الصناعة البحرينية أصبحت أحد أعمدة الاقتصاد الوطني وليست قطاعا مكملاالمرحلة المقبلة تتطلب تعظيم القيمة المضافة لا زيادة الإنتاج فقطالبحرين تملك فرصة للتحول إلى مركز للصناعات الذكية والمتقدمةنجاح زالباس و زبابكوس و زجيبكس يشكل قاعدة قوية للانطلاق نحو صناعات المستقبلالتصدير سيبقى مفتاح نجاح أي صناعة بحرينية جديدةالتمويل الصناعي طويل الأجل شرط أساسي لتسريع النمو الصناعيالصناعات اللاحقة للألمنيوم توفر قيمة اقتصادية ووظائف نوعية أكبرالذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية يفتحان آفاقا صناعية واعدة للمملكةالمصانع الذكية تمثل خطوة نحو صناعة أكثر كفاءة وتنافسيةما بعد 2026 يحتاج إلى شركات وتقنيات ومهارات بحرينية أكثر من حاجته إلى مصانع جديدةالبحرين تمتلك قاعدة صناعية جيدة؛ فالصناعة التحويلية أصبحت من أعمدة الاقتصاد الوطني، إذ بلغت مساهمتها في الناتج المحلي نحو 15.
3 % في ديسمبر 2025، كما ارتفع الناتج الصناعي التحويلي إلى نحو 660.
4 مليون دينار في الربع الرابع من 2025، وهو أعلى مستوى مسجل وفق بيانات سلسلة الناتج الصناعي.
هذه الأرقام تؤكد أن الصناعة ليست قطاعا جانبيا في الاقتصاد البحريني، بل ركيزة حقيقية في التنويع الاقتصادي.
لكن السؤال الأعمق ليس “هل لدى البحرين صناعة؟ ” بل “هل تكفي البنية الصناعية الحالية لقيادة مرحلة النمو القادمة؟ ” و “هل نجحت استراتيجية الصناعة 2022 - 2026 في تحويل القطاع من صناعات كبرى كثيفة رأس المال والطاقة إلى منظومة أوسع من الصناعات الأعلى قيمة مضافة، القادرة على خلق وظائف بحرينية نوعية ومجزية؟ ”.
لقد شهد العالم في السنوات الأخيرة عودة قوية للسياسة الصناعية، لا بصيغتها القديمة القائمة على الحماية والدعم المفتوح، بل بصيغة جديدة ترتبط بالأمن الاقتصادي، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والتحول الأخضر؛ فالولايات المتحدة دعمت صناعة الرقائق والطاقة النظيفة، وأوروبا تتجه لحماية صناعاتها الاستراتيجية، والصين تواصل توسيع صناعات السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية، ودول الخليج تبني استراتيجيات صناعية ضخمة في التعدين، والدواء، والصناعات العسكرية، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا.
أولا: استراتيجية قطاع الصناعة (2022 - 2026)هذه الاستراتيجية تقوم على أربع ركائز أساسية رئيسة:- دعم تحوّل القطاع نحو الثورة الصناعية الرابعة: تتبنى الاستراتيجية دمج التقنيات المتقدمة والأتمتة في خطوط الإنتاج.
- تطبيق مفهوم الاقتصاد الدائري للكربون والحوكمة البيئية والاجتماعية: تركز على الاستدامة وخفض الانبعاثات الكربونية.
- تشجيع الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية ورقمنة التصنيع: تهدف إلى تعزيز الأنظمة الرقمية داخل المنشآت الصناعية.
- زيادة كفاءة سلاسل الإمداد والتوريد: يتم ذلك عبر تحقيق التكامل الصناعي وتكامل الصناعات الخليجية.
لتحويل هذه الركائز إلى واقع ملموس، تركز خطة الاستراتيجية على 5 محاور وقطاعات رئيسة:1.
الصناعات التحويلية: خصوصا صناعات الألمنيوم والبتروكيماويات.
2.
الصناعات الحيوية: مثل الصناعات الغذائية والدوائية والطبية.
3.
الطاقة المتجددة: لدعم مبادرات الاستدامة والتحول الأخضر (مثل مبادرة الوسم الأخضر للمصانع).
4.
تحديث التشريعات وتسهيل تجربة المستثمرين لزيادة الجاذبية الاستثمارية للمملكة.
5.
الاستثمار في البنية التحتية وتوجيه الكوادر البحرينية نحو التخصصات المهنية والتقنية المطلوبة.
وفي هذا الإطار، أطلقت وزارة الصناعة والتجارة مجموعة من المبادرات والبرامج التنفيذية الملموسة، ومن أبرزها:1.
برنامج المصانع الذكية (iFactories)؛ بهدف ضمان جهوزية المصانع للتحول الرقمي وتبني تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة.
2.
مبادرة “الوسم الأخضر” للمصانع؛ بهدف تشجيع مؤسسات القطاع الصناعي على تبني ممارسات الحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG).
3.
برنامج القيمة المحلية المضافة في الصناعة (تكامل)؛ بهدف تعزيز القيمة المضافة للمنتجات الوطنية وزيادة كفاءة سلاسل الإمداد.
4.
الشراكات التمويلية الميسرة، إذ أطلق “تمكين” برامج دعم مخصصة للمصانع لتمويل شراء المعدات الحديثة وتدريب الكوادر البشرية على التقنيات الجديدة، بينما قدمت “صادرات البحرين” حلولا تمويلية وضمانات ائتمانية لتسهيل وصول المنتجات الصناعية البحرينية إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
ثانيا: ماذا حققت الصناعة البحرينية؟حققت البحرين إنجازا صناعيا حقيقيا.
شركة “البا” وحدها تكشف عن حجم هذا الإنجاز؛ ففي 2025 سجلت الشركة صافي ربح قدره 218.
7 مليون دينار بحريني، بنمو 18.
5 % مقارنة بالعام السابق، كما بلغ حجم المبيعات أكثر من 1.
61 مليون طن متري، وارتفعت مبيعات المنتجات ذات القيمة المضافة إلى 74 % من إجمالي الشحنات.
و “بابكو” تمثل محورا آخر في الصناعة البحرينية.
مشروع تحديث المصفاة، وهو من أكبر الاستثمارات الصناعية في تاريخ المملكة، يرفع الطاقة التكريرية من نحو 265 ألف برميل يوميا إلى ما يقارب 405 آلاف برميل يوميا، مع زيادة كبيرة في إنتاج الديزل منخفض الكبريت ووقود الطائرات.
أما “جيبك” والبتروكيماويات والأسمدة، فتشكل حلقة مهمة في ربط الطاقة بالصناعة والغذاء العالمي.
وتبرز أيضا صناعات مساندة في الحديد والصلب، والكابلات، والأغذية، ومواد البناء، والتعبئة والتغليف.
كما أن البحرين باتت تملك قاعدة متنامية من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إذ بلغ عدد المؤسسات في المملكة نحو 85,700 مؤسسة في 2025، توظف 46,300 موظف.
ويقدر حجم الاستثمارات الصناعية بنحو 5 مليارات دينار مدفوعا باستراتيجية قطاع الصناعة (2022 - 2026)، بينما استقطبت البحرين نحو 2.
5 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
ويعد قطاع الصناعات التحويلية ثاني أكبر قطاع جاذب للاستثمار الأجنبي بحصة قدرها 13.
3 % من مجموع الرصيد التراكمي للاستثمارات.
التحدي ليس في غياب الاستراتيجية، ولا في الحوافظ الصناعية الكبيرة المقدمة للاستثمار الصناعي، بل في ثلاثة عوامل هيكلية: التمويل، وصغر السوق، والمنافسة الخارجية المفتوحة.
أولا، التمويل الصناعي مختلف عن التمويل التجاري والعقاري.
المشروع الصناعي يحتاج إلى رأسمال كبير، وفترة استرداد أطول، ومخاطر تشغيلية وتسويقية أعلى، لذلك فإن مجرد وجود فرص صناعية لا يكفي ما لم توجد أدوات تمويلية تناسبها (ضمانات ائتمانية، وتمويل طويل الأجل، ورأس مال جريء صناعي، وتمويل مشترك بين “تمكين” والبنوك والصناديق الاستثمارية).
ثانيا، حجم السوق البحرينية.
أي صناعة دوائية أو غذائية أو تقنية لا يمكن أن تنجح إذا بنت نموذجها على الطلب المحلي فقط.
نجاح “البا” و “بابكو” و “جيبك” تاريخيا ارتبط بالتصدير، وهذا يجب أن يكون أساس الجيل الجديد من الصناعة.
السؤال الأول لأي قطاع مستهدف يجب أن يكون: إلى أي سوق سنبيع؟ الخليج؟ الهند؟ إفريقيا؟ أوروبا؟ لا يكفي أن نسأل: ماذا سننتج؟ثالثا، المنافسة الخارجية مفتوحة وكبيرة.
البحرين تنافس بقية دول الخليج العربي التي تنفذ الاستراتيجيات نفسها ولكن بموارد أكبر، وتنافس الصين والهند وتركيا عالميا، لذلك لا تستطيع البحرين أن تدخل كل الصناعات الواعدة.
المطلوب اختيار قطاعات لا تعتمد على الحجم، بل على التنظيم، والجودة، والسرعة، والمهارات، والارتباط بالخدمات المالية واللوجستية.
رابعا: ما الصناعات التي ينبغي أن تستهدفها البحرين؟الصناعة الأولى هي الصناعات اللاحقة للألمنيوم؛ فبدلا من الاكتفاء بإنتاج المعدن، يجب رفع القيمة عبر مكونات السيارات الكهربائية، وأنظمة الطاقة الشمسية، والكابلات المتقدمة، ومواد البناء الذكية، والتغليف الصناعي.
هنا تكون القيمة المضافة والوظائف أفضل من تصدير المادة الأساسية؛ لأن هذه الصناعات تحتاج إلى تصميم، وجودة، وهندسة، وتسويق صناعي، وسلاسل إمداد.
الصناعة الثانية هي الدواء والتقنيات الحيوية.
البحرين لا تستطيع منافسة الهند أو الصين في الإنتاج الدوائي واسع النطاق، لكنها تستطيع دخول مجالات متخصصة (الأدوية الجنيسة، والمستلزمات الطبية، والفحوصات التشخيصية، والمختبرات، والتجارب السريرية).
والأهم أن اتفاق “ممتلكات” مع “SandboxAQ” في 2025 بإطار تنفيذ الاستراتيجية الصناعية لتطوير اكتشاف الأدوية باستخدام الذكاء الاصطناعي والنماذج الكمية، يستهدف بناء أصول تقنية حيوية قد تتجاوز قيمتها مليار دولار في برنامج مدته ثلاث سنوات.
هذا نموذج لصناعة لا تعتمد على الأرض والطاقة، بل على البيانات والملكية الفكرية والبحث.
الصناعة الثالثة هي التصنيع الذكي.
مبادرة “iFactories”، التي اطلقتها وزارة الصناعة بالتعاون مع “تمكين”، والتي تستهدف تحويل 300 مصنع إلى مصانع ذكية بحلول 2026، يجب ألا تُقرأ كمشروع رقمنة فقط، بل كبوابة لخلق سوق جديدة في الأتمتة، وإنترنت الأشياء، والأمن السيبراني الصناعي، والصيانة التنبؤية، وتحليل بيانات الإنتاج بهدف تبني تقنيات الثورة الصناعية الرابعة.
الصناعة الرابعة هي التكنولوجيا المالية الصناعية.
البحرين مركز مالي، ولذلك يمكنها تحويل الخبرة المصرفية إلى برمجيات قابلة للتصدير (الامتثال، ومكافحة غسل الأموال، والمدفوعات، وإدارة المخاطر، والتمويل الإسلامي الرقمي، وحلول الأمن السيبراني المالي).
هذه صناعة قليلة الحاجة للأرض، عالية الحاجة للمهارة، وقادرة على خلق وظائف ذات أجور أعلى.
الصناعة الخامسة هي الاقتصاد الأزرق (الاستزراع السمكي، والأغذية البحرية المصنعة، والخدمات البحرية الذكية، وصيانة السفن، والتقنيات البيئية البحرية).
ميزته أنه مرتبط بجغرافيا البحرين، لكنه لن ينجح إذا بقي تقليديا؛ يجب أن يبنى على التقنية، والمعايير، والتصدير.
خامسا: أتحتاج البحرين إلى سياسة صناعية أم إلى منظومة ابتكار؟تحتاج البحرين إلى الاثنين معا.
الاستراتيجية الحالية وضعت الاتجاهات الصحيحة، لكن المرحلة التالية يجب أن تحولها إلى منظومة تشغيلية.
لا يكفي أن نقول إننا نستهدف الدواء أو المصانع الذكية؛ يجب أن توجد لكل قطاع خريطة واضحة: من يمول؟ من يدرب؟ من يشتري أول إنتاج؟ من يفتح الأسواق؟ ومن يقيس القيمة المضافة المحلية؟علامة “صنع في البحرين” التي تمنح المصانع ذات المحتوى المحلي 35 % أو أكثر مزايا تسويقية يمكن أن تكون أداة مهمة، لكنها يجب ألا تبقى شعارا تسويقيا.
ينبغي ربطها بالمشتريات الحكومية، والمعارض الخارجية، وسلاسل توريد الشركات الكبرى، وتفضيلات التصدير.
كذلك تحديث قانون المناطق الصناعية يجب أن يقاس بنتائجه؛ هل خفّض كلفة الدخول؟ هل جذب صناعات نوعية؟ هل حسّن استغلال الأراضي؟ وهل أعطى مرونة للمصانع التقنية الصغيرة لا للمشاريع الكبيرة فقط؟سادسا: ما المطلوب بعد 2026؟المطلوب ليس استراتيجية جديدة بالكامل، بل مرحلة ثانية أكثر تركيزا.
أولا، إنشاء برنامج تمويل صناعي طويل الأجل موجه للصناعات ذات القيمة المضافة، وليس دعما عاما لكل مصنع.
ثانيا، تحويل “البا” و “بابكو” و “جيبك” و “بحرين ستيل” إلى منصات لعناقيد صناعية؛ عبر إلزام أو تحفيز الشركات الكبرى ببرامج مشتريات محلية وموردين بحرينيين.
ثالثا، ربط الحوافز بثلاثة مؤشرات: الصادرات، والوظائف البحرينية النوعية، والقيمة المضافة المحلية.
رابعا، تطوير برنامج وطني للوظائف الصناعية المجزية، يستهدف فنيي الروبوتات، ومهندسي الجودة، ومحللي البيانات الصناعية، ومتخصصي التجارب السريرية، وخبراء سلاسل الإمداد، ومطوري البرمجيات الصناعية.
خامسا، بناء بوابة تصدير صناعية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة؛ لأن صغر السوق المحلية يجعل التصدير شرطا للنجاح لا خيارا إضافيا.
البحرين لا تحتاج إلى سياسة صناعية جديدة لأنها نجحت في بناء قاعدة تحتاج الآن إلى تعميق.
المرحلة الأولى صنعت “البا” و “بابكو” و “جيبك” وصادرات صناعية مهمة.
أما المرحلة التالية فيجب أن تصنع حول هذه القاعدة شركات بحرينية، وتقنيات، ومهارات، ووظائف مجزية.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك