مادبا - في زاوية دافئة تعبق برائحة العجين والسمن البلدي، وتتناثر فيها ملامح الماضي الجميل، ما تزال حكاية التراث تكتب كل يوم بأيد خبيرة لم تنس ما تركه الأجداد.
هناك تقف رحاب عبد السليمات، " أم محمد"، أمام الصاج، لا تمارس عملا يوميا فحسب، بل تستحضر ذاكرة كاملة من العادات والتقاليد التي شكلت جزءا أصيلا من حياة الناس.
تعد" اللزاقيات"، أو ما يعرف بالكنافة البدوية.
وفي وقت تراجعت فيه كثير من المهن المنزلية التقليدية أمام أنماط الحياة الحديثة، ما تزال أم محمد متمسكة بهذه الحرفة التي ورثتها عن والدتها ومن سبقها من نساء العائلة.
فهي لا ترى في إعداد الكنافة البدوية مجرد وسيلة لإنتاج طعام شعبي، بل تعتبرها رسالة للحفاظ على جزء من الذاكرة الشعبية التي تختزن قصص الأجداد وتفاصيل حياتهم اليومية.
وتعيش أم محمد ضمن أسرة تتكون من ستة أفراد، في بيت ما تزال حاضرة فيه قيم التعاون والتآلف التي ارتبطت بالحياة القديمة.
وقد نشأ أبناؤها وهم يشاهدون تفاصيل صناعة هذه الأطعمة يوما بعد يوم، بداية من إعداد العجين وحتى خروج" اللزاقيات" من الصاج، الأمر الذي عزز لديهم تقدير الموروث الشعبي وأهمية المحافظة عليه.
وبمهارة اكتسبتها عبر سنوات طويلة، تعد أم محمد" اللزاقيات" وفق الطريقة التقليدية المتوارثة، فتقوم بإعداد العجين بعناية، ثم تتركه حتى يصل إلى القوام المناسب قبل أن تبدأ بفرده على الصاج الساخن.
وتحتاج هذه العملية، إلى دقة وصبر وخبرة طويلة، إذ إن نجاح إعداد" اللزاقيات" يعتمد على توازن المكونات ودرجة حرارة الصاج وسرعة الحركة أثناء فرد العجين، وهي تفاصيل قد تبدو بسيطة لكنها تشكل جوهر هذه الحرفة التراثية.
وحين تنضج الرقائق وتكتسب لونها الذهبي، تبدأ مرحلة أخرى من العمل، لا تقل أهمية عن سابقتها.
فكل رقاقة تحمل في طياتها خبرة سنوات طويلة، وتعكس مهارة يدوية أصبحت نادرة في زمن الاعتماد على المنتجات الجاهزة.
ولهذا، تحرص أم محمد على أن تبقى طريقة الإعداد محافظة على أصالتها بعيدا عن أي تغييرات قد تفقدها خصوصيتها التراثية.
وتؤكد أم محمد أن" اللزاقيات"، أو الكنافة البدوية كما تعرف في كثير من المناطق، ليست مجرد أكلة شعبية، بل جزءا من ذاكرة المجتمع.
فقد ارتبطت بالمناسبات العائلية والأفراح والزيارات الاجتماعية، وكانت حاضرة على الموائد التي تجمع الأقارب والجيران في أجواء يسودها الود والتكافل.
كما كانت تعد في مواسم معينة وفي المناسبات التي تستدعي إعداد أطعمة تراثية، تعبر عن الكرم وحسن الضيافة.
وأضافت أن للكنافة البدوية مكانة خاصة في الذاكرة الشعبية، لأنها ارتبطت بسنوات طويلة من البساطة والاعتماد على المنتجات المحلية المتوافرة في البيوت.
ولذلك، فإن مذاقها لا يستحضر الطعام فحسب، بل يستحضر أيضا صور المجالس القديمة وأحاديث الكبار واجتماعات العائلة التي كانت تدور حول موقد النار والصاج.
وتبين أن إعداد الكنافة البدوية يبدأ من صناعة" اللزاقيات" نفسها، حيث تفتت الرقائق بعد الانتهاء من إعدادها وتخلط بالسمن البلدي والسكر لتنتج وجبة ذات مذاق مميز ونكهة متوارثة عبر الأجيال.
كما أن هناك شكلا آخر للزاقيات يتمثل في لف الرقائق على هيئة لفائف طويلة بعد نضجها، ثم تقطيعها إلى قطع صغيرة ومتساوية، وهي طريقة ما تزال معروفة لدى الكثير من العائلات التي تحرص على إعدادها بالطريقة التقليدية.
ورغم تغير أنماط الحياة وتنوع الأطعمة الحديثة، إلا أن أم محمد ما تزال ترى أن للأكلات التراثية مكانة لا يمكن أن تحتلها أي أطعمة أخرى، لأنها ترتبط بالهوية الثقافية للمجتمع وتعكس طبيعة البيئة التي نشأت فيها.
ولهذا تسعى باستمرار إلى تعريف الأجيال الجديدة بهذه الأكلات، وتشجيعهم على تعلم طرق إعدادها والمحافظة عليها.
وتحرص أم محمد على المشاركة في مختلف المعارض والبازارات التراثية التي تقام داخل محافظة مادبا وخارجها، إيمانا منها بأهمية التعريف بالموروث الشعبي وإيصاله إلى أكبر شريحة ممكنة من الناس.
وتتيح لها هذه المشاركات فرصة لعرض الكنافة البدوية أمام الزوار، وتعريفهم بمكوناتها وطريقة إعدادها وقصتها الممتدة عبر الزمن.
وكانت أبرز مشاركاتها الأخيرة، " البازار" الذي نظمته بلدية مادبا الكبرى في دار السرايا بمناسبة الاحتفالات بعيد الاستقلال الثمانين، حيث شهد البازار حضورا واسعا من المواطنين والزوار الذين أبدوا اهتماما كبيرا بالأكلات التراثية والصناعات المنزلية.
وقد لاقت الكنافة البدوية التي أعدتها أم محمد استحسان الكثيرين، خاصة من كبار السن الذين استعادوا من خلالها ذكريات الماضي، ومن الشباب الذين تعرفوا إلى هذا الموروث الشعبي للمرة الأولى.
تواصل أم محمد رحلتها مع الكنافة البدوية، محافظة على إرث شعبي يمتد عبر الأجيال.
وهي بذلك لا تقدم طعاما تراثيا فحسب، بل تساهم في صون جزء من الهوية الثقافية للمجتمع، وتؤكد أن التراث سيبقى حيا ما دام هناك من يؤمن بقيمته ويحمله من جيل إلى جيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك