يتجاوز الدمج حدود الترتيبات الأمنية بين دمشق و«قسد»، ليصبح جزءاً من إعادة ترتيب العلاقة بين المركز السوري والمؤسسات التي نشأت في مناطق الإدارة الذاتية.
يدخل ملف دمج قوى الأمن الداخلي «الأسايش»، التابعة لقوات سوريا الديمقراطية «قسد»، ضمن وزارة الداخلية السورية مرحلة أكثر حساسية، بعدما انتقل من التفاهمات العامة إلى الحديث عن أرقام وآليات ومقابلات فردية.
فالحديث عن نحو تسعة آلاف عنصر مرشحين للانتقال إلى المؤسسة الأمنية الرسمية، بينهم ألف سيدة، يضع مسار دمج المؤسسات الأمنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية أمام اختبار عملي واسع داخل بنية الدولة السورية.
وتكمن أهمية هذا المسار في أنه يمس جوهر السلطة اليومية داخل الحسكة.
فالأمن، بخلاف الملفات الخدمية الأخرى، يحدد شكل السيطرة ومستقبل المحافظة الواقعة في أقصى شمال شرقي سوريا.
لذلك تبدو عملية الدمج أقرب إلى اختبار سياسي ومؤسساتي، لا إلى نقل عناصر بين أجهزة أمنية فقط.
وتكشف المعطيات التي تحدث عنها نائب محافظ الحسكة والمتحدث باسم الفريق الرئاسي، أحمد الهلالي، أن عملية دمج «الأسايش» لن تسير بمنطق الاستيعاب الجماعي أو النقل الإداري المباشر، وإنما عبر مسار انتقائي تحكمه المقابلات الفردية وتدقيق السجلات وفحص الأهلية القانونية والصحية والمهنية.
ويعكس هذا الرقم حجم البنية الأمنية التي يُراد نقلها من وضعها السابق إلى الإطار الرسمي، كما يكشف صعوبة تحويل جهاز تشكّل في ظروف استثنائية إلى مؤسسة تعمل وفق معايير الدولة.
وفي تفسيره لتصريحات الهلالي، قال مصدر حكومي في شمال شرقي سوريا إن عدد المتقدمين «لا يعني أنه سيتم قبول جميع المتقدمين، ومن غير الممكن أن تتحمل محافظة الحسكة كل تلك الأعداد».
وقدّر المصدر أنه «في أحسن الأحوال يمكن قبول ثلث العدد، أي نحو ثلاثة آلاف عنصر، بعد فحص الكفاءة».
وتحمل الخطة الزمنية التي تستهدف إنجاز الجزء الأكبر من الإجراءات خلال شهري حزيران/يونيو الجاري وتموز/يوليو المقبل دلالة إضافية؛ إذ تبدو الحكومة معنية بإظهار أن الدمج دخل طور التنفيذ العملي.
غير أن توزيع المقبولين وفق احتياجات المؤسسة الجديدة وطبيعة الاختصاصات يعني أن العملية ستنتج حكماً فرزاً داخلياً بين من سيجد مكاناً في البنية الجديدة، ومن ستبقى وضعيته معلقة أو خارجها.
وهنا يبرز تعقيد الملف، لأن نجاحه لا يتوقف على قبول الأعداد الكبيرة، وإنما على قدرته على تحويل عناصر «الأسايش» إلى جزء من مؤسسة أمنية موحدة، من دون خلق شعور بالإقصاء أو فتح فراغ جديد في المحافظة.
وعلى هذا الأساس، تبقى النتيجة الأهم مرتبطة بقدرة هذا المسار على إنهاء الازدواجية الأمنية، أو على الأقل تقليصها، في مدينة اعتادت خلال السنوات الماضية على تداخل الصلاحيات بين مؤسسات الإدارة الذاتية والحضور الحكومي المحدود، قبل أن يعيد الاتفاق الأخير فتح سؤال المرجعية الأمنية من جديد.
فالانتقال من جهاز أمني نشأ في ظروف الحرب والإدارة الذاتية إلى مؤسسة رسمية تابعة لوزارة الداخلية يطرح أسئلة تتجاوز العدد والآلية، وتصل إلى معنى السلطة اليومية داخل المدينة.
ومن المتوقع أن يسهّل تعيين قائد «الأسايش» محمود خليل علي، المعروف سابقاً باسم سيامند عفرين، نائباً لقوى الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، ومنحه رتبة عميد، عملية دمج عناصر القوى الأمنية الكردية في وزارة الداخلية السورية.
وتعيش الحسكة، في هذا المسار، وضعاً متداخلاً؛ فبينما يتحدث الخطاب الرسمي عن توحيد المؤسسات وضم القوى الأمنية إلى بنية الدولة، تواصل «الأسايش» حضورها العملي في الشوارع والأحياء، وتضع هذه المفارقة الحسكة في منطقة وسطى، حيث تتحرك سلطة الأمر الواقع ميدانياً، فيما يجري الإعداد لمرحلة يفترض أن تعود فيها المرجعية الأمنية إلى وزارة الداخلية في دمشق.
ومن هذه الزاوية، يتجاوز الدمج حدود الترتيبات الأمنية بين دمشق و«قسد»، ليصبح جزءاً من إعادة ترتيب العلاقة بين المركز السوري والمؤسسات التي نشأت في مناطق الإدارة الذاتية.
فالعملية تطرح أسئلة حول الرتب والمهام، ومصير العناصر الذين لا تنطبق عليهم الشروط، والمساحة التي ستُترك للخبرات السابقة داخل الجهاز الأمني الجديد، ولا سيما للعنصر النسائي القادم من تجربة أمنية وعسكرية مختلفة.
على وقع ترتيبات الدمج، شهدت الحسكة انتشاراً أمنياً واسعاً لـ«الأسايش» ووحدات مكافحة الإرهاب التابعة لـ«قسد»، مع إقامة حواجز ونقاط تفتيش في الشوارع الرئيسية ومداخل الأحياء.
وقد أعاد هذا المشهد الملف الأمني إلى تفاصيل الحياة اليومية، بعدما باتت حركة السكان مرتبطة بحجم التشديد عند التقاطعات والمداخل.
وتضع «الأسايش» الحملة في إطار مواجهة تصاعد الجرائم والسرقات والاعتداءات المسلحة.
غير أن توقيتها يمنحها بعداً سياسياً إضافياً، إذ تأتي بالتوازي مع الحديث عن اقتراب دمج عناصرها ضمن وزارة الداخلية، وعن تفعيل مؤسسات قضائية وإدارية كانت موضع تجاذب بين الحكومة السورية و«قسد».
ومن ثم، تبدو الحملة جزءاً من مرحلة تتداخل فيها الحاجة إلى ضبط الشارع مع محاولة تثبيت الحضور الميداني قبل اكتمال نقل الصلاحيات.
وشكّل قرار حظر الدراجات النارية العنوان الأبرز لهذا التشديد، بعدما ربطت «الأسايش» استخدامها بحوادث السرقة والتشليح وسهولة التنقل بعد تنفيذ الاعتداءات.
غير أن القرار يتجاوز وسيلة النقل نفسها، إذ يعكس خللاً أمنياً أوسع، تتداخل فيه الجريمة اليومية مع ضعف الرقابة وانتشار السلاح وقرب خطوط التماس وتعدد الجهات صاحبة النفوذ.
لذلك قد يخفف الحظر بعض المخاطر الآنية، لكنه لا يعالج وحده الأسباب التي جعلت الفوضى الأمنية مصدر قلق يومي للسكان.
كما يضع الحظر الأهالي أمام معادلة صعبة؛ فهناك من يراه إجراءً ضرورياً للحد من الفوضى، في حين قد يتعامل معه آخرون كقيد جديد على الحركة، خصوصاً لمن يعتمدون على الدراجات في العمل والتنقل داخل المدينة وأطرافها.
وبين الحاجة إلى ضبط وسيلة ارتبطت بجرائم متعددة، والخشية من توسيع دائرة العقوبة لتطاول فئات واسعة، يصبح القرار مؤشراً إلى طبيعة إدارة الأمن في هذه الفترة الحساسة.
ويأتي هذا الاستنفار بعد أشهر من التحولات الميدانية التي غيّرت موازين السيطرة في أجزاء من محافظة الحسكة ومحيطها.
ورغم أن التفاهمات بين الحكومة السورية و«قسد» خففت مستوى التصعيد العسكري، فإنها لم تنتج حتى الآن صيغة أمنية مكتملة داخل المدينة.
فالتهدئة أوقفت المواجهة المباشرة، لكنها لم تنه ارتباك الإدارة اليومية، في وقت ما زالت فيه الملفات الخدمية والقضائية والإنسانية تتحرك ببطء.
السكان بين الأمن والخدمات المؤجلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك