في كأس العالم لا تسافر المنتخبات وحدها، بل تسافر معها أوطانها محملة بقصصها، وثقافتها، وطموحات شعوبها.
ولذلك لا يمكن النظر إلى مشاركة المنتخب السعودي مثلا في كأس العالم 2026 باعتبارها حدثاً رياضياً عابراً، فالمباراة التي تبدأ على العشب الأخضر تمتد لتصبح منصة اتصالية كبرى تتنافس فيها الدول على صناعة الانطباع، وتثبيت صورتها الذهنية في وجدان العالم.
فالمنتخب يلعب تسعين دقيقة، لكن صورة الوطن تلعب قبل المباراة و أثنائها وبعدها في كل تفصيل يراه المشاهد.
والتاريخ يثبت أن مجرد المشاركة في المونديال، دون الحاجة للاستضافة، قد تكون بوابة لتشكيل القوة الناعمة للشعوب؛ ففي مونديال روسيا 2018، نجح منتخب آيسلندا – أصغر دولة تشارك في تاريخ البطولة حينها – في أسر قلوب الملايين اتصاليًا، ليس فقط بأدائه، بل بـ" التصفيق الأسطوري" الشهير لجماهيره ولاعبيه، ومشاركة طبيب وأسنان ومخرج أفلام ضمن طاقم الفريق، مما قدم للعالم صورة مذهلة عن شعب مكافح وبسيط.
وفي مونديال قطر 2022، تحول منتخب المغرب إلى ظاهرة اتصالية عالمية تصدرت وسائل الإعلام؛ إذ لم يقتصر الأثر على الإنجاز الكروي، بل في تقديم رسالة إنسانية بليغة عبر لقطات احتفال اللاعبين مع أمهاتهم وتقبيل رؤوسهن، مما صحح الكثير من المفاهيم المغلوطة، وقدم للعالم أجمع أبهى قيم العائلة والبر في الثقافة العربية والإسلامية.
وفي ذات السياق، لطالما استثمر منتخب اليابان مشاركاته المتتالية ليقدم للعالم درساً اتصالياً أخلاقياً يتكرر في كل نسخة، حيث أصبحت لقطات تنظيف اللاعبين لغرف تبديل الملابس وجماهيرهم للمدرجات بعد كل مباراة – فوزاً أو خسارة – علامة تجارية وطنية تُبث عالمياً لتعزز صورة اليابان ككوكب من التحضر والإنتاجية والاحترام.
وعلى هذا النهج، تتكامل الأدوار الوطنية السعودية في المونديال القادم لصناعة الأثر؛ فبينما يمنح الاتحاد السعودي لكرة القدم ووزارة الرياضة المنتخب الإطار الاحترافي، تتولى وزارة الإعلام الرواية وصناعة الرسالة، وتقدم وزارة الثقافة الروح السعودية من خلال مثلا القهوة، والعرضة، والموروث الشعبي، في حين تعمل وزارتا السياحة والخارجية على تحويل الفضول العالمي إلى رغبة في الاكتشاف وبناء الجسور الدبلوماسية الناعمة.
لكن هذه الصورة لا تصنعها المؤسسات وحدها، فالمشجع السعودي في المدرج أو الشارع هو السفير العفوي والأكثر تأثيراً؛ إذ يدرك أن العلم الذي يحمله ليس قطعة قماش، بل رمز وطن، وأن سلوكه وابتسامته واحترامه للآخرين يمثل دبلوماسية شعب كامل.
فالإعلانات قد تنتهي، وتفاصيل المباريات قد تُنسى مع صافرة الحكم، لكن الانطباع الإنساني النبيل يظل راسخاً في الذاكرة.
إن مشاركة" الأخضر" في 2026 هي مشروع وطني متكامل، يبدأ بالمنتخب، ويكتبه الوطن كله بمؤسساته وجماهيره، ليظهر للعالم كما يستحق: وطناً عظيماً، وهوية راسخة، ومستقبلاً يليق بمكانته.
همست في نفسي و قلت: جميل استثمار الاتحاد السعودي لقميص المنتخب في إبراز الهوية السعودية، فماذا لو قدمت الجهات الأخرى كاستثمار للحدث لتعزيز صورة و هوية الوطن في هذا المحفل العالمي و أمام الزائرين و المشجعين و المقيمين للثلاث دول ( كندا و أمريكا و المكسيك ).
أمور كثيرة قد تفعلها الدول مثل طريقة إعلان القائمة المشاركة بطريقة ابتكارية، الزي وقت وصولهم للبلد المستضيف، الناقل الرسمي للطيران و استثمار هيكل الطائرة بالدعاية و الإعلان، رابطة المشجعين الرسمية، و غيرها من الأفكار الاتصالية التي تستثمر لتعزيز هوية الوطن في هذا المحفل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك