربة «ريف» مقتصرة على الجوانب الفنية أو اللوجستية، بل امتدت أيضًا إلى التشكيك في جدواها الاقتصادية، حيث واجه المهندس حاتم الرومي في بدايات المشروع تساولاً وانتقادات متكررة حول إمكانية تحقيق عائد اقتصادي من الاستثمار في الطاقة المتجددة واستصلاح الصحراء، خاصة في ظل ارتفاع التكاليف الأولية للتجهيزات والبنية الأساسية.
ويؤكد الرومي أن الهدف الأساسي منذ انطلاق التجربة لم يكن السعي وراء أرباح سريعة، وإنما إثبات إمكانية نجاح النموذج على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن الرهان الحقيقي كان على المستقبل وعلى التحولات التي ستشهدها أسواق الطاقة والموارد خلال السنوات التالية، وهو ما تحقق بالفعل بصورة تجاوزت توقعات الكثيرين.
وأوضح الرومي أن حسابات الجدوى الاقتصادية التي كانت سائدة في بداية المشروع كانت تشير إلى فترات استرداد طويلة للاستثمارات، غير أن الارتفاع المتتالي في أسعار الطاقة التقليدية أدى إلى تغيير المعادلة بشكل واضح، ومع زيادة تكلفة الكهرباء والوقود ومستلزمات التشغيل المختلفة، أصبحت نظم الطاقة المتجددة أكثر قدرة على المنافسة، وتقلصت فترات استرداد التكلفة مقارنة بما كانت عليه في السابق.
وأشار إلى أن ما كان يُنظر إليه في الماضي باعتباره استثمارًا طويل الأجل أصبح اليوم خيارًا اقتصاديًا مجديًا لعدد متزايد من المشروعات الزراعية والإنتاجية، وهو ما دفع عددًا من المنتقدين السابقين إلى إعادة تقييم مواقفهم، والتحول في بعض الحالات إلى داعمين للفكرة ومهتمين بتطبيقها.
وفي السياق ذاته، لفت إلى أن النجاح في هذا المجال لا يرتبط فقط بتوفير التكنولوجيا، وإنما يعتمد بالدرجة الأولى على القدرة المستمرة على التعلم والتطوير، موضحًا أن التقنيات المرتبطة بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح تشهد تطورًا متسارعًا، إلى جانب بروز مصادر جديدة للطاقة النظيفة، من بينها الهيدروجين الأخضر والطاقة الحرارية الجوفية وغيرها من الحلول الواعدة.
وأضاف أن مواكبة هذه التحولات أصبحت ضرورة أساسية للحفاظ على كفاءة المشروعات وقدرتها على الاستمرار والتوسع، وهو ما يتطلب استثمارًا مستمرًا في التدريب وبناء القدرات وتطوير المهارات، سواء على مستوى الأفراد أو فرق العمل، بما يضمن الاستفادة من الفرص التي تتيحها التقنيات الحديثة وتوظيفها في خدمة التنمية والإنتاج.
وفي امتداد تحليلي واسع النطاق لاستدامة الصحراء وجدواها، تؤكد الدكتورة وفاء علي، أستاذ الاقتصاد وخبير أسواق الطاقة، أن مصر تمتلك مقومات تؤهلها لتقديم نموذج عالمي في توظيف الصحراء لخدمة التحول الطاقوي وإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مشيرة إلى أن مصر تمضي بخطوات متسارعة نحو ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لتداول الطاقة بفروعها التقليدية والمتجددة.
وتشدد الدكتورة وفاء على أن الحفاظ على الاستدامة الطاقوية لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة حتمية في ظل ما يشهده العالم من أزمات متلاحقة وتحديات مرتبطة بأمن الطاقة، وهو ما دفع مصر إلى تبني رؤية طويلة المدى تضمن تأمين احتياجاتها الحالية والمستقبلية من الطاقة.
وتوضح أن الدولة نفذت خلال السنوات الماضية جهودًا مدروسة لتأمين واستدامة الطاقة، استندت إلى دراسات متخصصة وتخطيط علمي ساعدا في بناء استراتيجية متكاملة تقوم على تأمين الإمدادات، وإدارة الطلب بكفاءة، وتنويع مصادر الطاقة، بما يضمن استدامة المنظومة الطاقوية وقدرتها على دعم خطط التنمية.
وتلفت الدكتورة وفاء علي إلى أن هذه الرؤية لا تقتصر على التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة فقط، بل تشمل أيضًا تعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية عبر تنفيذ عمليات مسح سيزمي جوي وبحري واسعة النطاق لرسم خرائط جديدة للموارد الطبيعية، إلى جانب توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في أعمال البحث والاستكشاف، بما يعزز كفاءة إدارة الموارد ويرفع من قدرة الدولة على التخطيط المستقبلي.
وترى وفاء علي أن المشهد الحالي يعكس سعيًا واضحًا نحو تحقيق الاستدامة الطاقوية من خلال الجمع بين تأمين الإمدادات وإدارة الطلب المحلي، مؤكدة أن الدولة وضعت آليات تُمكنها من أن تصبح رائدًا طاقيًا في المنطقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وإمكاناتها الاقتصادية في دعم دورها كمركز إقليمي للطاقة.
وتضيف أن التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يمثل أحد أبرز المؤشرات على هذا التوجه، إذ تسعى مصر إلى تعزيز مساهمة مصادر الطاقة النظيفة في مزيج الطاقة الوطني، بما يدعم أهداف التنمية المستدامة ويخفض الانبعاثات الكربونية، مشيرة إلى أن الدولة تستهدف إضافة 9.
1 جيجاواط من قدرات الطاقة المتجددة.
وتؤكد أن هذه الجهود لا تنعكس على قطاع الطاقة وحده، بل تمتد آثارها إلى قطاعات حيوية أخرى، من بينها الزراعة واستصلاح الأراضي، حيث تساهم الطاقة النظيفة في خفض تكاليف التشغيل ودعم استدامة المشروعات الزراعية في المناطق الصحراوية، لتصبح الطاقة المتجددة أحد المحركات الرئيسية لتحويل الصحراء من أراضٍ قاحلة إلى مساحات إنتاج وتنمية، ومن مجرد امتداد جغرافي واسع إلى مختبر أخضر لاختبار حلول المستقبل.
ورغم ما تحقق على أرض الواقع، لا ينظر المهندس حاتم الرومي إلى تجربة الفرافرة باعتبارها مشروعًا مكتملًا، بل يراها خطوة أولى في مسار أطول نحو تعمير الصحراء المصرية، موضحًا أن الفكرة الأساسية لم تكن إنشاء مزرعة أو مجتمع إنتاجي محدود النطاق، وإنما تقديم نموذج قابل للتكرار والتطوير والبناء عليه في مناطق صحراوية أخرى.
وأكد الرومي أن الفرافرة مثلت بالنسبة له حلمًا يسعى إلى تحويله إلى نموذج وطني يمكن الاستفادة منه في إنشاء مجتمعات جديدة تعتمد على التكامل بين الطاقة والمياه والغذاء وفرص العمل، مشيرًا إلى أن التجربة ما زالت بحاجة إلى مزيد من الدراسات والخبرات والتطوير المستمر من جانب المتخصصين والاستشاريين في مختلف المجالات.
ويرى أن قيمة التجربة لا تكمن في تفاصيلها الحالية فقط، وإنما في قدرتها على تحفيز الآخرين على التفكير والتطوير وإضافة أفكار جديدة يمكن أن تجعل النموذج أكثر كفاءة وقابلية للتوسع، لافتًا إلى أن أي مشروع تنموي بهذا الحجم لا يمكن أن يكون نتاج جهود فردية، بل يحتاج إلى مساهمة جماعية من الباحثين والجامعات والمخططين والخبراء وصناع القرار.
وأضاف الرومي أن مستقبل الصحراء المصرية يمكن أن يتجه نحو اعتبارها امتدادًا طبيعيًا للعمران والإنتاج، من خلال إنشاء وحدات تنموية متكررة تتطور تدريجيًا إلى قرى ومجتمعات متكاملة، ثم إلى مدن قادرة على جذب السكان وتوفير فرص العمل وتحقيق الاستقرار.
وأوضح أن هذه الرؤية لا تقتصر على استصلاح الأراضي أو زيادة الرقعة الزراعية فحسب، وإنما تمتد إلى بناء منظومة متكاملة للحياة تشمل المدارس والجامعات ومراكز الشباب والخدمات المجتمعية المختلفة، بما يسهم في خلق بيئة جازبة للأسر والشباب، وتحويل الصحراء من مناطق متفرقة للإنتاج إلى مجتمعات مستقرة وقادرة على النمو والتطور على المدى الطويل.
وأوضح الرومي أن العديد من المدن الجديدة نجحت في جذب السكان وتوسعت بمرور الوقت، إلا أن التحدي من وجهة نظره يتمثل في خلق مجتمعات تمتلك قاعدة اقتصادية قادرة على توفير فرص العمل لسكانها، بحيث لا تقتصر وظيفتها على الإقامة فقط، بل تتحول إلى مراكز للإنتاج والتنمية.
وأضاف أن رؤيته للفرافرة انطلقت من اعتبارها نواة لمجتمع منتج يبدأ بالزراعة واستصلاح الأراضي وإنتاج الغذاء والأعلاف، ثم يتوسع لاحقًا ليشمل الصناعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي بما يضيف قيمة اقتصادية للمحاصيل والمنتجات المحلية، قبل أن تتكامل حلقات النشاط الاقتصادي عبر الخدمات التجارية والتسويقية والتصديرية، لتتشكل منظومة تنموية متكاملة قادرة على تحقيق النمو الذاتي.
وأكد الرومي أن نجاح تعمير الصحراء لا يرتبط فقط بإنشاء المباني أو شبكات الطرق، وإنما ببناء اقتصاد محلي حقيقي يوفر فرص العمل ويشجع السكان على الاستقرار طويل الأمد، مشددًا على أن الهدف هو تحويل المجتمعات الجديدة إلى مراكز إنتاج متكاملة تتفاعل فيها الزراعة والصناعة والتجارة ضمن منظومة واحدة تدعم التنمية وتخلق فرصًا اقتصادية للأجيال القادمة.
الهندسة التطبيقية وإدارة الموارد المتكاملة داخل ريفتتجه المزارع البحثية في مصر إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنتاج الزراعي وإدارة الموارد، لتتجاوز دورها التقليدي كمساحات للزراعة إلى بيئات تجريبية متكاملة لاختبار وتطوير حلول مبتكرة في مجالات الطاقة والمياه والاستدامة، ويعكس المهندس وسيم الحفناوي، كبير مهندسي المكتب الفني ومطور أنظمة الاستدامة والمدير التقني لمزرعة «ريف»، هذا التحول من خلال تجربة عملية تقوم على دمج أنظمة الطاقة الشمسية والرياح والبيوجاز مع إدارة المياه والمخلفات داخل منظومة تشغيلية واحدة تعتمد على التكامل وكفاءة الاستخدام.
مشيرا الى أن جوهر التجربة يقوم على فكرة «التكامل»، موضحًا أن تطوير المزرعة انطلق من رؤية تعتبر البيئة كيانًا واحدًا تتداخل فيه العناصر المختلفة وتعمل بصورة مترابطة لتحقيق هدف مشترك، وهو ما انعكس على تصميم المزرعة وآليات تشغيلها.
وأشار المهندس وسيم الحفناوي إلى أنه بدلًا من فصل الأنظمة داخل المزرعة وفق وظائف مستقلة، تم اعتماد نهج يقوم على تكامل الأدوار، بحيث يؤدي كل نظام وظيفته الأساسية، وفي الوقت نفسه يسهم في دعم باقي مكونات المنظومة، بما يحقق ترابطًا بين الطاقة والمياه والإنتاج الزراعي وإدارة المخلفات.
وفيما يتعلق بملف المياه والطاقة، أوضح الحفناوي أن أحد أبرز التحديات تمثل في ارتفاع استهلاك الطاقة خلال ساعات الليل في ظل الاعتماد على الطاقة الشمسية، ومع محدودية تقنيات التخزين في المراحل الأولى من المشروع.
مضيفا أن هذا التحدي دفع إلى التوسع في استخدام منظومات الطاقة الحيوية، بالتوازي مع رفع كفاءة أنظمة الري إلى أقصى درجة ممكنة، بهدف تحقيق معادلة تجمع بين ترشيد استهلاك المياه وتقليل الطاقة المستخدمة في العمليات الزراعية.
وأوضح وسيم الحفناوي أنه تم الاعتماد على الطاقة الشمسية لتغطية الجزء الأكبر من الاحتياجات خلال ساعات النهار، حيث تعتمد المزرعة على الطاقة الشمسية في تشغيل عدد من الأنشطة الحيوية، من بينها تشغيل آبار المياه الجوفية، وتوفير الكهرباء اللازمة للمرافق، إلى جانب شحن وسائل النقل الكهربائية وتستخدم الألواح الشمسية أيضًا في شكل مظلات، ما يحقق استفادة مزدوجة، سواء في توليد الطاقة أو تقليل تأثير الحرارة على الأنشطة الزراعية، وهو ما يعزز كفاءة التشغيل ويخفض التكاليف، بينما جرى توظيف المخلفات العضوية لإنتاج الغاز الحيوي الذي يُخزن ويُستخدم في توليد الكهرباء خلال الليل، بما يضمن استمرارية التشغيل وتقليل الاعتماد على الطاقة التقليدية.
وذكر أن التطور الأخير في تقنيات تخزين الطاقة بالبطاريات يمثل نقلة نوعية في هذا المجال، ما دفع إلى التوجه نحو شراكات صناعية خارجية، من بينها مصانع في الصين، لتطوير حلول تخزين أكثر كفاءة تدعم تشغيل المناطق النائية خلال المرحلة المقبلة.
لافتا الى أن تنوع مصادر الطاقة داخل المزرعة — بين الشمسية والحيوية والرياح — جعلها أقرب إلى نموذج شبه مكتفٍ ذاتيًا، بما ينعكس على خفض الانبعاثات الكربونية وتحسين البصمة البيئية.
وفي هذا السياق، أوضح أن الطاقة الشمسية تسهم في خفض الانبعاثات بما يتراوح بين 1000 و1500 طن، بينما يعادل المتر المكعب من الغاز الحيوي نحو 0.
002 طن متري من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، في حين تسهم طاقة الرياح بمعدل يقارب 0.
09 طن من ثاني أكسيد الكربون في الساعة، بما يعكس الأثر البيئي المباشر لتنوع مصادر الطاقة داخل المنظومة.
ولفت المهندس وسيم الحفناوي إلى أن تطوير المزرعة تم بشكل تدريجي، حيث أضيفت الأنظمة على مراحل متتابعة وفق احتياجات التشغيل والتطور التقني، وهو ما فرض تحديًا هندسيًا يتعلق بدمج هذه الأنظمة داخل إطار واحد مرن وقابل للتوسع دون التأثير على الكفاءة التشغيلية و أن هذا النهج التطويري المستمر تطلب بناء منظومة مرنة قادرة على استيعاب التغيرات في التكنولوجيا ومتطلبات الإنتاج، إلى جانب التكيف مع الظروف المناخية المحيطة بالموقع.
وفي جانب الإنتاج الغذائي، أوضح أن توظيف نبات «الأزولا» يمثل أحد الحلول الابتكارية لإنتاج الأعلاف عالية القيمة الغذائية، يحتوي على نسبة بروتين تتراوح بين 35% إلى 40% من وزنه الجاف، حيث يُستخدم كعلف للأسماك والمواشي والأغنام والدواجن عبر أحواض إنتاج مخصصة تضمن استمرارية الإنتاج طوال العام.
موضحا أن هذا النظام يحقق عدة مزايا، أبرزها استدامة الإنتاج، وتحسين جودة التغذية الحيوانية، وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد التقليدية، بما يسهم في خفض الانبعاثات الناتجة عن النقل والتصنيع.
ومن ضمن منظومة العمل، يتم كذلك تحويل المخلفات الزراعية إلى سماد عضوي، ما يساهم في تقليل تكلفة شراء الأسمدة، وتحسين جودة التربة، زيادة الإنتاجية، كما يعكس هذا التوجه تطبيقًا عمليًا لمفهوم الاقتصاد الدائري، الذي يعتمد على إعادة استخدام الموارد بدلًا من إهدارها، وهو ما يحقق قيمة مضافة للمشروع.
واختتم بأن نموذج «ريف» يعكس توجهًا تنمويًا متكاملًا يتسق مع رؤية مصر 2030، من خلال الربط بين الطاقة المتجددة وإدارة الموارد والابتكار والاقتصاد الدائري والبنية الزراعية الذكية، بما يخلق قيمة مضافة داخل الدورة الإنتاجية ويؤسس لنموذج قابل للتوسع داخل المزارع البحثية المستقبلية في مصر.
طاقة الرياح والبحث العلمي التطبيقي بالجامعاتوفي امتداد لهذا التكامل بين مصادر الطاقة المتجددة داخل المزارع البحثية، يبرز دور التطوير التكنولوجي بوصفه أحد العناصر الحاسمة في رفع كفاءة هذه المنظومات وضمان استدامتها، خاصة فيما يتعلق بطاقة الرياح وتطبيقاتها في البيئات المختلفة.
وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور عمرو عبد القادر، أستاذ الهندسة الميكانيكية بالجامعة البريطانية في مصر، أن نجاح مشروعات طاقة الرياح يعتمد بشكل أساسي على اختيار مواقع تتميز بسرعات رياح مناسبة تضمن كفاءة إنتاجية عالية وتحقق الجدوى الاقتصادية للتشغيل، مشيرًا إلى أن الأبحاث التطبيقية في هذا المجال تتجه نحو تطوير توربينات صغيرة القدرات تناسب المناطق النائية والصحراوية.
ويضيف الدكتور عمرو عبد القادر أن العمل البحثي داخل الجامعات المصرية لم يعد مقتصرًا على الدراسة النظرية، بل امتد إلى تصميم وتصنيع نماذج أولية لتوربينات الرياح، مع التركيز على تحسين الكفاءة الهوائية والميكانيكية، خصوصًا في البيئات ذات سرعات الرياح المتوسطة والمنخفضة، وهي الظروف الشائعة في العديد من المناطق الصحراوية داخل مصر.
كما يشير إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه هذه الصناعة يتمثل في المكونات الكهربائية وأنظمة التحكم، التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، رغم إمكانية تصنيع الأجزاء الميكانيكية محليًا، وهو ما يفتح المجال أمام تعزيز التعاون بين القطاع الأكاديمي والصناعي لتوطين تكنولوجيا الطاقة المتجددة داخل مصر.
ويؤكد أن دعم الشراكات البحثية بين الجامعات والقطاع الخاص يمثل خطوة أساسية لتطوير المكونات الحيوية مثل المولدات وأنظمة التحكم، بما يسهم في رفع القيمة المضافة للصناعة المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج.
ويختتم الدكتور عمرو بالإشارة إلى أن التوسع في استخدام توربينات الرياح الصغيرة يمثل فرصة مهمة لتوسيع نطاق الطاقة المتجددة في المناطق النائية، بما يدعم خطط التنمية المستدامة ويعزز قدرة هذه المناطق على الاعتماد على مصادر طاقة نظيفة ومستقرة.
مستقبل الطاقة اللامركزية: من الشبكات المصغرة إلى الهيدروجينوفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة عالميًا، قال المهندس حاتم الرومي إن العالم يواجه تحديًا حقيقيًا يتمثل في تزايد الطلب على الطاقة وتقلبات أسواق الوقود التقليدي، في وقت تتجه فيه الموارد البترولية إلى التراجع على المدى الطويل، وهو ما يجعل التحول نحو مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار تنموي.
وأكد أن التأخر في بناء القدرات الوطنية في هذا المجال يضع العديد من الدول أمام تحدٍ آخر يتمثل في التحول إلى مجرد مستهلك للتكنولوجيا المستوردة، بدلاً من أن تكون شريكًا في تطويرها أو إنتاجها، موضحًا أن امتلاك المعدات أو استيراد الأنظمة الحديثة لا يكفي وحده لتحقيق تنمية مستدامة ما لم يصاحبه فهم علمي وقدرات محلية قادرة على التطوير والتكييف والابتكار.
وأشار الرومي إلى أن نجاح مشروعات الطاقة المتجددة لا يرتبط فقط بتركيب الألواح الشمسية أو توربينات الرياح، وإنما يعتمد على حسن اختيار التكنولوجيا المناسبة لكل موقع وطبيعة الاستخدام، لافتًا إلى أن لكل مشروع ظروفه الخاصة التي تحدد المزيج الأمثل من مصادر الطاقة سواء كانت شمسية أو رياح أو كتلة حيوية أو غيرها من المصادر المتاحة.
وأوضح أن الأسئلة المتعلقة بتوقيت استخدام كل مصدر للطاقة ونسب الاعتماد عليه وآليات الدمج بين التقنيات المختلفة وكيفية تحقيق أعلى كفاءة بأقل تكلفة تمثل في جوهرها قضايا علمية وبحثية تحتاج إلى دراسات متخصصة وتجارب ميدانية مستمرة.
وأضاف أن المزارع البحثية والنماذج التطبيقية تبرز هنا باعتبارها أدوات أساسية لاختبار الحلول المختلفة في ظروف التشغيل الحقيقية، وتوفير بيانات عملية يمكن البناء عليها عند التخطيط للمشروعات المستقبلية، مؤكدًا أن البحث العلمي ليس نشاطًا منفصلًا عن التنمية، بل أداة رئيسية لترشيد الاستثمارات وتحقيق أفضل عائد اقتصادي وبيئي من موارد الطاقة المتاحة.
ولفت إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع نطاق التعاون بين الجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص، بما يسمح بإنتاج معرفة محلية قادرة على دعم صناعة الطاقة المتجددة، وتحويل مصر من مجرد مستخدم للتكنولوجيا إلى شريك فاعل في تطويرها وتوطينها، وهو ما يفتح المجال أمام حلول أكثر كفاءة وأقل تكلفة تتناسب مع احتياجات البيئة المصرية وظروفها التنموية.
وبصفته نائبًا أول لشعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة، يرى المهندس حاتم الرومي أن أحد ملفات الطاقة التي يجب ان تحظى بالاهتمام الكافي في مصر هو التوسع في نظم الطاقة اللامركزية المعتمدة على الشبكات المصغرة «Mini Grids» والشبكات متناهية الصغر «Micro Grids»، والتي تمثل أحد أهم الاتجاهات العالمية في إدارة الطاقة خلال العقود المقبلة.
ويشير إلى أن جزءًا كبيرًا من أنشطة شركات الطاقة المتجددة في مصر يتركز حاليًا في تشغيل آبار المياه بالطاقة الشمسية أو في مشروعات ربط المحطات بالشبكة القومية للكهرباء، بينما لا يزال الاهتمام محدودًا بالنماذج التي تعتمد على إنشاء مجتمعات ومناطق كاملة تعمل بالطاقة المتجددة بصورة شبه مستقلة.
ويؤكد الرومي أن الرؤية المستقبلية يجب أن تتجه نحو إنشاء قرى ومدن قادرة على الاعتماد على مواردها الذاتية من الطاقة، من خلال تصميم مزيج مناسب من المصادر المتجددة يتوافق مع طبيعة كل منطقة ومواردها المحلية.
فنجاح أي مشروع لا يعتمد على استخدام تكنولوجيا بعينها، وإنما على اختيار المصدر الأنسب للبيئة التي يعمل فيها المشروع وتحقيق التكامل بين مختلف الموارد المتاحة.
ويضيف أن العديد من التجارب الدولية أثبتت نجاح هذا النهج، مشيرًا إلى وجود مدن وقرى في أوروبا تعتمد بصورة كبيرة على الاستفادة من المخلفات الزراعية والحيوانية لإنتاج البيوجاز، الذي يستخدم في توفير الكهرباء والغاز والتدفئة والمياه الساخنة، إلى جانب إنتاج الأسمدة العضوية، بما يخلق منظومة اقتصادية متكاملة قائمة على إعادة تدوير الموارد المحلية.
ومن هذا المنطلق، يعمل الرومي بالتعاون مع الجامعات المصرية على دعم نشر هذا الفكر بين الأجيال الجديدة، من خلال تشجيع إدراج مفاهيم الشبكات المصغرة وإدارة الطاقة اللامركزية ضمن البرامج التعليمية والتدريبية، بما يهيئ الكوادر القادرة على التعامل مع متطلبات المرحلة المقبلة.
كما يسعى، من خلال شعبة الطاقة المستدامة، إلى توسيع آفاق التعاون بين الشركات المصرية ونظيراتها الدولية، بما يسمح بنقل الخبرات والتكنولوجيا وتبادل التجارب الناجحة.
ويؤكد أن بناء قطاع قوي للطاقة المتجددة يتطلب الاستفادة من الخبرات العالمية المختلفة، سواء في مجالات التكنولوجيا المتقدمة أو التصنيع أو الإدارة والتشغيل.
ويرى أن امتلاك مصر لقاعدة كبيرة من الشركات العاملة في قطاع الطاقة المستدامة يفتح المجال أمام بناء شراكات أوسع تربط بين التكنولوجيا والخبرة الدولية والاحتياجات التنموية المحلية، بما يعزز فرص توطين المعرفة ويدعم جهود التنمية في مصر والدول الأفريقية، خاصة في المناطق التي تحتاج إلى حلول مبتكرة للطاقة والتنمية المستدامة.
ويؤمن الرومي بأن مستقبل التوسع العمراني في الصحراء، ومستقبل المجتمعات الجديدة عمومًا، سيكون مرتبطًا بقدرتها على إدارة مواردها ذاتيًا، وتحقيق قدر من الاستقلال في مجالات الطاقة والمياه والغذاء، وهو ما يجعل الشبكات المصغرة والطاقة المتجددة أحد المفاتيح الرئيسية لبناء مجتمعات أكثر استدامة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وفي سياق تطور منظومات الطاقة المتجددة داخل المزارع البحثية وتكامل مصادرها المختلفة، يبرز دور تقنيات تخزين الطاقة والهيدروجين الأخضر والشبكات الذكية باعتبارها الحلقة التي تربط بين إنتاج الطاقة واستدامة استخدامها بكفاءة عالية.
وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور عبدالمسيح سمعان، الأستاذ بكلية الدراسات العليا والبحوث بجامعة عين شمس، أن التطور في تقنيات تخزين الطاقة يمثل أحد أهم المحركات الأساسية لتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، خاصة مع الطفرة التي يشهدها هذا المجال في تطوير بطاريات الليثيوم عالية الكفاءة، وبطاريات الصوديوم منخفضة التكلفة، إضافة إلى البطاريات الحالة الصلبة التي توفر مستويات أعلى من الأمان والكفاءة التشغيلية.
ويشير الدكتور عبد المسيح سمعان إلى أن هذه الابتكارات تسهم في رفع كفاءة تخزين الكهرباء لفترات أطول، وتقليل الفاقد في الطاقة، وخفض تكاليف التشغيل، بما يعزز استقرار أنظمة الطاقة المتجددة ويدعم قدرتها على التوسع في التطبيقات المختلفة، بما في ذلك المزارع البحثية والمناطق النائية.
كما يوضح أن الهيدروجين الأخضر يمثل أحد الحلول المستقبلية الواعدة، نظرًا لإمكانية إنتاجه عبر التحليل الكهربائي للمياه باستخدام الطاقة المتجددة، ليصبح وقودًا نظيفًا متعدد الاستخدامات في قطاعات الصناعة والنقل وتوليد الطاقة، دون انبعاثات كربونية، مما يجعله خيارًا استراتيجيًا لتخزين الطاقة على المدى الطويل.
في السياق نفسه، يلفت إلى أن الشبكات الذكية تمثل عنصرًا محوريًا في دمج مصادر الطاقة المختلفة، حيث تتيح إدارة أكثر كفاءة لتوزيع الكهرباء، وربط الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والأنظمة الهجينة داخل منظومة واحدة أكثر استقرارًا ومرونة، مع تقليل الفاقد وتحسين كفاءة الاستهلاك.
ويؤكد أن التوسع في استخدام الطاقة المتجددة ينعكس بشكل مباشر على خفض الانبعاثات الكربونية والحد من آثار التغيرات المناخية، إلى جانب الحفاظ على الموارد الطبيعية، مشيرًا إلى أن هذا التحول لا يرتبط فقط بالبنية التحتية، بل يتطلب أيضًا دمج مفاهيم الاستدامة في التعليم والمجتمع والإعلام.
التكيف المناخي والمؤشرات العالمية لأمن الطاقةولا يقتصر تحقيق التنمية المستدامة في المجتمعات الزراعية الجديدة على توفير الغذاء والمياه فحسب، بل يمتد ليشمل ضمان استدامة إمدادات الطاقة باعتبارها المحرك الرئيسي للأنشطة الإنتاجية والخدمية، وفي ظل التحديات العالمية المتزايدة وتقلبات أسواق الطاقة، يبرز مفهوم أمن الطاقة كأحد العناصر الحاكمة لنجاح مشروعات التوسع الزراعي والعمراني في المناطق الجديدة.
وأكد المهندس حاتم الرومي أن أمن الطاقة أصبح أحد الركائز الاستراتيجية الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، مشيرًا إلى أن التجارب العالمية والأزمات الجيوسياسية الأخيرة أثبتت أهمية امتلاك الدول لمصادر طاقة متنوعة وآمنة تضمن استمرارية الخدمات الحيوية وعدم الاعتماد على مصدر واحد للطاقة.
وأوضح أن الطاقة تمثل عصب الحياة الحديثة، وأن أي انقطاع واسع النطاق في شبكات الكهرباء قد يتطلب فترات طويلة لإعادة التشغيل الكامل، وهو ما يستوجب التخطيط المسبق وتوفير بدائل احتياطية قائمة على مصادر الطاقة المتجددة، لافتًا إلى أن تجربة مزارع «ريف» في الإسماعيلية والفرافرة اعتمدت على مزيج من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبيوجاز، بما يحقق درجة عالية من الاكتفاء الذاتي ويعزز مرونة المنظومة التشغيلية.
وأشار الرومي إلى أن التطور التكنولوجي المتسارع أتاح إمكانية إنشاء مجتمعات عمرانية وزراعية جديدة في المناطق الصحراوية اعتمادًا على الطاقة المتجددة، دون الحاجة إلى تحمل تكاليف ضخمة لمد شبكات الكهرباء التقليدية ومحطات المحولات وخطوط النقل، موضحًا أن إنتاج الطاقة بالقرب من مواقع الاستهلاك يسهم في خفض الفاقد وتقليل الأعباء المالية على الدولة.
وشدد على أهمية تنويع مزيج الطاقة لضمان استمرارية الإمدادات على مدار الساعة، من خلال الدمج بين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبيوجاز وفقًا لطبيعة كل مشروع، إلى جانب الاعتماد على تقنيات التخزين الحديثة سواء عبر البطاريات أو من خلال الهيدروجين الأخضر، الذي يُتوقع أن يشهد توسعًا كبيرًا خلال السنوات المقبلة باعتباره أحد أهم حلول تخزين الطاقة النظيفة.
وأضاف أن الهيدروجين يمثل فرصة واعدة للصناعة والبحث العلمي في مصر، داعيًا الجهات الصناعية والبحثية إلى التوسع في تطوير تقنيات إنتاجه واستخدامه، خاصة أن التحديات البيئية المرتبطة بالتخلص من البطاريات والخلايا الشمسية المستهلكة تستدعي البحث عن حلول أكثر استدامة على المدى الطويل.
ولفت إلى أن اختيار منظومة الطاقة المناسبة يجب أن يتم وفق دراسة كل حالة على حدة؛ فالمشروعات القائمة على تربية الماشية، على سبيل المثال، يمكنها الاعتماد بصورة كبيرة على البيوجاز الناتج عن المخلفات العضوية، بينما قد تحتاج مجتمعات أخرى إلى الدمج بين الطاقة الشمسية وتقنيات التخزين المختلفة، وصولًا إلى منظومات متكاملة تضمن استقرار الإمدادات الكهربائية وتعزز الأمن الطاقي والتنموي في المناطق الجديدة.
وإذا كان أمن الطاقة يمثل أحد المرتكزات الأساسية للتنمية المستدامة، فإن نجاح خطط التنمية الزراعية والطاقة المتجددة يظل مرتبطًا بالقدرة على فهم تداعيات التغيرات المناخية والتكيف معها، إذ لم يعد المناخ عاملًا ثابتًا يمكن البناء عليه وفق أنماط الماضي، بل أصبح متغيرًا رئيسيًا يؤثر في الموارد الطبيعية والإنتاج الزراعي وكفاءة مصادر الطاقة المختلفة.
وفي إطار التحديات المستقبلية المرتبطة بالتنمية المستدامة، أكد المهندس حاتم الرومي أن التغيرات المناخية أصبحت من العوامل الحاكمة لمستقبل التنمية الزراعية والطاقة المتجددة، مشيرًا إلى أن تأثيراتها لا تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة أو تغير أنماط الطقس، بل تمتد لتشمل كفاءة مصادر الطاقة ومواسم الزراعة والإنتاج الغذائي.
وأوضح أن التغيرات المناخية قد تؤدي إلى تغير أنماط الرياح في بعض المناطق، حيث قد تنخفض سرعات الرياح تدريجيًا في مناطق كانت تتمتع بجدوى اقتصادية مرتفعة لمشروعات طاقة الرياح، بينما قد تكتسب مناطق أخرى مقومات جديدة لإقامة هذه المشروعات، لافتًا إلى أن الطاقة الشمسية تتأثر بدورها بالتغيرات المرتبطة بالغطاء السحابي والأمطار والعوامل الجوية المختلفة، وهو ما يستدعي مراجعة مستمرة لخطط التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة.
وأشار إلى أن انعكاسات التغيرات المناخية تمتد كذلك إلى القطاع الزراعي، حيث بدأت تظهر تغيرات واضحة في مواعيد الزراعة التقليدية لبعض المحاصيل، الأمر الذي يفرض على المزارعين إعادة النظر في الجداول الزمنية المعتادة للزراعة بما يتوافق مع المتغيرات المناخية الجديدة، حفاظًا على الإنتاجية وتقليل مخاطر الفشل الزراعي.
وأكد الرومي على أهمية الاعتماد على الدراسات العلمية ونظم التنبؤ المناخي عند التخطيط للمشروعات الزراعية ومشروعات الطاقة المتجددة، مشددًا على أن التكيف مع التغيرات المناخية يتطلب تطوير قواعد بيانات دقيقة ورصدًا مستمرًا للمتغيرات المناخية وتأثيراتها المحتملة على الإنتاج الزراعي وكفاءة الطاقة، بما يضمن استدامة الموارد وتحقيق أعلى استفادة ممكنة منها في المستقبل.
ويتضح من التجارب التطبيقية للمزارع البحثية وما أفرزته من نتائج أن هناك اتجاهًا عالميًا متسارعًا يعيد تشكيل العلاقة بين المناخ والطاقة والزراعة، بما ينعكس في مجموعة من المؤشرات الدولية التي تؤكد التحول نحو نماذج إنتاج أكثر استدامة وكفاءة في إدارة الموارد حيث تشير تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن الزراعة في البيئات الجافة وشبه الجافة تُعد من أكثر القطاعات تأثرًا بتغير المناخ، إذ يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار إلى تراجع إنتاجية الأراضي الهامشية والصحراوية، وهو ما يجعل تطوير نماذج إنتاج جديدة في هذه المناطق ضرورة تنموية ملحة وليست خيارًا ثانويًا.
وفي هذا الإطار، توضح تقارير التقييم السادس للهيئة أن دمج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مع أنظمة الزراعة والمياه يمثل أحد أهم مسارات التكيف المناخي، خاصة في المناطق التي تعاني من ندرة الموارد المائية، حيث تُستخدم هذه المصادر في تشغيل آبار المياه وتحلية المياه وأنظمة الري الحديثة منخفضة الاستهلاك.
وتشير البيانات المناخية إلى أن التأثيرات المتصاعدة للتغير المناخي انعكست بالفعل على الإنتاجية الزراعية عالميًا، حيث تراجع معدل نمو الإنتاجية بنحو 21% منذ عام 1961 نتيجة ارتفاع درجات الحرارة والإجهاد المائي وتدهور التربة، وهو ما يعيد طرح أهمية التوسع في نماذج الزراعة الصحراوية المدعومة بالطاقة النظيفة.
ومن زاوية اقتصادية أوسع، تكشف تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن الدول ذات المساحات الصحراوية الواسعة، ومنها مصر، تمتلك فرصًا غير مستغلة في مجال الطاقة المتجددة، خصوصًا الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مؤكدة أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر يرتبط بشكل مباشر بإعادة توظيف الأراضي الهامشية كمناطق إنتاج قائمة على الطاقة النظيفة.
وفي السياق نفسه، لم تعد الصحراء تُطرح في التقارير الدولية باعتبارها عبئًا تنمويًا، بل باتت تُصنف كأحد الأصول الاستراتيجية في ظل التحول العالمي نحو الطاقة منخفضة الكربون، مع تزايد الطلب على الكهرباء النظيفة والهيدروجين الأخضر كمصدر مستقبلي للطاقة.
وفي ضوء هذه المعطيات، تشير السيناريوهات المناخية الدولية إلى أن التوسع في المزارع البحثية داخل الصحراء يمثل نموذجًا عمليًا لتحويل المناطق القاحلة إلى مختبرات إنتاج وتجريب، يتم فيها اختبار تقنيات الزراعة والطاقة والمياه في ظروف تشغيل واقعية، بما يتيح تطوير حلول قابلة للتطبيق والتوسع على المستوى الوطني.
الشراكات الدولية بوابة لتوسيع التجارب التطبيقيةوفي امتداد مباشر للتجارب التطبيقية التي شهدتها المزارع البحثية ونماذج «ريف» في الإسماعيلية والفرافرة، والتي اعتمدت على الدمج بين الطاقة المتجددة والإنتاج الزراعي وإدارة الموارد، تأتي هذه التجارب، بما في ذلك مزرعة «ريف»، ضمن إطار من التعاون وتبادل الخبرات مع الجانب الصيني، بما يفتح مسارًا أوسع لتطوير وتعميم هذه النماذج على نطاق أكبر.
وفي هذا السياق، أوضح المهندس حاتم الرومي أن هذا التعاون مع الجانب الصيني يستهدف إنشاء منظومات «ميني جريد» متكاملة تخدم القرى والمجتمعات الزراعية الجديدة، اعتمادًا على مزيج من مصادر الطاقة المتجددة بتقنيات تخزين الطاقة وإنتاج الغاز الحيوي، بما يسهم في تخفيف الضغط على شبكة الكهرباء القومية وتقليل الأعباء المرتبطة بمد خطوط الكهرباء وإنشاء المحطات والمحولات في المناطق النائية.
وأشار إلى أن الرؤية تقوم على إنشاء مجتمعات صحراوية مكتفية ذاتيًا، تعتمد على الطاقة الشمسية وتخزينها في البطاريات، إلى جانب تحويل المخلفات العضوية إلى غاز الميثان واستخدامه في التدفئة أو توليد الكهرباء، فضلاً عن توظيف الطاقة المتجددة في تحلية المياه اللازمة للزراعة والاستخدامات المختلفة، بما يتيح إقامة مجتمعات متكاملة قادرة على إنتاج الغذاء والطاقة والمياه بصورة مستدامة.
وأضاف المهندس حاتم الرومي أن هذا التعاون يعتمد حاليًا على استخدام بطاريات الليثيوم الحديثة التي يصل عمرها التشغيلي إلى نحو 16 عامًا، وهو ما يمثل تطورًا مهمًا في تقنيات التخزين، خاصة مع التراجع الملحوظ في أسعارها خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي جعلها أكثر قدرة على المنافسة وأكثر ملاءمة للتطبيقات الزراعية والتنموية.
وأكد الرومي أن هذه التوجهات تستهدف حماية المزارعين في المناطق الصحراوية من التقلبات المستمرة في أسعار الوقود والكهرباء، والتي تنعكس بصورة مباشرة على تكلفة الإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء، محذرًا من أن استمرار الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية وحدها قد يؤدي إلى ارتفاعات أكبر في أسعار المنتجات الزراعية خلال السنوات المقبلة ما لم يتم التوسع في تطبيقات الطاقة المتجددة داخل المزارع والمجتمعات الجديدة.
وأوضح أن أحد الأهداف الرئيسية لهذا التعاون يتمثل في دعم الأمن الغذائي من خلال توفير حلول تكنولوجية وتمويلية تساعد أصحاب المزارع على التحول إلى نظم الطاقة النظيفة، بما يحافظ على استدامة الإنتاج ويحد من الضغوط الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا.
ولفت إلى أن المرحلة الأولى تركز على تنفيذ منظومات «ميني جريد» في المناطق البعيدة عن الشبكة الكهربائية، على أن تتضمن المراحل التالية توطين وتعميق الصناعة المحلية لمكونات الطاقة الشمسية والبطاريات وتقنيات البيوجاز، مع التوسع مستقبلًا في مشروعات الهيدروجين الأخضر، بما يعزز قدرات مصر في مجالات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الخضراء.
المسؤولية المجتمعية والاستدامة.
من المزارع البحثية إلى بناء جسور للتنمية الخضراءولم تعد المزارع البحثية في مصر مجرد نماذج لتجريب تقنيات الطاقة والزراعة المستدامة، بل أصبحت مساحة أوسع لربط الابتكار بالمسؤولية المجتمعية، عبر بناء شراكات تدعم التنمية الاقتصادية والبيئية، وتوسيع نطاق الوعي بقضايا الاستدامة والطاقة النظيفة.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور وائل محمد رضا، المستشار الإعلامي ورئيس قطاع المسؤولية المجتمعية بمجموعة شركات «تربل إم»، أن المسؤولية المجتمعية باتت أحد المحركات الرئيسية الداعمة لجهود الدولة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال تعزيز التعاون بين القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والجهات الحكومية.
وأوضح أن هذا الدور لا يقتصر على الدعم النظري، بل يمتد إلى المساهمة في تطوير حلول قابلة للتطبيق داخل هذه النماذج، بما يعزز قدرتها على الربط بين البعد البيئي والاقتصادي والتنموي في آن واحد.
وأشار إلى أن مجالات المسؤولية المجتمعية داخل هذا الإطار تشمل دعم التمكين الاقتصادي والاجتماعي عبر برامج للشمول المالي، ودعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وإنشاء حاضنات أعمال تسهم في خلق فرص عمل وتحفيز ريادة الأعمال، إلى جانب توفير فرص تشغيل في عدد من المشروعات بالمحافظات.
وفي الجانب البيئي، لفت الدكتور وائل محمد رضا إلى أن المسؤولية المجتمعية تسهم في دعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر من خلال خفض الانبعاثات الكربونية، وتشجيع مبادرات التشجير وإعادة التدوير، وربط مفاهيم التنمية الاقتصادية بحماية البيئة، وهي الرؤية التي تنعكس أيضًا في النماذج التطبيقية التي تقدمها المزارع البحثية في مجالات الطاقة النظيفة وإدارة الموارد.
وأضاف أن دعم الشباب وتحفيز أفكارهم الابتكارية يمثل عنصرًا محوريًا في مسار التنمية المستدامة، مشددًا على أهمية توفير برامج تدريب وتأهيل عملي، وفتح مساحات للتجريب والابتكار، بما يسهم في إعداد كوادر قادرة على تطوير حلول جديدة في مجالات الطاقة المتجددة والاستدامة.
وأكد أن تعزيز الوعي المجتمعي بقضايا الاستدامة والطاقة النظيفة لا يقل أهمية عن تطوير التكنولوجيا نفسها، مشيرًا إلى أهمية المبادرات التعليمية والبرامج التدريبية والمنح الدراسية والقوافل المجتمعية والصحية، باعتبارها أدوات داعمة لبناء ثقافة تنموية جديدة تتسق مع أهداف رؤية مصر 2030.
المزارع البحثية كحاضنات علمية ومختبرات تعليمية لجيل جديد من الباحثينويبرز الدور التعليمي والتطبيقي للمزارع البحثية في مصر من خلال ما تشهده «مزرعة ريف» من زيارات ميدانية لطلاب الجامعات والمدارس، في إطار ربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي في مجالات الطاقة المتجددة والاستدامة والإنتاج الأنظف.
وخلال إحدى هذه الزيارات، تعرف طلاب من الجامعة البريطانية في مصر (BUE) من كليتي الهندسة وإدارة الأعمال على منظومات العمل داخل المزرعة، عبر محاضرات تعريفية تناولت مفاهيم الطاقة الجديدة والمتجددة والاستدامة، تلتها جولة ميدانية داخل الأنظمة المختلفة، بما في ذلك إنتاج الغاز الحيوي من المخلفات الحيوانية، وأنظمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والنظام الهجين للطاقة، إلى جانب أنظمة الإنتاج الزراعي والري.
وقد أتاح هذا النموذج التفاعلي للطلاب فهمًا مباشرًا لكيفية تكامل أنظمة الطاقة والمياه والإنتاج داخل بيئة تشغيلية واحدة، بما يعكس طبيعة المزارع البحثية بوصفها منصات تطبيقية لاختبار حلول الاستدامة على أرض الواقع، وليس مجرد مواقع إنتاج تقليدية.
كما امتدت هذه التجربة التعليمية إلى فئات طلابية أصغر سنًا، من بينها الطالبة هنا طارق، 16 عامًا، بالصف الثاني الثانوي بمدرسة نفرتاري الدولية، والتي أعربت عن إعجابها بالتجربة، مؤكدة أنها أتاحت لها فرصة التعرف عمليًا على كيفية عمل الألواح الشمسية واستخدام الطاقة الشمسية في التطبيقات المختلفة داخل المزرعة.
وأضافت أن مشاركتها في الزيارة، إلى جانب زملاء من مدارس دولية أخرى، من بينهم طلاب من ألمانيا، أضافت بعدًا تعليميًا وثقافيًا مهمًا للتجربة، مشيرة إلى أنها ستنقل ما اكتسبته من معرفة وخبرة خلال الزيارة إلى أصدقائها وأقاربها وزملائها في المدرسة.
وشدد خبير التمويل المناخي والاستدامة الدكتور علاء سرحان في نهاية حديثه على أن القيمة الحقيقية للمزارع البحثية لا تتوقف عند حدود إنتاج الطاقة أو اختبار التكنولوجيا، بل تمتد إلى دورها في توليد البيانات العلمية، واحتضان الابتكار المحلي، وتكييف التقنيات مع الظروف البيئية والاقتصادية المصرية، فضلًا عن إعداد كوادر بشرية قادرة على تشغيل هذه المنظومات وإدارتها.
وأضاف أن هذه المزارع تمثل أداة مهمة لإقناع المزارعين بجدوى الحلول الجديدة اعتمادًا على نتائج عملية وأرقام قابلة للقياس، وليس على الطروحات النظرية فقط، كما تفتح المجال أمام تعزيز فرص الحصول على التمويل المناخي الدولي والاستفادة مستقبلاً من أسواق الكربون وآليات الاقتصاد الأخضر.
وأكد سرحان أن نجاح المزارع البحثية يرتبط بوجود سياسة قائمة على الشفافية والانفتاح المعرفي، من خلال نشر البيانات، وتبادل الخبرات، وربط التجارب التطبيقية بالجامعات والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، بما يضمن الوصول إلى حلول تتناسب مع طبيعة التربة المصرية، وإمكانات المزارع المصري، والتكلفة التي يستطيع الاقتصاد الوطني تحملها.
وفي محصلة هذا الرصد الاستقصائى، فإن دمج تقنيات الطاقة الجديدة والمتجددة داخل المزارع البحثية في مصر لم يعد مجرد رفاهية علمية أو تجربة تقنية معزولة، بل أصبح المسار الاستراتيجي الأهم لتحقيق التنمية المستدامة الشاملة في قلب الصحراء، وبرهاناً عملياً على قدرة الابتكار المحلي على صياغة حلول حقيقية لمواجهة التغيرات المناخية؛ فحين تتحول هذه المزارع إلى مختبرات تطبيقية مفتوحة تجمع بين طاقة الشمس والرياح والبيوجاز وإدارة الموارد المائية، فإنها تقدم نموذجاً حياً للاقتصاد الدائري الذي يضمن أمن الطاقة والغذاء معاً، ويقود قاطرة التعمير والتوطين عبر تحويل التحديات البيئية والجهد المناخي المتسارع إلى فرص تنموية مستدامة، لتثبت مصر من خلال هذه المنصات العلمية أن استصلاح الصحراء يبدأ من إنتاج المعرفة وتوليد الطاقة النظيفة لبناء مستقبل أكثر مرونة واستقراراً للأجيال القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك