بينما كانت قيادة الجيش اللبناني تنعى العميد الشهيد وسام صبرة، والنقيب الشهيد إيلي الخوري، والجندي الشهيد حسين عبد العلي غزال الذين سقطوا بغارة إسرائيلية على طريق الخردلي - كفرتبنيت، كانت محطة LBCI تستضيف على شاشتها باراك رافيد، الضابط السابق في وحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.
ففي الوقت الذي كان اللبنانيون يتلقون خبر استشهاد ضباط وعناصر الجيش الذين سقطوا بنيران إسرائيلية، كان ضابط سابق في واحدة من أخطر الوحدات الاستخباراتية الإسرائيلية يدخل إلى بيوت اللبنانيين عبر شاشة تلفزيونية لبنانية، من دون أن يصدر أي موقف أو توضيح من الجهات القضائية أو الرسمية المعنية.
ومن هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
بعيداً عن صفته الحالية كصحافي ومحلل سياسي، خدم رافيد لسنوات في وحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهي الوحدة المسؤولة عن أعمال التنصت الإلكتروني وجمع المعلومات الاستخباراتية والحرب السيبرانية، وتُعد من أكثر الوحدات الأمنية حساسية ونفوذاً داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
وبعد خروجه من الخدمة العسكرية انتقل إلى العمل الصحافي، ليتحول إلى أحد أبرز المراسلين الإسرائيليين المتخصصين في ملفات الأمن القومي والعلاقات الخارجية والمفاوضات الإقليمية.
لكن جوهر القضية لا يتعلق بشخص باراك رافيد وحده، بل بالسؤال القانوني والسيادي الذي يفرض نفسه: هل بات ظهور شخصيات إسرائيلية مرتبطة سابقاً بالمؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية على الشاشات اللبنانية أمراً عادياً؟أين النيابة العامة التمييزية؟ وأين مدعي عام التمييز؟ وأين القضاء الذي يتحرك في ملفات أقل حساسية وأهمية؟ وأين الدولة التي لا تزال قوانين مقاطعة إسرائيل نافذة فيها حتى هذه اللحظة؟فلبنان لا يزال يعتمد قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، والذي يحظر أشكالاً مختلفة من التعامل مع العدو الإسرائيلي، ولم يصدر أي قرار رسمي بإلغائه أو تعليق العمل به.
كما أن الدولة اللبنانية لا تزال تعتبر إسرائيل دولة عدوة، وتؤكد ذلك في أدبياتها السياسية والقانونية والرسمية.
وإذا كان ما جرى لا يشكل أي مخالفة قانونية، فمن حق اللبنانيين أن يسمعوا تفسيراً واضحاً من الجهات المختصة.
أما إذا كان يشكل مخالفة، فإن الصمت يصبح أكثر إثارة للريبة والاستغراب.
المشكلة لا تكمن فقط في مقابلة تلفزيونية، بل في المسار الذي بات يتكرر تدريجياً، والقائم على تحويل ظهور شخصيات إسرائيلية في الإعلام اللبناني إلى أمر طبيعي لا يثير أي نقاش أو اعتراض أو مساءلة.
أي سلام يُراد تسويقه فيما الجيش الإسرائيلي يقتل العسكريين اللبنانيين ويستهدف المواطنين ويدمر القرى الحدودية؟ وأي تطبيع يُطرح فيما لا تزال الأراضي اللبنانية محتلة، ولا تزال الاعتداءات الإسرائيلية تتكرر بصورة شبه يومية؟إن التعامل مع ضابط سابق في وحدة استخبارات إسرائيلية وكأنه مجرد ضيف إعلامي عادي يساهم تدريجياً في كسر الحواجز النفسية والسياسية التي قامت عليها عقيدة رفض التطبيع في لبنان.
وإذا كان هناك من يريد إعادة تعريف العلاقة بين لبنان وإسرائيل، فليفعل ذلك علناً، وليطالب بإلغاء قوانين المقاطعة وتعديل القوانين النافذة، لا أن يُمرَّر الأمر تدريجياً تحت عناوين إعلامية ومهنية.
وما يزيد المخاوف أن ما يجري لا يبدو بالنسبة لكثيرين مجرد استضافة إعلامية عابرة، بل جزءاً من مسار أوسع يهدف إلى التطبيع النفسي مع إسرائيل قبل أي تطبيع سياسي أو دبلوماسي محتمل.
فالتطبيع لا يبدأ عادةً بتوقيع الاتفاقات، بل يبدأ بكسر المحظورات وتغيير الوعي العام وتحويل ما كان مرفوضاً بالأمس إلى أمر اعتيادي اليوم.
ومن هنا تبرز تساؤلات مشروعة حول الجهات التي تدفع في هذا الاتجاه، وحول ما إذا كانت هذه الظاهرة مجرد مبادرات فردية متفرقة أم أنها تجد حاضنة سياسية وإعلامية تسمح لها بالتمدد تدريجياً داخل الفضاء العام اللبناني.
فكلما مرّت هذه الوقائع من دون أي نقاش قانوني أو مساءلة أو حتى توضيح رسمي، ازدادت الشكوك واتسعت علامات الاستفهام حول أسباب هذا الصمت ومن يستفيد منه.
أما الصمت الرسمي، فهو بيت القصيد.
فعدم تحرك الأجهزة المعنية أو القضاء لتوضيح الموقف القانوني مما جرى يفتح الباب واسعاً أمام التساؤلات: لماذا هذا الصمت؟ وهل باتت القوانين تُطبّق على مواطنين عاديين وتُعطّل عندما يتعلق الأمر بمؤسسات نافذة؟ وهل أصبحت بعض الملفات محصنة من أي مساءلة أو متابعة؟وإذا كانت استضافة ضابط سابق في وحدة 8200 لا تستدعي حتى استيضاحاً قضائياً أو قانونياً، فليخرج أحد ويعلن للبنانيين بوضوح أن قانون مقاطعة إسرائيل انتهى عملياً، وأن ما كان محرّماً بالأمس أصبح اليوم مباحاً على الهواء مباشرة.
فإذا كان ضابط سابق في وحدة 8200 يستطيع الدخول إلى بيوت اللبنانيين عبر شاشة لبنانية من دون أن يتحرك أحد، فإن السؤال لم يعد أين القضاء فقط، بل ما إذا كانت الدولة نفسها لا تزال متمسكة بالقوانين التي ترفعها شعاراً منذ عقود.
ويبقى السؤال: هل ستتحرك الجهات المعنية لتوضيح الموقف القانوني للرأي العام، أم أن الصمت سيبقى سيد الموقف؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك