تمثل الأسنان واجهة الابتسامة وأولى مراحل الهضم، وبالرغم من تعرضها المستمر للتسوس والتلف، فإنها تمتلك قدرة ذاتية على التجدد بفضل الخلايا الجذعية للُب السني المسؤولة عن إنتاج الخلايا المُكوِنة للعاج.
لكن مع التقدم في العمر، تتراجع كفاءة هذه الخلايا، ما يؤدي إلى تدهور صحة الأسنان فيما يُعرف بالشيخوخة البيولوجية.
وفي هذا السياق، اكتشف فريق بحثي بقيادة فانيوان يو من جامعة سيتشوان، في دراسة نُشرت في مجلة “تقارير الخلايا الجذعية” (Stem Cell Reports)، إحدى آليات شيخوخة الخلايا الجذعية للُب السني، وحدد استراتيجية محتملة لمواجهتها.
وأظهرت الدراسة أن الأسنان الشابة احتفظت بقدرتها التجديدية بدرجة أكبر مقارنة بالأسنان المسنة، ما يشير إلى أن التقدم في العمر يضعف تجدد لُب الأسنان.
كما استخدم الباحثون فئرانا معدلة وراثيا لتحديد مجموعة من الخلايا الجذعية المسؤولة عن إنتاج خلايا لُب الأسنان والأرومة السنية في الأسنان الصغيرة.
ولمزيد من التفاصيل عن هذه الدراسة، التقت “صحتنا” د.
علي محسن الصالح، طبيب جراحة الفم والفكين بمجمع السلمانية الطبي، الذي أكد أن الدراسة توضح أن تراجع قدرة الأسنان على التجدد لا يحدث فقط بسبب التآكل أو تراكم الضرر مع مرور السنوات، بل يرتبط أيضا بتغيرات داخلية في الخلايا الجذعية نفسها.
فمع التقدم في العمر، يقل عدد ونشاط بعض الخلايا الجذعية المهمة داخل لب الأسنان، خصوصا الخلايا المرتبطة ببروتين NFATC1.
وعندما تضعف هذه الخلايا، تقل قدرتها على إنتاج خلايا جديدة مكونة للعاج، ما يجعل السن أقل قدرة على إصلاح نفسه بعد التلف.
دور الخلايا الجذعية في لب الأسنانوأوضح أن الخلايا الجذعية في لب الأسنان، والمعروفة باسم DPSCs، هي خلايا توجد داخل لب السن، أي في الجزء الداخلي الحي من السن.
وتتميز هذه الخلايا بقدرتها على التجدد والتحول إلى أنواع أخرى من الخلايا، خصوصا الخلايا المُكوِّنة للعاج.
وقال: “يُعد دورها مهمًا جدا في الحفاظ على صحة الأسنان؛ لأنها تساعد على إصلاح الأنسجة المتضررة عند حدوث تسوس أو إصابة.
وبمعنى آخر، يمكن النظر إليها على أنها جزء من نظام الدفاع والإصلاح الطبيعي داخل السن، حيث تساهم في إنتاج عاج جديد وحماية اللب من التلف”.
وبين أن شيخوخة الخلايا لا تعني بالضرورة أن الخلية تموت، بل تعني أنها تدخل في حالة من الضعف الوظيفي.
في هذه الحالة، تصبح الخلية أقل قدرة على الانقسام والتجدد وأداء دورها الطبيعي بكفاءة.
وتابع أنه في سياق الأسنان، عندما تدخل الخلايا الجذعية في لب الأسنان في حالة شيخوخة، فإنها تصبح أقل قدرة على إنتاج الخلايا المُكوِّنة للعاج.
وهذا يؤدي إلى ضعف قدرة السن على تعويض العاج المتضرر، ما يجعل الأسنان أكثر عرضة للتلف مع التقدم في العمر.
ولفت إلى أن هذا الاكتشاف يضيف بُعدا جديدا لفهمنا التقليدي.
في السابق، كان ضعف الأسنان لدى كبار السن يُفسَّر غالبا بعوامل خارجية أو تراكمية مثل التسوس، وتآكل المينا، وأمراض اللثة، أو قلة العناية الفموية.
وأضاف أن هذه الدراسة تشير إلى وجود سبب بيولوجي داخلي أيضا، وهو ضعف قدرة الخلايا الجذعية داخل السن على التجدد والإصلاح.
لذلك، فإن ضعف الأسنان مع العمر لا يرتبط فقط بما تتعرض له الأسنان من الخارج، بل أيضا بتراجع كفاءة نظام الإصلاح الطبيعي داخلها.
وأشار إلى أن أهمية بروتين NFATC1 تكمن في أنه يبدو مرتبطا بنشاط الخلايا الجذعية المسؤولة عن تجديد العاج.
فعندما يكون هذا البروتين موجودا بمستويات جيدة، تكون الخلايا الجذعية أكثر قدرة على أداء دورها في إنتاج خلايا مُكوِّنة للعاج.
وقال “أما عندما يقل هذا البروتين مع التقدم في العمر، فإن نشاط هذه الخلايا يتراجع، ما يضعف عملية التجدد.
لذلك، فإن تحديد دور NFATC1 قد يساعد الباحثين على فهم الآلية الدقيقة وراء شيخوخة الأسنان، وقد يفتح المجال مستقبلا لتطوير علاجات تستهدف الحفاظ على نشاط الخلايا الجذعية داخل السن”.
وذكر أن الدراسة بيّنت أن NFATC1 يُعدّ ضروريا لوظيفة الخلايا الجذعية اللبية السنية (DPSCs) في الفئران، إذ إن حذفه يُوقف تكوين الخلايا المُكوِّنة للعاج، ويُحفِّز شيخوخة الأسنان الصغيرة، ويُقلِّل من قدرة السن على التجدد بعد الإصابة.
ومن المُشجِّع أنه يمكن تحفيز تجدد الأسنان في الفئران التي تفتقر إلى NFATC1 باستخدام مزيج من الأدوية المُضادة للشيخوخة التي تعمل عن طريق القضاء على الخلايا الهرِمة.
خطوة مهمة نحو تأخير شيخوخة الأسنانوألمح إلى أن هذه النتائج يمكن اعتبارها خطوة مهمة نحو تأخير شيخوخة الأسنان أو تحسين قدرتها على الإصلاح، لكنها لا تعني أننا أصبحنا قادرين حاليا على إيقاف شيخوخة الأسنان بشكل كامل.
وتابع أن الدراسة تقدم فهما أعمق للسبب الخلوي وراء تراجع التجدد، وهذا بحد ذاته مهم جدا.
فإذا تمكن العلماء مستقبلا من حماية هذه الخلايا الجذعية أو تنشيطها، فقد يصبح من الممكن إبطاء تدهور الأسنان المرتبط بالعمر.
ومع ذلك، ما زالت هذه الفكرة في مرحلة البحث، وتحتاج إلى المزيد من التجارب قبل أن تتحول إلى علاج فعلي للإنسان.
النتائج قد تكون ذات صلة بالبشروبين أنه ينبغي التعامل مع هذه النتائج بحذر عند تعميمها على البشر.
فالنماذج الحيوانية، مثل الفئران، مفيدة جدا لفهم الآليات البيولوجية، لكنها لا تمثل جسم الإنسان بشكل كامل.
لذلك، لا يمكن افتراض أن النتائج ستنطبق على البشر بالطريقة نفسها تماما.
ومع ذلك، أكد أن الدراسة تصبح أكثر أهمية؛ لأنها لم تعتمد فقط على الحيوانات، بل وجدت مؤشرات مشابهة في خلايا أسنان بشرية أيضا، مثل انخفاض نشاط NFATC1 مع العمر.
وهذا يعني أن النتائج قد تكون ذات صلة بالبشر، لكنها تحتاج إلى دراسات سريرية إضافية للتأكد من فعاليتها وأمانها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك