صراحة نيوز – د.
حنين البطوشاستشارية نفسية أسرية وتربويّةليست كل الجرائم الأسرية تبدأ بإطلاق النار، بل إن كثيراً منها يبدأ بصمتٍ طويل، أو مشاعر غضب مكبوتة، أو صراعات متراكمة لم تجد طريقها للحوار والحل، وما شهدته منطقة حسبان من جريمة مروعة أودت بحياة زوجة وموظفين اثنين، قبل العثور على الجاني متوفياً، لا يمكن النظر إليه باعتباره حدثاً جنائياً عابراً، بل هو جرس إنذار يدعونا للتأمل في الأبعاد النفسية والأسرية والتربوية التي قد تقف خلف مثل هذه المآسي.
تشير الدراسات النفسية إلى أن السلوك العنيف الشديد غالباً لا ينشأ من لحظة منفصلة عن السياق، بل يكون نتيجة تراكمات من الضغوط والانفعالات والصراعات غير المُدارة بشكل صحي، فعندما تتراكم مشاعر الإحباط والغضب والعجز دون وجود مهارات فعالة للتعامل معها، قد يصل بعض الأفراد إلى ما يعرف بـ”الانفجار الانفعالي”، حيث يطغى الانفعال على التفكير المنطقي وتضعف القدرة على تقدير العواقب.
لكن من المهم التأكيد أن الخلافات الزوجية أو الأسرية لا تؤدي بالضرورة إلى العنف، فمعظم الأسر تمر بمراحل من التوتر والصراع دون أن تصل إلى هذا المستوى المأساوي، فالفارق الحقيقي يكمن في وجود مهارات الحوار، والمرونة النفسية، والقدرة على تنظيم الانفعالات، واللجوء إلى المساعدة المهنية عند الحاجة.
ومن الزوايا النفسية المهمة في مثل هذه القضايا، مفهوم “التملك العاطفي” الذي قد يظهر في بعض العلاقات غير الصحية، ففي هذه الحالة لا ينظر الفرد إلى شريك حياته كشخص مستقل يمتلك إرادته وقراراته الخاصة، بل باعتباره امتداداً لذاته أو ملكية خاصة له، وعندما يشعر بفقدان السيطرة أو بالرفض أو التهديد لمكانته داخل العلاقة، قد تتولد لديه مشاعر غضب وانتقام شديدة، خصوصاً إذا كانت شخصيته تعاني ضعفاً في تحمل الإحباط أو قصوراً في مهارات التكيف النفسي.
كما لا يمكن إغفال أثر الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة التي تعيشها العديد من الأسر.
فالأعباء المعيشية، والالتزامات المالية، والضغوط المهنية، وحالة القلق المستمر حول المستقبل، جميعها عوامل قد تستنزف الموارد النفسية للفرد وتضعف قدرته على ضبط انفعالاته.
ورغم أن هذه الظروف لا تبرر العنف بأي شكل من الأشكال، إلا أنها قد تشكل بيئة خصبة لتصاعد النزاعات عندما تغيب مهارات التكيف السليم.
واللافت في معظم الجرائم الأسرية أنها لا تحدث دون مؤشرات تحذيرية سابقة، فالتهديد المتكرر، والعنف اللفظي، والغيرة المرضية، والسلوك التسلطي، ومحاولات المراقبة والتحكم، والعزلة الاجتماعية المفروضة على الشريك، كلها تعد علامات خطر تستوجب التعامل معها بجدية، فإن تجاهل هذه المؤشرات أو التقليل من أهميتها قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة ووصولها إلى نتائج كارثية.
أما من المنظور الأسري، فإن الخسارة لا تتوقف عند الضحايا المباشرين، فهناك دائرة واسعة من المتضررين نفسياً وعاطفياً، تبدأ بالأبناء والأقارب ولا تنتهي عند الأصدقاء وزملاء العمل.
وفي حال وجود أطفال، فإنهم غالباً يصبحون الضحايا الصامتين لهذه المآسي، إذ قد يعانون مستقبلاً من اضطرابات القلق، والخوف المزمن، وصعوبات بناء العلاقات الآمنة، وضعف الشعور بالاستقرار والانتماء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك