رواية النصف يوم لتبرير العبور المؤجل إلى القدسقصة حقيقية، هكذا كُتب على غلاف رواية عبدالله مكسور الأخيرة (عبور مؤجل)، الصادرة هذا العام عن الدار المصرية اللبنانية، قصة عاشها الكاتب، قصة اليوم الواحد أو نصف اليوم، هذا لو حسبنا زمن القصة بالساعات، وبالتأكيد هذا ليس بالمستغرب أو بالجديد في عالم الروايات، فالكثير من الروايات العالمية خيطت حبكتها الروائية على مساحة زمنية لا تتعدى الساعات أو أقل من ذلك، لكن في النص الروائي الذي بين أيدينا، يطل ما قبل القصة وبعدها من زمن يحمل الألم في طياته وعلى سطح كل حكاية، حكايات، وقصص أخرى تتماهى من ألم اللحظة في قصة النصف يوم.
اثنتا عشرة ساعة، انتظار وقلق وترقب وربما شيء من خوف متربص بالكاتب وبنا كقراء لهذا النص المختلف عن الرواية، مختلف في واقعيته ومختلف في تركيبة شخصياته، شخصيات عربية حول الكاتب، تشترك معه - كما نشترك معه - في رغبة لا تهدأ لزيارة القدس وما حولها من ديار حكمها الأغراب عنا، رغبة لا تنطفئ منذ خرجنا إلى العالم فوجدنا قدسنا في يد من لا حق له بها، ولا بأي شبر حولها، شخصيات تشترك في حجم الوعي بما حدث ويحدث مع معاناة العبور إلى أرض غالية ترابها دم إخوة لنا لم يبخلوا عليها بالروح والدم.
يبدأ الكاتب بالحديث الصريح حول العبور من صفحة الغلاف، الرواية عبارة عن تفاصيل يوم في الشاباك، جهاز الأمن الغادر، لكن الكاتب والبعض منا وبعض شخصيات روايته، لا مجال لهم لزيارة الأرض / القدس والأرض السليبة، ولا بد لهم من مواجهة الشاباك عند ذلك المعبر، المنفذ الوحيد إذا اخترت أن لا يكون دخولك إلى الأرض العربية السليبة عن طريق الجو، إذا أردت أن تمشي خطوات إلى أرض كانت لجدك يوما أو سمعت أنها كانت لجد سمعت حكاياته وذكرياته ذات يوم فاحتفظت بها تنتظر العبور من الجسر إلى الحقيقة التي كانت معروفة ذات يوم، والتي تنتظر أن تعود.
خطوات على الأرض حتى اللقاء الذي طال انتظاره وما يزال يطول، عاش الكاتب تجربته الخاصة في محاولة العبور من الأردن إلى فلسطين من خلال جسر الكرامة، المعبر الذي هو أمل الكثيرين في الوصول الى الديار/ الأمل، يصل الباص المحمل بالركاب والركاب محملون بأمل العبور، ومن ضمنهم عبدالله مكسور مع صديق، يذكر اسمه كما هو في روايته للحدث، يذكر الكاتب كل الأسماء الصريحة وليس المتوارية ليروي قصته الواقعية كما أسماها، يصل الباص إلى المعبر، يصطف البشر في صف طويل جدا لا ترى له نهاية، كما هي الآمال العريضة لا نهاية لها، يمرون من الحاجز الحدودي الأردني إلى الآخر، وهنا تبدأ فصول رواية من ألم واعتصار، انتظار لساعات دون إشارة إلى نعم أو لا.
ساعات دون أن يأتيك الرد، وعندما يأتي الرد على لسان أحد أفراد الشاباك، جاء على شكل تحقيق طويل، طويل جدا، لماذا أنت هنا؟ ماذا جئت تفعل، من تعرف هنا وما هي العلاقة مع هؤلاء، هل انت مسلم متشدد؟ هل تصلي كل يوم؟ وكأن العبور مرتبط بعدد الفروض التي تؤديها غن كنت تؤديها، لكن هؤلاء لا يدعون فرصة لسحب المعلومة، أي معلومة منك، حتى اسم الإمام الذي تصلي خلفه إذا كنت تصلي في الجامع، وحتى حديث جارك مع زوجته لتدبير مصاريف العيد القادم، انت هنا لتعطي كل معلومة في رأسك، على أمل السماح لك بالعبور إلى الجمال المسلوب من سنوات، لكن من بيده سلطة العبور يعود ليلقي في وجه كاتبنا كلمة تستخدم كل يوم، عشرات المرات ربما – ليس مسموحا لك بالعبور - يعود عبدالله مكسور في غير انكسار، فقط هناك عبور مؤجل إلى حين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك