عمان - صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر المجموعة القصصية" سبعون" للقاص فراس عوض البقاعين، التي تضم سبعين نصا تتوزع بين القصة القصيرة والأقصوصة والقصة القصيرة جداً، في تجربة سردية تقوم على التكثيف والإيجاز وتراهن على قوة الفكرة وعمق الدلالة.
اضافة اعلانوتنطلق نصوص المجموعة من تفاصيل الحياة اليومية والتجارب الإنسانية وأسئلة الوجود والعلاقات بين البشر، مستثمرة لغة مكثفة وصورا دلالية تتيح للقارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى.
كما تتناول موضوعات تتصل بالحرب والحرية والاغتراب والذاكرة والمواقف الإنسانية العابرة، مقدمة رؤية وتأملات تتجاوز حدود الحكاية المباشرة إلى مستويات أعمق من الدلالة.
وتكشف النصوص عن اهتمام الكاتب بالمفارقة والسخرية الهادئة واللقطة السردية المكثفة التي تنتهي غالبا بخاتمة تثير التفكير وتدفع المتلقي إلى إعادة النظر فيما قرأه.
ففي بعض القصص تتحول رصاصة ترفض الانخراط في آلة الحرب إلى رمز إنساني رافض للعنف، بينما تكشف قصص أخرى عن هواجس الحرية والخوف والرقابة، من خلال مواقف يومية بسيطة تحمل في باطنها دلالات سياسية واجتماعية وإنسانية متعددة.
وفي تقديمه للمجموعة، أوضح البقاعين أنه عندما شرع في كتابة هذه النصوص أدرك أن القصة القصيرة فن سردي متفرد، يجسد إلى حد كبير المقولة الشهيرة: " خير الكلام ما قلّ ودلّ".
وأضاف البقاعين: " بالنسبة لي، هي ومضات عابرة خطرت ببالي فكتبتها لما وجدته فيها من استثارة للشعور، وتحفيز لكتابة فكرة أو خاطرة بأسلوب إبداعي، أو قصة لا تخلو من الخيال والصورة الفنية.
وقد وجدتها تحمل هي الأخرى جوانب من الإمتاع والجماليات الأدبية".
وتابع القاص حديثه لعل أكثر ما شدّني للمضي في هذه التجربة، ما تنطوي عليه من جمال يكمن في تكثيف النص الأدبي واختزاله، بما يترك للمتلقي مساحة واسعة وغنية للتفسير والتأويل، ويتيح له التفاعل مع النص، كما يحفّز خياله هو الآخر.
وأضاف البقاعين أن مجموعة" سبعون"، هي تجربته الأولى في هذا اللون السردي، تضع بين يدي القارئ سبعين نصاً تتوزع بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، وتحمل في طياتها أفكاراً تمتزج فيها عناصر الخيال بالتجربة الإنسانية، بما قد يدفع المتلقي إلى التأمل في الحياة وما تنطوي عليه من تجارب ودلالات.
وأشار القاص، إلى أن بعض هذه النصوص يستند إلى قصص ومواقف مرّت به، فيما يستمد بعضها الآخر مادته من مخيلته وأفكاره، غير أنها جميعاً قد تضيء جانباً مختلفاً في نفس كل قارئ، وذلك بحسب تجربته ورؤيته الخاصة، وهو ما يعده هدفا ساميا يأمل أن يكون قد وفق في بلوغه.
وخلص البقاعين، إلى أنه عرض المسودات الأولى للمجموعة على عدد من أصدقائه، الذين أثروا العمل بملاحظاتهم وتعليقاتهم القيمة، وساهمت آراؤهم في تطوير النصوص وتجويدها، حتى خرجت المجموعة بالصورة التي تليق بالقارئ.
جاء في النص المثبت على الغلاف: " قيل إنه في زمن حربٍ ما، وفي ساحة معركةٍ ما، وعلى الرغم من أصوات الانفجارات، ودويّ المدافع، وأزيز الرصاص المتطاير فوق الرؤوس، كادت ضحكةٌ تباغت جندياً رابضاً في خندقه؛ فللمرة الثالثة على التوالي، تأبى رصاصة بعينها أن تدخل مخزن العتاد الاحتياطي كما فعلت أخواتها.
حاول معها ثلاث مرات، وفي كل مرة كانت ترتد نافرة من فوهة المخزن المثبت بين ركبتيه، فيما تمسكها إحدى يديه وتحاول أصابع اليد الأخرى تلقيمها في مكانها.
لكن بعد المحاولة الثالثة، أخذها بين يديه، وتأملها بصمت، ثم أودعها برفق في الجيب الداخلي لسترته، قريباً من قلبه، مبتسماً لرفضها خوض غمار حرب يقتل فيها البشر بعضهم البعض، في حين تأبى طلقةٌ أن تشارك في مثل تلك الجريمة".
وفي قصة" الجريدة" يكتب البقاعين عن واقع الخوف والرقابة عبر مشهد يومي بسيط، إذ يتجنب بطل القصة قراءة العناوين وصفحات الرأي، مكتفياً بحل الكلمات المتقاطعة قبل أن يلقي الجريدة في سلة المهملات، في إشارة رمزية إلى انحسار مساحة التعبير الحر وهيمنة الخشية من تبعات الكلمة.
تقول القصة" تناول الجريدة باهتمام، وأخذ يقلب صفحاتها على عجل.
لم يرد أن تقع عيناه على العناوين الرئيسة للأخبار العالمية أو المحلية، وتجنب النظر إلى صفحة كتّاب الرأي، فثمة من يقضي دهراً في السجن بسبب رأي".
ظل يقلب الصفحات حتى استقر به المطاف عند الملحق، فانكب على حل الكلمات المتقاطعة.
انهمك فيها قرابة ساعة كاملة، وما إن أنجزها حتى طواها وألقى بها في سلة المهملات".
وفي القصة السبعين، التي تحمل عنوان" مخبر وضيع"، يستحضر البقاعين حكاية تتقاطع فيها الذاكرة الفردية مع القمع السياسي وآثاره العميقة في النفوس.
وتبدأ القصة براوٍ يتلقى مخطوطاً ليكتشف أنه يعيد إليه، بصيغة أدبية، حكاية سبق أن سمعها من أحد أبناء عائلة عانت أشكالاً مختلفة من الاضطهاد، وظلت آثار تلك التجربة محفورة في ذاكرة أفرادها وشعورهم بالظلم والقهر.
تقول القصة: " تناول المخطوط وأخذ يقرأ ما كتب فيه، لم يتوقع قط أن سرده تلك الحكاية سينتقل من بين شفتيه كلاماً منطوقاً ليعود بين يديه مخطوطاً لقصة يراجع هو نفسه جوانبها السردية وخصائصها الفنية، حملته الجمل اللاحقة على تذكر ما سرده عليه واحد من الأولاد الأربعة الذين كانوا ضحايا قمع رهيب لا يمر من دون أن يترك ندوباً لا تزول من ذاكرة المكلومين وشعورهم بالقهر والظلم، مثلهم مثل كثيرين قاسوا رعب تلك الأيام.
لعلك عندما تقص همك عندما تخرجه من داخلك يظهر لك حجم ما فيه من ألم ومرارة".
ومن خلال السرد، تتكشف مفارقة لافتة تتمثل في أن أفراد تلك العائلة، ومعهم معظم سكان قريتهم، يتشاركون مع الرئيس ذاته الأصول العرقية والانتماءات الطائفية، غير أن أبناء الأسرة الأربعة لم يتبنوا توجهاته الأيديولوجية أو السياسية، الأمر الذي جعلهم عرضة للمعاناة والملاحقة.
وفي مقابل ذلك، تجسد الأم البسيطة حالة من الحيرة وعدم القدرة على استيعاب أسباب اختلاف أبنائها عن التوجهات السائدة، فتظل تلومهم على خياراتهم الفكرية والسياسية، معتقدة أن قرب والدهم من الرئيس في سنوات الدراسة الأولى كفيل بحل مشكلاتهم.
وتعكس القصة، عبر هذا التناقض بين البراءة الشعبية وقسوة الواقع السياسي، جانباً من تأثير الاستبداد في تشكيل العلاقات الاجتماعية والإنسانية، كما تطرح أسئلة حول الهوية والانتماء والحرية الفردية، وما يرافقها من أثمان باهظة في المجتمعات التي تضيق بالاختلاف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك