منذ أسابيع والأوساط الفرنسية الداعمة لفلسطين مشغولة بأسير فلسطيني مُبعد طلب اللجوء في فرنسا وموقوف منذ أكثر من عامين ولا يُعرف من اسمه، في أغلب الأحيان، إلا نصفه الأول: علي.
أما كنية الرجل وهويته الكاملة، فمحفوظتان بسبب سرية التحقيق الذي يجريه القضاء الفرنسي حوله.
لكنّ المعروف من هذه القضية كان كافياً لإخراجها إلى الضوء، بالتوازي مع حملة متواصلة لدعمه، وقيام عدد من الشخصيات السياسية بزيارته في سجنه قبل أيام.
وصل علي من فلسطين إلى فرنسا عام 2016، وحصل فيها على اللجوء بعدما اعتبرت السلطات الفرنسية أنه تعرض للاضطهاد على يد سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
لكنّ حياته انقلبت رأساً على عقب قبل عامين، حين أوقفته السلطات الفرنسية على خلفية شبهات خطيرة متصلة بـ" الإرهاب"، قبل أن تسحب منه صفة اللجوء، فيما يقول المدافعون عنه إنه مسجون" على أساس اتهامات إسرائيلية".
يوم 30 مايو/ أيار الماضي، أتم علي عامه الثاني في الحبس الاحتياطي.
وقد شهدت الأيام التي سبقت وتلت هذا الموعد الرمزي تكثيفاً كبيراً في حركة دعمه، إذ دعت حملة" أطلقوا سراح علي" إلى تجمع أمام محكمة باريس في 22 مايو/ أيار الماضي، تزامناً مع نظر قاضٍ في طلب جديد للإفراج عنه، قبل أن يوقع أكثر من 120 منظمة وجمعية ونقابة وشخصية سياسية وحقوقية على بيان يدعو إلى الإفراج عنه وإعادة صفة اللاجئ إليه، وإلى التظاهر يوم 30 مايو/ أيار دعماً له.
وضمن المسعى نفسه، زاره في سجنه، بضاحية أوسني، شمال غرب باريس، وفد برلماني يساري ضم النائبين في الجمعية الوطنية توما بورت وغابرييل كاتالا، من حزب" فرنسا الآبية"، والنائبة في الجمعية الوطنية عن كتلة البيئيين صابرينا صبايحي، إلى جانب النائبة الأوروبية عن" فرنسا الآبية" ريما حسن.
وبحسب المعطيات التي تداولتها الصحافة الفرنسية، فإن ملاحقة اللاجئ الفلسطيني البالغ 36 عاماً تدور حول الاشتباه في مشاركته، من فرنسا، في هجمات وقعت في الضفة الغربية بين إبريل/ نيسان وسبتمبر/ أيلول 2023، وشملت مهاجمة مركبات لمستوطنين كانت متجهة نحو حواجز إسرائيلية.
وتشمل التهم التي وُضع على أساسها قيد التحقيق، منذ مايو/ أيار 2024، " المشاركة في جمعية أشرار إرهابية"، و" التواطؤ في محاولات اغتيال على صلة بمشروع إرهابي"، و" تمويل مشروع إرهابي".
لكنّ رافائيل كيمبف، محامي علي، الذي يشدد على أن سرية التحقيق تمنعه من الخوض في تفاصيل الملف، قال لـ" العربي الجديد" إن" علي يرفض بشكل قاطع كل الاتهامات الموجهة إليه"، وإنه، بصفته محاميه، " يرفضها بشدة" أيضاً.
من هو اللاجئ الفلسطيني علي؟ولرسم بورتريه لعلي ومساره، يعود كيمبف إلى ما قبل الملف القضائي الحالي، مستعيداً تجربة اللاجئ الفلسطيني في السجون الإسرائيلية ومنظومة القضاء العسكري في الأراضي المحتلة.
وقال: " وصل علي إلى فرنسا قبل عشر سنوات، في 2016.
طلب اللجوء وحصل عليه لأن فرنسا، والقضاء الفرنسي، اعترفا بأنه كان مضطهداً من قبل إسرائيل"، التي كان فيها ضحية لـ" نظام قضائي لا يحترم حقوق الدفاع".
وأشار إلى أن الفلسطينيين يحاكمون أمام محاكم عسكرية" تتعامل معهم كأعداء"، في حين يذهب المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية إلى المحاكم المدنية داخل إسرائيل.
وفي فرنسا، أعاد علي بناء حياته، وصار أباً لثلاثة أطفال، قبل أن تتأزم حياته مجدداً: " حمتْه فرنسا، وصارت له حياة هنا.
ثم سُجن قبل عامين، وسُحبت منه صفة اللاجئ على أساس معلومات نقلتها دولة إسرائيل".
هذا التفصيل، أي توقيف علي وسحب صفة اللجوء منه استناداً إلى معلومات إسرائيلية، يعد واحداً من النقاط الأساسية التي يعترض عليها المحامي: " هذه فضيحة موصوفة.
فرنسا قبلت معلومات من الدولة التي كانت قد تعهدت بحماية علي منها".
ولا يتوقف اعتراض كيمبف على الجهة التي جاءت منها المعلومات، بل يذهب إلى ما يمكن أن تنتجه منظومة الاعتقال والتحقيق الإسرائيلية نفسها من إفادات أو اتهامات بحق فلسطينيين.
وقال: " لا مصداقية لأي دليل تنقله دولة إسرائيل في هذا الملف.
لا أتحدث هنا بالضرورة عن حالة علي تحديداً، بل عما نعرفه جميعاً من وثائق ومقالات وتقارير كثيرة تُظهر كيف يُعامل الأسرى الفلسطينيون داخل مراكز التحقيق الإسرائيلية.
لا يمكن منح أي ثقة للشهادات أو الاتهامات الآتية من إسرائيل.
صفر ثقة".
غياب الحد الأدنى من الضماناتوأشار المحامي، في هذا السياق، إلى أن" ما هو موثق عن هذه المنظومة لا يبدأ مع السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ولا يقتصر على ما كُشف خلال الحرب على غزة، بل يعود إلى سنوات طويلة من الاعتقال والتحقيق".
وتتحدث منظمات عديدة، وهيئات دولية، ومحامون وأسرى فلسطينيون سابقون عن" أفعال تعذيب ومعاملة لاإنسانية أو مهينة" تشمل، كما ذكر المحامي، " الحرمان من النوم، والعنف الجسدي أو النفسي، وإبقاء المعتقل جالساً ومقيداً إلى كرسي، وإجباره على البقاء في أوضاع شديدة القسوة لفترات طويلة، فضلاً عن التهديد والضغط النفسي".
لذلك، لا يرى كيمبف أن المشكلة تقتصر على معلومة إسرائيلية بعينها، بل تتعلق بإمكانية بناء ملف قضائي فرنسي على مادة صادرة عن نظام اعتقال وتحقيق لا يوفر، في رأيه، الحد الأدنى من الضمانات التي تسمح بالثقة بما ينتجه.
كما تشمل اعتراضات الدفاع موقعَ الضفة الغربية نفسها داخل الملف الفرنسي.
فالأفعال التي يشتبه القضاء الفرنسي بأن لعلي دوراً فيها منسوبةٌ إلى أرض محتلة.
ويستحضر كيمبف، في هذا السياق، الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 19 يوليو/ تموز 2024، والذي اعتبر أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن على الدول الأخرى ألا تعترف بالوضع الناتج عنه أو تساعد على استمراره.
وبناء على ذلك، قال المحامي إن" المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية، والقضاء، قبلا معلومات جمعها الاحتلال الإسرائيلي، بينما لا تملك إسرائيل الحق أساساً في الوجود في الضفة الغربية المحتلة".
والحال أن الموقف الفرنسي الرسمي لا يعترف بشرعية الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية ولا بأي سيادة إسرائيلية عليها، ما يجعل قبول مؤسسات فرنسية لمعلومات جُمعت هناك من قبل إسرائيل، في نظر كيمبف، نوعاً من منح قيمة قانونية لمواد أنتجتها سلطة احتلال لا تقر باريس بشرعية وجودها في المكان الذي أتت منه هذه المواد.
وقال: " فرنسا، بقبولها معلومات جُمعت في أرض محتلة، تساهم في الإبقاء على وضع غير قانوني.
وهي، بطريقة ما، تضفي شرعية على الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة".
ولهذا، يرى المحامي أن قبول فرنسا هذه المعلومات لا يبقى، في حالة علي، ضمن حدود التعاون القضائي أو الإداري، بل يجعله امتداداً لملاحقة إسرائيلية سابقة.
ذلك أن" إسرائيل تلجأ، بطريقة ما، إلى توكيل مهمة القيام بقمع سياسي يستهدف الفلسطينيين ــ ومن بينهم علي ــ إلى دولة أخرى، هي فرنسا في هذه الحالة"، وفق تأكيده.
بموازاة التحقيق الجنائي، يخوض الدفاع معركة أخرى أمام قضاء اللجوء، بهدف إعادة وضعية اللاجئ لعلي.
وقد قدّم محامياه، رافائيل كيمبف ومايا لينو، طعناً في قرار سحب هذه الصفة منه، لكن كيمبف قال لـ" العربي الجديد" إن فريق الدفاع يفضّل التريث في هذا الشق إلى أن تتضح نتيجة الملف الجنائي، الذي استُخدم في جانب منه لتبرير سحب الحماية.
وأضاف: " في الحقيقة، أنتظر نهاية الإجراءات الجنائية قبل الذهاب إلى الجلسة المتعلقة باللجوء"، موضحاً أنه لا يملك مؤشرات دقيقة حول موعد البت في الملف.
غير أن هذا التريث لا يعني قبولاً باستمرار حبس علي احتياطياً: " يُفترض أن علي بريء، ولهذا أرى أن وجوده في الحبس الاحتياطي فضيحة.
لا توجد أي ضرورة لبقائه في السجن، في حين أن محاكمته لم تحصل، والتحقيق يطول لأسباب مستقلة تماماً عن إرادته".
ورداً على سؤال" العربي الجديد" عما إن كان قد تقدم بطلبات للإفراج عن علي، رد كيمبف: " هذا ما أقوم به طيلة الوقت".
أما المبررات التي يقدمها القضاء في رفضه الإفراج عنه، فتدور حول خطر الفرار من فرنسا وخطر تكرار الوقائع، وهما سببان يرفضهما المحامي: " الحديث عن خطر فرار في حين أنه لاجئ في فرنسا، ولديه فيها ثلاثة أطفل، أمر غير منطقي.
إذا كان يحمل صفة لاجئ في فرنسا، فليس لكي يعود إلى فلسطين.
هناك في فلسطين حياته معرضة للخطر".
وعن خطر تكرار الوقائع المنسوبة إليه، قال المحامي إن الأمر" مريع"، لأن علي" لم يرتكب هذه الأفعال أصلاً".
ووفق شهادة محاميه، يرى علي أن ما يحدث معه" استمرار للقمع والاضطهاد اللذين تعرض لهما على أيدي السلطات الإسرائيلية عندما كان في الضفة الغربية"، كما لو أن ما حدث هناك" يتواصل هنا".
ورغم خطورة الاتهامات، يقول كيمبف إنه يعتقد، بصفته محامياً، أن" هناك فرصاً كبيرة لأن تنتهي القضية بإخراج علي من دائرة الاتهام".
يضيف: " أفعل كل ما بوسعي من أجل ذلك، ولن أتوقف عن السعي لإخراجه".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك